العاشر من كانون الثاني الماضي، شكّل في رأي عدد من المحللين السياسيين، محطة استثنائية في تاريخ الجمهورية الاسلامية المعاصرة. في هذا اليوم، وللمرة الأولى منذ انتصار ثورة الخميني، ندّد البرلمان الإيراني بأكثرية مطلقة في بيان تناقلته وسائل الإعلام المحلية والعالمية، بالممارسات العقيمة الشاذة، وبما يتعارض وشرعية حقوق الانسان الدولية، التي تعرض لها عشرات المعتقلين منذ أسابيع طويلة أعقبت التظاهرات الصاخبة التي عمّت ايران، استنكاراً لانتخابات وصفتها المعارضة الايرانية بـ "المزورة"، أعادت محمود أحمدي نجاد لولاية رئاسية ثانية.
البيان كشف صراحة للرأي العام المحلي والخارجي، خصوصاً وقد تمت تلاوته بصوت عال تحت قبة المجلس، ما يجري من اعمال تعذيب نفسي وجسدي بحق المعتقلين. واتهم بشكل مباشر، أحد كبار المسؤولين في وزارة العدل الإيرانية، هو مدّعي عام طهران سعيد مرزاوي، بالتسبب في وفاة ثلاثة مساجين على الأقل في سجن "كاهريزاك". وأكد وجود 147 سجيناً تم اعتقالهم في تظاهرات التاسع من تموز الماضي، وزجهم في زنزانة لا تزيد مساحتها عن سبعين متراً مربعاً، تفتقد لكل شروط التبريد والتدفئة، فضلاً عن حرمانهم من المواد الغذائية والأدوية، بناء لأوامر مشددة ومباشرة غير قابلة للرد من مزراوي نفسه. والمعروف أن المعتقل المذكور، المعد خصيصاً لكبار المجرمين ومهربي المخدرات، جرى إغلاقه في شهر آب الماضي، بطلب من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي، بعدما تأكد من وفاة ثلاثة مساجين فيه جراء التعذيب الذي تعرضوا له، بينهم ابن أحد العلماء المشهورين يعمل في مختبر حكومي للتطوير النووي والتقني.
التقرير الذي أعدته لجنة الإدارة والعدل في البرلمان الإيراني واعتمده رئيس المجلس داخل السجون الإيرانية، وخصوصاً ما يتعرض له أنصار المعارضة من شباب ومراهقين من عمليات عنف وإرهاب على ايدي حراس الثورة، على الرغم من الضغوط التي مارسها مزراوي على النواب والعديد من القوى السياسية، لإسقاط البيان أو أقله عدم التصويت عليه من قبل الأكثرية الحاكمة، وذلك حسب اعترافه بأن المعتقلين الثلاثة المتوفين قضوا نتيجة إصابتهم بمرض التهاب السحايا، وأن مضادات حيوية تم توزيها على سائر المعتقلات خوفاً من تفشي المرض، وهذا ما نفاه التقرير جملة وتفصيلاً، وأكد أن الوفيات نتجت عن جملة أسباب وأهداف تتعارض وشرعة حقوق الانسان. ولفت البيان إلى المعاملة الوحشية التي يعاني منها المعتقلون السياسيون أثناء احتجازهم "كما لو كانوا عبيداً لدى أسياد في القرن الوسطى". فالمساحة الصغيرة التي حشروا فيها فرضت عليهم النوم وقوفاً وسط حرارة شديدة، وبعيداً عن وسائل التهوئة حتى البدائية منها، ونقص شديد في المواد الغذائية والطبية.. كل ذلك مصحوباً بإرهاب مارسه الحراس بدم بارد انتقاماً من شباب ومراهقين جريمتهم الكبرى معارضتهم للرئيس نجاد".
ومن موقع الدفاع عن نفسه، خصوصاً أن الاتهامات تناولت الرئيس نجاد بالاسم والتشهير به علناً، بادر مزراوي إلى نفي كل ما ألصق به من اتهامات وقوله إن سجن "كاهريزاك" لم يكن ضمن صلاحياته القضائية، وأنه اضطر إلى حجز المعتقلين فيه لعدم توفّر الأمكنة في سجن "ايفين" في طهران.. الأمر الذي نقضه بيان البرلمان جملة وتفصيلاً، مذكراً بتحذير كان أرسله منذ نحو سنتين رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق محمود هاشمي شهروري، متهماً فيه مزراوي بالأعمال القمعية التي تمارس بأوامر مشددة منه ضد المعتقلين السياسيين، وخصوصاً الذين تظاهروا ضد إعادة انتخاب نجاد رئيساً للجمهورية الإسلامية.
ومما جاء في المذكرة أنه "من غير المقبول والمعقول أن يتنصل بعض المسؤولين السياسيين وممن يشغلون مناصب عليا في مجلس القضاء من مسؤولياتهم ورمي التهم جزافاً على من دونهم في السلطة، وعلى هذا الأساس يتحمّل القضاء الأعلى كل تقصير أو أعمال عنف وترهيب نفسي وجسدي في هذا المعتقل".
وتبعاً لهذا الاتهام العلني والمباشر للسلطتين السياسية والقضائية من المجلس التشريعي الايراني، بادر الرئيس نجاد إلى اعفاء مزراوي من منصبه وتعيينه رئيس شعبة مكافحة المخدرات. ما يعني ان الرئيس الايراني لن يعدم وسيلة للتضحية بحلفائه واعتبارهم كبش محرقة للحفاظ على موقعه، ودرءاً لمواقف قد تتكرر على لسان البرلمانيين. لكن الملفت أن البيان الاتهامي لم يشر لا من قريب ولا من بعيد للجنرال أحمد رضا راضال المدير المساعد لقائد الشرطة الايرانية، المتهم هو الآخر كشاهد عيان على عمليات التعذيب التي أدت إلى وفاة ثلاثة معتقلين بما فيها الضرب والجلد والصعق بالتيار الكهربائي.. ما يفيد بالتالي ان الظروف المأسوية التي يعانيها المعتقلون مستمرة إلى آجال غير محددة طالما السلطة القضائية أسيرة القرار السياسي "النجادي" بامتياز. وحسب المحلل السياسي الإيراني حسين باستاني، "يستمر مزراوي بريئاً في نظر السلطة السياسية، وليس هناك في الأفق، أقله حتى الآن، ما يشير إلى معاقبته وأمثاله ليكونوا عبرة لغيرهم". يضيف باستاني: "ربما أراد المجلس التشريعي من خلال بيانه الاتهامي العلني التضحية به، لكن مزراوي ما زال حتى اليوم يتمتع بنفوذ كبير ومدعوماً من أعلى السلطات السياسية وعلى رأسهم أحمدي نجاد"، لافتاً إلى أن النظام يعاني انقسامات حادة في طريقة مواجهة التظاهرات المستمرة. هناك فريق يرى من الضرورة محاكمة المسؤولين أمثال مزراوي ومعاقبتهم لتهدئة الأوضاع في البلاد. وفريق آخر يعتبر أن مثل هذا الإجراء يؤدي إلى مزيد من الفوضى الداخلية، ويهدد النظام نفسه وأسياده بالإنهيار عاجلاً أم آجلاً.
" المستقبل "




















