عادت تركيا لتصبح من جديد لاعباً فاعلاً في الشرق الأوسط بعد غياب عقود من الزمن، ومرد ذلك أن التفاعل التركي الراهن مع قضايا المنطقة يبدو أمراً تحتمه المصالح الوطنية التركية. وهكذا تترك العودة التركية تداعياتها سواء على التوازنات في الساحة الشرق الاوسطية، أم على أنماط تفكير النخبة العربية والكيفية التي تنظر بها إلى تركيا، بعدما استكانت هذه النخبة إلى أحكام القيمة في تقويمها للتجربة التاريخية التركية منذ إعلان الجمهورية عام 1923.
صحيح أن العقود التي غابتها تركيا عن تفاعلات المنطقة تعد فترة طويلة نسبياً، إلا أن "المنظار الإيديولوجي" الذي استعملته النخبة العربية والتيارات السياسية العربية، من اليسار إلى اليمين، حال دون الرؤية الصحيحة لهذا البلد الكبير والعريق والمؤثر في تاريخ المنطقة. ارتكنت شرائح كبيرة من النخبة العربية ذات الميول القومية واليسارية، لعقود خلت، على أحكام القيمة في تقويمها للأحداث والظواهر، فدمغت غالبيتها النخبة تركيا بالتبعية لطرف دولي بالقياس إلى تجربة الحرب الباردة وانضمام تركيا إلى حلف "السنتو" ومن بعده حلف "الناتو". وحالت هذه النظرة المسطحة دون مواكبة التطورات والتغيرات في هذا البلد المهم في المنطقة والمؤثر فيها بشدة، بعد أن اختزلت سياسات تركيا الداخلية والإقليمية في إطار آني وضيق ومعلب سلفاً.
أما مؤيدو الإسلام السياسي العرب فراحوا ينعون على الجمهورية أنها كرست سقوط دولة الخلافة الإسلامية وقامت على أنقاضها، مما يعني بالضرورة – من منظـــار الإسلام السياسي – أن الجمهورية التركية بنيت على "جريمة تاريخية". وفاتهم أن الجمهورية التركية كانت انجازا تاريخياً أنقذ ما يمكن إنقاذه من إمبراطورية تفككت بالفعل قبل سنوات من قيام الجمهورية وحكم عليها العالم الغربي بالموت، حتى أن الآستانة مقر الخلافة تم احتلالها فضلاً عن أجزاء كبيرة من تركيا الحالية، قبل أن يسترد العسكريون الأتراك من رفاق مصطفى كمال ما تبقى من الأراضي التركية من أيدي قوات الاحتلال الانكليزي والإيطالي وحتى اليوناني والتي جثمت على الخريطة التركية قبل قيام الدولة.
العلمانية خيار تاريخي
دفع الأتراك والمجتمع التركي ثمناً غالياً للاختيار المصيري في تاريخهم الحديث والمتمثل في تأسيس الجمهورية وحسم خيار الالتحاق بالغرب وتبني قيم العلمانية؛ لكن وبعد مرور ثمانية عقود ونصف من إعلان الجمهورية التركية يبدو التدقيق المنصف في نتيجة ما جرى لمصلحة تركيا ولمصلحة اختيارها الأساسي. صحيح أن العلمانية في تركيا تأخذ طابعاً متشدداً في أحيان كثيرة، ولكن من ينعى على تركيا اختيارها العلماني – برغم كل مثالبه – لا يسعه إلا أن يلحظ، في الوقت ذاته، أن عملية التناوب على السلطة والسماح لحزب ذي مرجعية إسلامية مدنية أن يتولى الحكم في تركيا، هي الثمرة الطبيعية الإيجابية للعلمانية التي تسمح بحدوث ذلك. تكفي نظرة إلى التقدم الكبير الذي حققته تركيا سياسياً واقتصادياً في مقابل التراجع الأكبر لدى الدول العربية من جيرانها. وإن كان الصراع العربي – الإسرائيلي قد لعب دوره الحاسم في تأخير عجلة تنمية الاقتصاد والسياسة والمجتمع في الدول العربية، إلا أن ذلك وحده لا يكفي سبباً لتبرير الفجوة الكبيرة التي تفصل تركيا عن الدول العربية، والفجوة الأقل التي تفصل تركيا عن إيران. السبب الأساسي يكمن في التضحيات التي قدمها الأتراك في مطارح عيشهم الأوروبية في المهاجر، وفي المصانع بالغرب التركي والتي تصوّر منتجاتها بأسعار زهيدة للغرب الصناعي حتى تلتحق بلادهم بدورة رأس المال العالمي.
وبالعرق والدم والدموع حجزت تركيا لنفسها مكاناً بين الأمم، فهي الآن الاقتصاد الرقم 17 في العالم قبل كل الدول العربية النفطية، وقبل إيران النفطية، وقبل إسرائيل الموقع المتقدم للغرب في المنطقة. ليست تركيا ملاكاً، ولكنها بالتأكيد ليست شيطاناً أيضاً وفي كل الأحوال ليست كائناً هابطاً على المنطقة بالمظلة. لم تعد تركيا واجهة لدول عظمى في المنطقة كما كانت ربما في السابق، إنها الآن دولة إقليمية نافذة، لها مصالح وطنية تتوخى تحقيقها عبر تحالفات دولية وإقليمية، ويجب النظر إليها ضمن هذا الإطار. كما تستهدف السياسة الخارجية الجديدة في تركيا ترسيخ نفوذها في المنطقة، ونقلها من عضو في محاور وأحلاف مع دول ضد أخرى، إلى مركز إقليمي يحتفظ لنفسه بمسافة من الجميع ويتواصل معهم في الوقت نفسه. وهنا تلفت الانتباه ملاحظة الأصدقاء من المثقفين الأتراك الذين جالوا على القاهرة مؤخراً بأن جيرانهم العرب لا يفهمونهم بالشكل الكافي، بمعنى أن الخيال السياسي العربي ينطلق الآن في نظرته إلى تركيا من كونها "ثقلاً موازياً" يمكن من طريق استخدامه موازنة النفوذ الإيراني في المنطقة. يعتبر المثقفون الأتراك أنهم ليسوا نموذجاً يحتذى لدول المنطقة ولا ينظرون إلى إيران باعتبارها منافساً إقليمياً، ولذلك تأتي الحركة التركية في المنطقة سواء حيال العراق والكيان الكردي في شماله، أو حيال سوريا والتوسط في العملية التفاوضية بينها وبين تل أبيب على خلفية المصالح الوطنية التركية أولاً وأخراً.
احتكار تركيا
تستبطن المخيلة العربية في نظرتها الحالية تجاه تركيا استخدام الجار العائد إلى المنطقة كعامل من عوامل "التوازن"، وليس كما يرى الأتراك أنفسهم باعتبارهم يقفون على مسافة واحدة من كل الأطراف الإقليمية. وفي الوقت نفسه لا يمكن إطلاق الأحكام ودمغ كل النخبة العربية بمعاداة تركيا، ولكن الملاحظ أنه حتى من ينظرون إلى تركيا في معزل عن الإسقاطات التاريخية، أو محاولة استخدام تركيا "عامل توازن" في مواجهة إيران، يعانون تحت وطأة حكم مسبق من نوع آخر من الاحكام مفاده الترحيب الهائل بوصول "حزب العدالة والتنمية" إلى السلطة في أنقره باعتبار ذلك انتصاراً للأصدقاء على الأعداء من العلمانيين الأتراك. وهذا الترحيب المبالغ فيه يؤرخ للعلاقات مع تركيا منذ هذا الانتصار الانتخابي (العلاقات العربية التركية تعود إلى أيام الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية والعثمانية وليس إلى خمس سنوات خلت) بعد أن يضع "منظاراً إيديولوجياً" من نوع جديد على أبصار المهتمين بتركيا وقضايا الحوار معها. ويعود ذلك إلى عدة أسباب أهمها عزوف شرائح كبيرة من النخبة التركية، خصوصاً من غير الإسلاميين، عن الاهتمام بالشرق الأوسط وقضاياه. كما أن الاهتمام المتزايد بالمنطقة من طرف "حزب العدالة والتنمية"، وهو أمر يحسب للحزب لا عليه، يجعل المخيلة العربية ترى تركيا بمنظار "حزب العدالة والتنمية"، وبحيث يبدو في أحيان كثيرة أن تركيا هي بلد "حزب العدالة والتنمية"، مع أن الأخير هو حزب تركي من ضمن أحزاب تركية أخرى.
العرب مطالبون برؤية تركيا بأبعادها المختلفة وأوجهها المتعددة، وليس من المنظار الذي يحلو لنا أن نراها به، سواء وجهها العلماني أو وجدانها الشرقي. ولأن الجغرافيا هي قدر الأمم، يجب على العرب التعامل مع تركيا باعتبارها جاراً تاريخياً وحضارياً يُتفق معه ويُختلف وليس ملاكاً لا يأتيه الباطل من أمام أو من خلف؛ أو شيطاناً تتوجب علينا في كل الأحوال عداوته. ربما تكون تركيا وأحزابها المختلفة مطالبة بإبراز أفكارها ورؤاها للمنطقة وأن تتفاعل بجدية أكبر مع قضاياها، وصولاً إلى تحريرها في المخيلة العربية من ذلك الاحتكار الذي ظلت تعاني منه منذ قيام الجمهورية عام 1923 وحتى الآن.
– القاهرة
(مدير مركز الشرق للدراسات الاقليمية والاستراتيجية)
"النهار"



















