الحياة – 03/12/08//
كل المعلومات تشير الى أن المفاوضات غير المباشرة عبر تركيا بين سورية وإسرائيل مستمرة على رغم غموض الوضع السياسي في إسرائيل. فالأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان كان قال لـ «الحياة» إن كل المعلومات لديه أن هذه المفاوضات مستمرة. ويسود البعض، ومن بينهم وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير، الخوف من أن التقدم على المسار السوري – الإسرائيلي ينبغي ألاّ يكون على حساب المسار الإسرائيلي – الفلسطيني. وكان لافتاً أن يقول آرون ميلر، وهو مسؤول أميركي سابق من الحزب الديموقراطي، في مقال له في «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي، إن على الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما أن يكرّس جهوده على المسار السوري – الإسرائيلي، لأن المفاوضات على المسار الإسرائيلي – الفلسطيني صعبة جداً. فتنازل إسرائيل عن الجولان في مقابل لجم سورية لكل من «حزب الله» و «حماس» هو أسهل من تنازلها عن القدس والمستوطنات وغيرها من الأمور العالقة على المسار الفلسطيني.
ولا شك أن ميلر الذي عمل مع دنيس روس المنسق الأميركي لعملية السلام في عهد الرئيس بيل كلينتون وهو بين المستشارين المحيطين بأوباما يدرك كما غيره في الغرب أنه لا ينبغي توقع أي شيء من المسار الإسرائيلي – الفلسطيني، ذلك أن إسرائيل لا تريد السلام مع الفلسطينيين، ولا تريد دولة فلسطينية على حدودها. والتوقعات أن يفوز في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة زعيم «ليكود» بنيامين نتانياهو، الذي يفضل التقدم على المسار السوري على إعطاء الفلسطينيين حقوقهم والتوصل معهم الى سلام حقيقي.
إذاً، سورية في مفاوضاتها غير المباشرة مع إسرائيل خرجت من عزلة دولية وأصبح الكل يذهب إليها، وفي الطليعة المسؤولون الفرنسيون والأوروبيون. وماذا عن لبنان والمحكمة الدولية في هذه الحال؟ هناك من يعتقد أن لبنان يرتاح إذا توصلت سورية الى سلام مع إسرائيل وتم لجم «حزب الله» في لبنان و «حماس» الموجود قائدها في دمشق. وهناك من يرى أنه في حال توصلت سورية الى سلام مع إسرائيل فستُعطى لبنان كهدية، و يتكيف «حزب الله» مع الوضع الجديد ويُدفن موضوع المحكمة الدولية، وتصبح سورية ضامنة لأمن إسرائيل في لبنان. مثل هذا السيناريو مستبعد، لأن من يعتقد أن في إمكان سورية أن تفك ارتباطاً وثيقاً يعود الى أكثر من 30 سنة مع إيران، يكون ساذجاً، وإيران حريصة على المحافظة على ورقة «حزب الله». والأدوار في المنطقة، إذا توصلت سورية الى سلام مع إسرائيل، قد تتوزع بين إيران وسورية بالنسبة الى سلاح «حزب الله».
أما بالنسبة الى لبنان والمحكمة الدولية، فهذا يعتمد على الانتخابات اللبنانية المقبلة. فإذا استطاعت الأكثرية الحالية الفوز في الانتخابات، فمن السهل أن يتفاءل المواطن اللبناني بأنه لا يمكن للأسرة الدولية والدول التي دعمت لبنان كل هذه السنين أن تتنازل عنه لإعادته الى الهيمنة السياسية السورية. ولا يمكن أيضاً دفن المحكمة الدولية والحقيقة حول مقتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري. أما إذا فاز أصدقاء سورية وحلفاؤها في لبنان من «حزب الله» الى ميشال عون، فيعني ذلك أن سورية عادت الى الهيمنة سياسياً على القرار كونها سيصبح لها رئيس حكومة ورئيس برلمان أيضاً موال للتيار السوري، وتعود كل المؤسسات التي أصبحت سيادية منذ أن خرجت القوات السورية من لبنان الى هيمنتها. إذاً على الأكثرية أن تعدَّ نفسها في شكل جيد ومنظم لهذه الانتخابات، وأن تتجاوز كل خلافاتها وطموحاتها من أجل تمثيل هذا الحزب أو ذاك بمرشحين، خصوصاً بين القيادات المسيحية من «القوات اللبنانية» أو حزب الكتائب لأن التحدي كبير، ولأن مشروع المعارضة هو إعادة الهيمنة السورية على كل قرار سياسي في لبنان عبر حلفائها، فلا حاجة لوجودها العسكري فيه. اما اذا لم يحصل ذلك فإن سيناريو إعطاء لبنان الى سورية في مقابل السلام الإسرائيلي – السوري يصبح أسهل ويكون كل شهداء لبنان وفي طليعتهم الرئيس رفيق الحريري قد دفعوا دماءهم من أجل استقلال وسيادة سيُفقدان مجدداً!
"الحياة"



















