لقد علّق الجميع تقريباً، بما في ذلك رئيس الولايات المتحدة في خطاب حال الاتحاد، على قضية "سيتيزنز يونايتد" ضد لجنة الانتخابات الفيديرالية – والتي نقضت فيها المحكمة العليا قانوناً يمنع الشركات والنقابات من استخدام أموال الخزينة العامة لدعم مرشح أو هزمه في الأيام الثلاثين السابقة للانتخابات، وأبطلت قراراً سابقاً اعتمدت عليه الأقلية.
أودّ الابتعاد عن النقاش حول ما إذا كان القرار يعزّز حرياتنا المنصوص عليها في التعديل الأول أو يسلّم البلاد لمصالح أصحاب الثروات الطائلة، وأتعاطى معه بدلاً من ذلك باعتباره الحلقة الأحدث في نزاع مستمر بين طريقتَين في التفكير حول التعديل الأول وأهدافه.
يمكننا مقاربة النزاع عبر الإشارة إلى اختلاف لفظي بين الأكثرية والآراء المؤيّدة من جهة والرأي المعارِض – 90 صفحة مليئة بالانفعال والغضب وضعها القاضي ستيفنز – من جهة أخرى. الكلمة الأهم في حجة القاضي كينيدي (التي كتبها للغالبية) هي "يثبِّط"، في حين أن الكلمة الأهم في حجة ستيفنز هي "إفساد".
يتخوّف كينيدي، إلى جانب القضاة روبرتس وأليتو وتوماس وسكاليا (المشتبه بهم المعتادين)، من أن القيود التي يفرضها القانون الذي نقضه على نفقات الحملات سوف "تثبّط" الخطاب، أي تمنع البعض من دخول سوق الأفكار الذي يجب أن يكون، في رأيه، مفتوحاً على كل الأصوات من أجل احترام القيود التي يفرضها التعديل الأول على تعطيل حرية التعبير، ("القانون الذي يثبّط الخطاب يمكن ويجب نقضه"). أما ستيفنز فيتخوف – لا بل إنه أكيد – من أن شكل الخطاب الذي يحتفي به كينيدي سوف يُفسِد تدفق المعلومات الحر الذي يُعتبَر أساسياً جداً لسلامة المجتمع الديموقراطي، "لطالما كان هناك إدراك للقدرة الخاصة التي تتمتّع بها الشركات في إفساد الآلية الانتخابية".
عندما يكتب ستيفنز "لطالما كان هناك إدراك"، فهو يشير إلى قوة التاريخ ويطلب منا أن نأخذ علماً بالأسباب وراء إقرار عدد كبير من القرارات السابقة الصادرة عن المحكمة (بما في ذلك قرار كتبه رئيس المحكمة السابق ريهنكويست) بالمخاطر التي تطرحها الشركات، وهي مخاطر دفعت تيودور روزفلت إلى إعلان ما يأتي عام 1905: "يجب أن يحظر القانون كل المساهمات التي تقوم بها الشركات لأي لجنة سياسية أو لأي غرض سياسي".
ثمة خوف مزدوج خلف هذه التصاريح القوية: (1) الخوف من أن الثروات الطائلة لن تتكلّم وحسب (الاستعارة التي تعني تحوُّل نفقات الحملات خطباً، وتالياً مسألة تستحق التدقيق في ضوء التعديل الأول) بل سوف تشتري أيضاً أصواتاً ونفوذاً، و(2) الخوف من أن تؤدّي الشركات والنقابات، مع أموالها الطائلة، إلى إبعاد الأصوات الأصغر عبر شراء كل أوقات البث وكامل المساحة في الصحافة المطبوعة. يقرّ ستيفنز أن الغالبية "تدرك صحة الاهتمام بمنع الفساد"، لكنه يشكو من أنه ليس مصدر اهتمام لها لأنها "تُنزِل فعلياً قيمة ذلك الاهتمام إلى صفر".
ليس هذا صحيحاً. يثير كينيدي والآخرون في الأكثرية الضجيج المناسب حول الفساد؛ لكنهم لا يعتقدون أن حدوثه ممكن ويخصّصون الكثير من الوقت ليشرحوا لماذا الشركات هي مثل المواطنين (وهو اقتراح يسخر منه ستيفنز)، ولماذا لا تشكّل، لأسباب متعدّدة متعلّقة بالاقتصاد والعلاقات العامة، تهديداً لنزاهة العملية الانتخابية.
لكن حتى لو اختلف نمط تفكيرهم، حتى لو اقتنعوا بالتوقعات المتشائمة التي تصدر عن ستيفنز والأشخاص الذين يذكرهم، كانوا ليتوصّلوا إلى الموقف نفسه؛ وليس السبب أنهم يرحّبون بالفساد أو لا يهتمّون بكبحه، أو يقلّلون من قيمة القلق بشأنه، إنما لأنهم يجدون مصدر اهتمام آخر أكبر قيمة، لا بل ذو قيمة فائقة. ومصدر الاهتمام هذا هو الولاء لما يعتبرونه الموجب الجازم للتعديل الأول الذي يحظر، في ما يتعلق بالخطاب السياسي، إلغاء الأصوات، ولا سيما الأصوات "التي تعتبرها الحكومة مشبوهة" (كينيدي)؛ فإذا ألغي هذا الصوت الآن، ما الذي يمنع إلغاء أصوات أخرى لاحقاً؟
حتى لو كان هناك أساس خلف اتهام أصحاب الثروات بممارسة تأثير "غير مستحَق"، فهو يظل أقل شأناً من "خسارة العملية الديموقراطية جراء فرض قيود على النقاش الحر والكامل"، كما يقول كينيدي الذي يذكر قضية سابقة. السؤال عن المكان الذي يمكن أن يقود ذلك النقاش البلاد إليه أقل أهمية من الاهتمام الطاغي بأن يكون هذا النقاش كاملاً وحراً، أي مفتوحاً للجميع ومن دون استثناءات بالاستناد إلى حساب الدوافع أو الممارسات المحتملة للمتحدّثين الأفراد أو الممثّلين للشركات. وتصر الأكثرية على أن الدولة لا تستطيع أن تتصرّف بصورة أبوية في هذا المجال. الناخبون راشدون ويجب أن يكونوا "أحراراً بالحصول على المعلومات من مصادر متنوّعة"؛ من دون أن يخضعوا لسيطرة حكومة من شأنها أن تحميهم من المصادر التي لا تثق بها.
لاحظوا كم أن خطاب كينيدي أصبح عاماً. تختفي خصوصية مشاغل ستيفنز المتجذّرة في السجل التاريخي وفي بسيكولوجيا وسوسيولوجيا الفاعلين السياسيين، في فئة "المعلومات" الجامعة. القياس المنطقي واضح. يحمي التعديل الأول حرية المعلومات؛ والشركات والنقابات هي مصادر للمعلومات؛ بناءً عليه يجب حماية مساهماتها – التي تُصوَّر الآن بأنها كلامية مئة في المئة لا مالية؛ فقد اكتمل التحوّل – مهما كان الثمن.
يقول كينيدي إن هذه هي مهمة المحكمة، السماح للآلية بأن تمضي قدماً من دون عوائق. وليست مهمتها أن تعبث بالآلية في مسعى لجعلها أكثر إنصافاً أو تمثيلاً، وهي نقطة يشير إليها رئيس المحكمة روبرتس في رأيه المؤيِّد عندما يذكر موافقاً "رفض" المحكمة في قضية باكلي ضد فاليو (1976) "أي مصلحة حكومية في ‘المساواة في القدرة النسبية للأفراد والمجموعات على التأثير في نتائج الانتخابات’". قد تكون المساواة أمراً جيداً؛ وقد تكون جميلة إذا لم تكن لأحد حصة غير متكافئة من النفوذ؛ لكن هندستها لا تقع على عاتقنا. فليتدبّر السوق ذلك.
يعود تحليل الأكثرية إلى تصريح شهير لأوليفر ونديل هولمز الذي يقرّ في قضية غيتلو ضد نيويورك (1925) أن هناك أشكالاً من الخطاب يمكن أن تولّد نتائج كارثية إذا سُمِح لها بأن تتطوّر. لكنه يقول "إذا قُدِّر للآراء المعبَّر عنها… أن تصبح مقبولة في المدى الطويل من القوى المسيطرة في المجتمع، فالمعنى الوحيد لحرية التعبير عندئذٍ هو أنه يجب أن تُمنَح فرصة ومجالاً".
تتناقض قدرية هولمز – فليتكلّم الجميع وإذا كانت النتائج سيئة، فليكن – مع التفاؤل المعرفي للقاضي برانديس الذي يعتبر أنه إذا سُمِح للسوق أن تكون مفتوحة بالكامل، فسوف يُفضَح الخطاب السيئ ويحل مكانه خطاب جيد (عكس قانون غريشام): "الحل لاستبداله هو مزيد من الخطاب، لا صمت قسري" (ويتني ضد كاليفورنيا، 1927). يرفض القاضيان تحكّم الدولة بسوق الخطاب، الأول لأنه مستعدّ للتعامل مع كل ما قد يحصل – هولمز هو من قال إن أبناء وطنه يريدون الذهاب إلى الجحيم في سلة، ويقع على عاتقه مساعدتهم – والثاني لأنه يعتبر أن نتيجة تحرير الخطاب من الأغلال ستكون جيدة.
القضاة في الأكثرية في قضية "سيتيزينز يونايتد" هم أكثر انتماء إلى معسكر برانديس. فهم يعتبرون أن التجارة الحرة في مجال الأفكار بوجود أكبر عدد من الشركاء التجاريين الراغبين في الانضمام إليها، سوف تولّد حكماً نتائج حميدة لمجتمع ديموقراطي. وبما أن ثقتهم بهذه النتائج هي مسألة إيمان نظري لا ملاحظة تجريبية أو تاريخية – حرية التعبير هي دين بالنسبة إليهم، حيث تنتظرنا مكافآت في المدى الطويل – لا يشعرون بأن من واجبهم أن يشغلوا أنفسهم بالحسابات والتوقعات القصيرة المدى.
يقدّر ستيفنز أيضاً التجارة الفكرية القوية، لكنه يعتبر أن السماح لأصوات الشركات بأن يكون لها رأيها الكامل وغير المنظَّم "يمكن أن يشوّه ‘التجارة الحرة في الأفكار’ التي تؤدي دوراً أساسياً في الانتخابات". في نظره، لا تعتني التجارة الحرة بنفسها، بل يجب هندستها من خلال فرض نوع من القيود مثل ذاك الذي نقضته الأكثرية. يمكن أن تصبح سوق الأفكار مجمَّدة ومتخثّرة؛ ويمكن عرقلة التدفق الحر، وعند حدوث ذلك، السبيل الوحيد للحفاظ على قيم حرية التعبير هو كبح بعض أشكال الخطاب أو تقييدها، تماماً مثل اقتلاع الأعشاب الضارة كي تنمو حديقتك من جديد. يقول ستيفنز إنه من شأن فرض قيود على الخطاب أن "يسهّل التقيّد بقيم التعديل الأول"، وينتقد علناً إصرار الأكثرية على أن الحاكمية الذاتية المنوَّرة "لا تقوم إلا في غياب التنظيم".
تُسمّى الفكرة التي تعتبر أنه قد يكون عليك تنظيم الخطاب من أجل الحفاظ على تقيده بالتعديل الأول، "العواقبية". بالنسبة إلى مؤمن بـ"العواقبية" مثل ستيفنز، ليست حرية التعبير قيمة قائمة في ذاتها ويجب إجلالها على هذا الأساس، بل إنها سياسة نلتزم بها بسبب العواقب الحميدة التي يُعتقَد أنها تولّدها، وهي عواقب مصنَّفة في الأجوبة المعتادة عن السؤال الآتي، لماذا وُجِد التعديل الأول؟
إنها أجوبة من نوع أن التعديل الأول يسهّل البحث عن الحقيقة، أو أن التعديل الأول أساسي للتدفق الحر للأفكار في نظام حكم ديموقراطي، أو أنه يشجّع الاختلاف في وجهات النظر، أو أنه يوفّر المواد الضرورية للخيار المطّلع وتحقيق الذات على صعيد فردي. إذا كنت تعتبر التعديل الأول آلية لتحقيق أهداف مماثلة، يجب أن تفكّر في احتمال أن بعض أشكال الخطاب سوف تقوّض تلك الأهداف لأنها تعطّل مثلاً البحث عن الحقيقة أو تمنع التدفق الحر للأفكار أو تلغي الاختلاف في وجهات النظر.
وإذا ظهرت هذه الأشكال من الخطاب مع ما يرافقها من مخاطر، فسوف تكون مضطراً – لا في انتهاك للتعديل الأول إنما أمانةً له – إلى التحرك ضدها، كما ينصحنا ستيفنز أن نفعل في الرأي الذي يعبّر عنه.
النظرة المقابلة إلى التعديل الأول – أي النظرة التي تجعلك تحترس من تثبيط أي خطاب ولو كان يحمل في طياته بزور الإفساد – هي النظرة المستندة إلى المبادئ أو النظرة التحررية أو المتعلقة بالأدبيات. بدلاً من السؤال لماذا وُجِد التعديل الأول والتوجّس من الآثار السلبية التي يمكن أن يمارسها شكل معيّن من أشكال الخطاب على تحقيق أهدافه، تسأل النظرة المستندة إلى المبادئ، ماذا يقول التعديل الأول؟ وتجيب ببساطة أنه يحظر على الدولة تعطيل حرية التعبير. ولا يقول إن تعطيل حرية التعبير محظور إلا إذا كنا نمقت الخطاب المقصود أو نخشاه أو نعتبره منخفض القيمة أو من دون قيمة على الإطلاق، بل يعتبر التعطيل محظوراً في المطلق، ولا سيما إذا كان
الخطاب المعني على صلة بالعملية السياسية.
الصياغة الأكثر إتقاناً لهذا الموقف يقدّمها الباحث المرموق في مجال التعديل الأول، وليم فان ألستين: "لا يربط التعديل الأول الحماية التي يوفّرها بأي هدف محدد، وبناءً عليه، يمكن أن ينطبق بغض النظر عن رأي الآخرين حول مدى خدمة الخطاب الذي يحميه لهذا الهدف أو عدم خدمته".
بعبارة أخرى، انسوا أمر ما يفعله الخطاب أو لا يفعله في العالم؛ واهتموا فقط بعدم فرض قيود عليه. هذا يسهّل الأمور نسبياً. جل ما يجب فعله هو التحديد بأننا نتعامل مع خطاب ثم حمايته، كما يفعل كينيدي عندما يقول إن "الحظر الذي يفرضه القسم 441ب على النفقات المستقلة للشركات هو… حظر للخطاب". هذا يكفي. لا داعي لقول المزيد، مع أن كينيدي يقول أكثر من ذلك بكثير، ولا سيما كي يشرح لماذا ليست هناك حاجة إلى قول المزيد، ولماذا كل ما يقوله ستيفنز – عن الفساد والتشويه والنزاهة الانتخابية والتأثير غير المستحق – خارج عن مسألة العقيدة.
نقاوة المبدأ الذي تدافع عنه الأكثرية تتعكّر بعض الشيء عندما تؤيّد هذه الأكثرية مقتضيات الكشف الواردة في القانون قيد النظر على أساس أنه يحق للرأي العام الاطلاع على هوية من يموّلون إعلانات الشركة وأشرطة الفيديو الخاصة بها: "تتيح هذه
الشفافية للناخبين اتخاذ خيارات مطلعة".
لا يوافق القاضي توماس على هذا الرأي. فهو يقول إن الاهتمام بـ"تزويد الناخبين معلومات إضافية ذات صلة" لا يتفوق على "‘الحق في مجهولية الخطاب’". ويعلن أن زعم الأكثرية بأن مقتضيات الكشف لا تمنع أياً كان من التكلم، خاطئ؛ فمن يعرفون أن أسماءهم سوف ترد على لائحة قد يحجمون عن المساهمة خوفاً من أعمال انتقامية، وهكذا يمارسون رقابة ذاتية. ويحذّر من أن مقتضيات الكشف تؤدي إلى "كبح النشاطات المرتبطة بالحملات ومنع الممارسة القانونية والسلمية لحقوق التعديل الأول".
وحده توماس يتحلّى بشجاعة التمسك في شكل كامل بالاقتناعات المعلنة للأكثرية. فهذا القاضي، وهو غالباً الأكثر التزاماً بالمبادئ بين القضاة (وهذا لا يعني أن مبادئه تروقني دائماً)، مستعد للتقيّد بالمبدأ حتى النهاية، ولذلك ينتقد زملاءه في الأكثرية لأنهم يفضّلون قيمة المعلومات الإضافية على القيمة المفوَّضة في التعديل الأول – حرية تعبير مطلقة لا ترزح تحت وطأة أي قيد بما في ذلك قيد توقيع اسمك. لقد قبض توماس على نظرائه المحافظين يدافعون عن حجة تصب في خانة "العواقبية”.
لا يمكن التوفيق بين النظرة "العواقبية" إلى التعديل الأول والنظرة القائمة على المبادئ. فأنصارهما يتكلمون دفعةً واحدة، ويزدادون غضباً وإحباطاً عند سماع الطرف الآخر. يندرج هذا المسلسل الطويل في سياق اجتهادات حول التعديل الأول منذ انطلاقه بقوة في العقد الثاني من القرن العشرين. قضية "سيتيزينز يونايتد" هي مقتطف فعلي من سجل الخطوات المحدود الذي توفّره هذه الملحمة الطويلة. يمكن إعداد مقرّر تعليمي بكامله حول هذه القضية.
ولذلك مع أنني أوافق على الجزء الأكبر مما يقوله ستيفنز (أنا من أنصار "العواقبية”) وأمقت القرار كمواطن، إلا أنني أحبه كثيراً كأستاذ لمادة التعديل الأول.
"نيويورك تايمز"
ترجمة نسرين ناضر
"النهار"




















