لأول مرة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قبل خمس سنوات؛ تمر ذكراه بحلّة مختلفة ومفتوحة على المزيد من إمكانات تحصين الوضع اللبناني الداخلي. انتقلت من مناسبة لفريق واحد، إلى لحظة تقاطع وطني عريض. مقاطعتها، تحولّت إلى مشاركة؛ ولو رمزية. أو على الأقل، إلى مواقف إيجابية. الدعوات تعالت من كل صوب، لاعتبار الذكرى يوماً وطنياً يخص الجميع. لغة افتقدها لبنان، طيلة سنوات الأزمة.
بيروت، خلافاً للمرات السابقة، كانت مسترخية ولم تكن واقفة على أعصابها. وهكذا كان البلد بكامله. تراجعت مظاهر الانقسام الحاد، الذي هدّد لبنان بالفتنة. مكانها، تجلّت صورة الانتساب الوطني الواسع، لهذه المناسبة.
صورة التلاقي حولها، بما هي إلى ظرف وطني جامع. الأهم كان الخطاب الذي ساد الاحتفال. التصويب والاستنهاض والتركيز، كان كله باتجاه يتناغم مع التوجه التوافقي في الداخل. كما مع الانفتاح والتقارب الجديد مع سوريا. أجواء وروحية المصالحات، كانت حاضرة. نقلة نوعية وواعدة، في العلاقات اللبنانية ؟ اللبنانية؛ كما في العلاقات اللبنانية ؟ السورية.
رحلة انتقال الأوضاع في لبنان، مما كانت عليه إلى ما هي فيه اليوم؛ كانت طويلة ومكلفة. أكثر من مرة، وضعت البلد على حافة الهاوية. الأزمة استفحلت وتغوّلت، بحيث كادت تأكل الأخضر واليابس. والآن وبعد دورة خمس سنوات من التعثر والانسداد والهبات الساخنة والباردة، يطلّ التوجّه الجديد؛ بما هو افتراق واضح، عما سبقه.
والمهم فيه، أنه مبني على قناعة عابرة لكل الأطياف؛ بأن لحظة التغيير قد حانت؛ وأن طي صفحة التباعد، بات حاجة وطنية ماسة. يعزز من هذه الأجواء، ما يتعرض له لبنان من تهديدات إسرائيلية؛ وضعته في دائرة العدوان المرجح على أراضيه. هذا فضلاً عن التحديات الداخلية الضاغطة؛ التي يتعذر مواجهتها من غير تجاوز الانقسام السياسي، المستبد بالساحة منذ انفجار الأزمة.
المشهد في بيروت أمس، كان غير اعتيادي. من جهة، هو مألوف بوجهه الاحتفالي. من جهة ثانية، كان نقطة تحوّل جديد، لم يكن متوقعاً حتى الأمس القريب. تطور، في الاتجاه الصحيح والمطلوب. الكرة الآن في ملعب كل الأطراف اللبنانية، ليس لحمايته فحسب؛ بل أيضاً لتعزيزه وتصليب عوده.




















