(رئيس معهد بحوث الأمن القومي، سفير إسرائيل
سابق لدى الاتحاد الأوروبي)
يحرص جميع ضيوفنا الكبار تقريبا على أن يقولوا أمامنا الجملة التي ولسبب ما نحب سماعها:" السويد ( أو بريطانيا أو إيطاليا) تؤيد حق إسرائيل في لوجود". فلم يكن ليخطر على بال رئيس حكومة السويد أن يقول جملة مشابهة عند قدومه لزيارة بولندا أو أوكرانيا. في السابق كانت هذه الجملة تثير غضبي، لكني وللأسف ينبغي علي اليوم أن أشعر بالفرح لسماع هذه الجملة.
منذ بضع سنوات وأعداء إسرائيل يشنون ضدها حربا تهدف إلى نزع الأساس الشرعي لوجود الدولة. كما في الحروب التقليدية، تعلموا في هذه الحرب أيضا نقاط ضعفهم ومحدودية قوتهم كما تعلموا تلك التي لدينا، وطوروا اساليب القتال. وقد سبق لدولة إسرائيل وللمنظمات اليهودية أن أعترفوا بخطورة الوضع، لكنهم لم يصلوا حتى الآن في ادراكهم لخطورة الوضع إلى مرحلة تجنيد الموارد البشرية والمادية، مثل إقامة جهاز منظم، وتبني اساليب قتال، وبصورة خاصة تحديد الأهداف.
إن العدو، ومن خلال نقله الحرب من ساحة القتال "المعقمة" الخالية من السكان المدنيين، وإطلاق الصواريخ باتجاه المراكز السكانية، فرض نمطا للحرب يحتفظ فيه بنقاط تفوق جلية على مستويات عدة. أحد تلك المستويات هو الضرر الحتمي تقريبا الذي سيصيب السكان المدنيين لدى العدو جراء الرد الإسرائيلي على اي هجوم تتعرض له.
إحدى ساحات القتال- كما حصل مع السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة مايكل أورن، الذي تعرضت محاضرته للتشويش من قبل متظاهرين عرب- تدور في الجامعات ولا سيما في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. الفشل الإسرائيلي في هذه الساحة مزدوج: الطلاب الإسرائيليون واليهود يبدون غير مكترثين، وبقدر كبير هم حتى غير مقتنعين بأن الأمر لا يتعلق فقط بنمط القتال في لبنان وغزة بل بأصل مشروعية الدولة اليهودية. بينما الطلاب العرب والمسلمون أكثر معرفة واطلاعا على تاريخ الصراع وعلى خطوط الدعاية الإعلامية الجارية. وقبل كل شيء، يبدو الطلاب العرب والمسلمون مستعدون للمواجهة.
في هذه الجامعات يدرس ويتعلم آلاف الإسرائيليين، لكن قلة فقط مستعدون للتجند في مجال الدعاية الإعلامية. ولا يمكن بالطبع إلزامهم بفعل ذلك، لكن ربما يكون ممكنا احتساب الوقت والأيام التي يخصصها أولئك المستعدون للتجند للصراع من أجل إسرائيل واعتبار تلك الأيام جزءاً من الأيام التي يخدمونها في الخدمة العسكرية الاحتياطية.
ليس لدولة إسرائيل أذرع باستثناء وزارة الخارجية وممثليات إسرائيل في الخارج، من أجل خوض هذا النضال. والوسائل المالية التي رُصدت لمصلحة الممثليات من أجل خوض هذا النضال تافهة. وهذه الوسائل لا تتيح انتشارا واسعا في الجامعات. لذلك يتعين على وزارة الخارجية دعم الممثليات التي تقف قي جبهة الصراع بقوة بشرية إضافية يكون هدفها فقط العمل على هذا الموضوع، حتى لو حصل هذا الأمر على حساب تقليص القوة البشرية في إسرائيل.
في المقابل، يتعين على وزارة الخارجية أن تقدم خطة خمسية ترمي إلى تجنيد القوة البشرية وتأهيلها خلال العامين القادمين، ووضعها في الممثليات المعنية بالمواجهة. إذا كنا نواجه حربا، فيتعين علينا أن نخصص لها الموارد المطلوبة. ومن المناسب أن نحدد لهذه الغاية قوة بشرية نوعية، من حملة الشهادات العليا في الماجستير أو الدكتوراه، ممن يكونون مستعدين للتجند لسنتين-ثلاثة من أجل العمل في الجامعات ومع الجاليات اليهودية. ففي كل القنصليات الإسرائيلية يعتمد الطاقم الذي يهتم بكل المواضيع السياسية، الإعلامية والاقتصادية، على عدد محدود من الأشخاص فقط. هذا الطاقم المحدود ينبغي عليه أن يُغطي على الأقل خمس ولايات أميركية، لكن من الواضح أنه لا يكفي من أجل التصدي لهذا الميل.
الجيل اليهودي الشاب في الشتات آخذ في الابتعاد عن النشاط المرتبط بإسرائيل، وفي أحسن الأحوال يكون ضالعا في النشاط اليهودي الاجتماعي في مكان دراسته أو سكنه. فالمنظمات اليهودية التقليدية فقدت منذ زمن القدرة على أن تشكل قوة جذب، على الرغم من أن المسعى المبذول لنزع الشرعية عن إسرائيل يحمل أحيانا ملامح لاسامية واضحة.
لتجنيد العقل اليهودي
إن إدارة صحيحة للصراع المضاد من جانب إسرائيل، يمكنها أن تفضي إلى تجنيد قسم من الجيل اليهودي الشاب في الشتات. إن من شأن عبارة العقل اليهودي أن تظهر أكثر من مجرد تعبير فارغ في ظل حروب الانترنت وشبكات الإعلام الاجتماعية. ينبغي تأجيج واستفزاز العقل اليهودي ومحاولة تجنيده لمصلحة ما يبدو ظاهرة اكثر خطورة من مجرد تشويش كلامي على محاضرة السفير من قبل بعض المشاغبين، ويتحول إلى صراع حول حق اليهود في دولة خاصة بهم.
منذ سنوات تمر وزارة الخارجية في عملية خمود متواصلة ونحن نذكرها فقط عندما يقوم أحد كبار الموظفين فيها بخلق قضية مثيرة، لكن الأدوات التنظيمية موجودة في حوزتها. فإذا قامت الوزارة وكبار الموظفين فيها بتولي مهمة صد هجوم نزع الشرعية عن إسرائيل، فإنهم بذلك يقدمون خدمة هائلة للدولة ولمستقبل وزارتهم أيضا.
صدرت في الآونة الأخيرة انتقادات بسبب الزيارات التي يقوم بها أعضاء الكنيست إلى الخارج، لكن من تجربتي يمكنني أن أشهد بأن كثيرين منهم يمكنهم أن يساعدوا في مجال الدعاية الإعلامية، كما أن تعزيز التنسيق بين الكنيست وبين وزارة الخارجية يمكنه أن يفضي إلى استغلال أفضل لهذه الزيارات.
إضافة إلى كل هذه الأمور، يُطرح السؤال حول ما إذا كانت أساليب القتال التي يتبعها الجيش الإسرائيلي هي فقط جذر المشكلة، وهل ثمة لوقف عملية السلام دور في تحريك الصراع ضد إسرائيل. التاريخ القصير من العام 1967 يثبت أنه في أعقاب الاتفاقات مع جيراننا خمد الصراع السياسي ضدنا. من جهة ثانية لا يكفي هذا الواقع كي يقدم دليلا على أن الاستجابة لكل مطالب الطرف العربي ستؤدي إلى التسليم بوجود الدولة اليهودية.
("يديعوت أحرونوت" 22/2/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
" المستقبل "




















