لو صحت التهديدات الأميركية والأوروبية بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران أكثر تشددا على خلفية برنامجها النووي من خارج مجلس الأمن الدولي، فيرجح أن تكون إيران هذه المرة عرضة لنتائج أقسى وأشد إيلاما. صحيح أن أي قرارات قد تصدر عن مجلس الأمن توفر غطاء شرعيا وأكثر شمولية للعقوبات. لكن احتمال اصطدامها بالفيتو الصيني وبالشروط الروسية، قد يجعل من المساومة على نوعية العقوبات وحجمها تسهيلا لإمرار القرار في المجلس سببا للتخفيف من وطأة العقوبات.
شهدنا في الشهرين الأخيرين مواقف أميركية وأوروبية جنحت نحو التهديد بعقوبات من خارج مجلس الأمن. الرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن في مؤتمر صحافي في شباط الجاري أن بلاده تبحث منظومة من العقوبات على إيران. ولديها مع الإتحاد الأوروبي مجموعة من العقوبات الأحادية (الثنائية) إضافة إلى عقوبات مجلس الأمن. التصريحات التي صدرت عن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، وعن الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي لم تتطرق إلى عقوبات من خارج مجلس الأمن. بيد أن السقف العالي للتصريحات، يحمل على الإعتقاد بأن مجلس الأمن لن يكون المكان الضامن لإقرارها. أي نوع من العقوبات الثنائية الأميركية – الأوروبية متاح استخدامه ضد إيران ؟ وما مدى تأثيره عليها؟
لا شك في أن أوروبا ستلعب دورا رئيسا في الجولة النوعية الجديدة من العقوبات الإقتصادية ضد إيران في حال حصولها. إيران اختارت مرغمة منذ 2006 البديل الأوروبي للهروب من العقوبات الأميركية. تجلى ذلك في العملة والشباك المصرفي. وهما ركنان أساسيان لاستبقاء علاقة تجارية واقتصادية ومالية بين إيران والعالم. اختارت إيران الاورو عملة لبيع نفطها. ولو أن قاعدة التسعير باقية بالدولار الأميركي، ما بقيت الورقة الخضراء تتكىء على أكبر اقتصاد في العالم، وعملة التسعير في بورصات السلع ونحو 70 في المئة من أسهم البورصات والأوراق المالية والإحتياطات الدولية. إذا كانت ألمانيا وفرنسا جادتين هذه المرة في تصعيد العقوبات الإقتصادية، وصولا إلى التضييق على إيران عملة ومصرفا، فإن منافذ التحلل المتاحة لإيران من العقوبات ونتائجها لن تكون بالأمر اليسير، وستترك أثرا فوريا قاسيا. خصوصا أن أيران أعادت أيضا تكوين 60 في المئة من احتياطها من العملات الأجنبية بالأورو. وكان الإحتياط بلغ في بداية 2009 ما يوازي نحو 200 مليار دولار أميركي. وقد تناقص مع نهاية العام نتيجة تراجع سعر النفط، وازدياد النفقات بما يفوق اعتمادات الموازنة.
السؤال : هل في وسع الإتحاد الأوروبي التوصل إلى قرار يلزم 27 دولة قفل حسابات إيران بالأورو وشبابيك المصارف في وجه إيران؟ ينسحب السؤال أيضا على دول منطقة الأورو الست عشرة. وفي الأخيرة نحو 70 في المئة من الأنشطة التجارية والمالية مع إيران. ذلك أن تداعيات الأزمة المالية والإقتصادية العالمية كانت ثقيلة جدا على الإقتصادات الأوروبية ودول منطقة الأورو خصوصا.
القطاع الخاص الأوروبي اللاهث وراء عقود تجارية للخروج من الركود، والذي تسخر له كل إمكانات الحكومات لتحسين إدائه، تتوقف علاقاته التجارية والإستثمارية الخارجية عند حدود ما ترسمه الإجراءات الصارمة المعززة بتشريعات الإتحاد في ما خص العقوبات الإقتصادية. ومن المشكوك فيه أن توارب أي مؤسسة صناعية أو مالية للتفكك من القيود المفروضة في هذا المجال، تفاديا لغرامات هائلة. ما بدا حتى الآن من مؤسسات ضخمة في ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وليس حصرا، يشير إلى أن أنها تلتزم حدود القيود المفروضة عليها في التعامل التجاري مع إيران. "سيمنز" عملاق الصناعة الألمانية والتكنولوجيات، التي تبلغ عقودها مع إيران نحو 500 مليون اورو سنويا، أعلنت أنها ستجمد علاقاتها معها. شركة موانىء هامبورغ رفضت خلال شباط الجاري عرضا مغريا لتحديث مرفا بندر عباس. "باير" ثاني منتج للأدوية والمنتجات الطبية في العالم، التي ما زالت على علاقة مع إيران متسلحة بمواثيق الأمم المتحدة التي تحظر شمول العقوبات مجالات الأدوية والصحة، أعلنت أنها تتريث لإعادة النظر في حجم العلاقة ونوعيتها مع إيران في حال تشديد العقوبات. ضمانات القروض التي كانت توفرها ألمانيا لإيران تراجعت في 2009 إلى 70 مليون اورو من 2.5 ملياري أورو في 2004. "توتال" الفرنسية، و"شل" الهولندية، و"إيني" الإيطالية وغيرها من شركات النفط الكبيرة في أوروبا في مسار العقوبات نفسه. وإيران في حاجة شديدة جدا إلى الإستثمارات الأجنيبة والتكنولوجية في قطاعي النفط والغاز. وفي خطتها الخمسية الجديدة طموح لجذب ما يوازي 35 مليار دولار أميركي استثمارات أجنبية سنوية إلى القطاعين. علما أن ما توافر لها في هذا المجال تحديدا، خلال السنوات الأربع الماضية، واعتبرته الحكومة "إنجازا مرتفعا للغاية"، لم يتجاوز 40 مليار دولار أميركي. وكان على إيران ان تنفق من استثماراتها الداخلية في القطاعين خلال الفترة نفسها ما يوازي نحو 70 مليار دولار أميركي.
المشكلة الكبيرة التي تواجهها إيران الدولة النفطية الأساسية في العالم، هي توفير البنزين بكميات كافية للإستهلاك المحلي. نظام القسائم للحصول على هذه المادة الذي ما زال ساريا، وفجَّر تظاهرات شعبية حين إقراره قبل سنوات انتهت بإحراق عشرات محطات توزيع الوقود السائلة في طهران وعدد من المدن الرئيسة، يضع الحكومة في موقع الحرج الشديد. سيكون الوضع في هذا القطاع أسوأ بكثير في حال قُيّدت صادرات البنزين إلى إيران، أو وضعت قيود مصرفية دولية أوروبية على اعتمادات تمويل الصادرات. وتحاول إيران الآن" ترشيد استهلاك البنزين". التعبير الأكثر رواجا الذي يسبق إلغاء الدعم، لخفض حجم الإستيراد والضغط على نظام المدفوعات.
لقد شطبت إيران من خططها أي نوع من أنواع التبادل التجاري والتكنولوجي مع الولايات المتحدة. لكن الأخيرة لم تستخدم بعد سقف إجراءاتها من العقوبات، إنما من موقع الحرص على عدم التضييق على شركائها الأوروبيين. فالقوانين الأميركية تتيح عقوبات على كل المؤسسات الأجنبية التي لها أنشطة في الولايات المتحدة تخرق العقوبات على إيران. ولم تتردد الولايات المتحدة في تطبيقها في المجال المالي. تم تغريم مصرف "لويدز تي إس" البريطاني في 2003 350 مليون دولار أميركي. و"كريدي سويس" السويسري 540 مليونا. طائرات إير باص الإيرانية تحتاج منذ سنوات لقطع الغيار، ولم تتمكن الشركة الأوروبية من تأمينها لأن في هذا الطراز مدخلات صناعية أميركية من مولدات جنرال إلكتريك. حالات كثيرة مشابهة لا تنطبق عليها تصريحات كبار المسؤولين الذين وصفوا العقوبات بأنها "حبر على ورق"… فكيف إذا رفع سقف العقوبات الجديدة بقرار سياسي أوروبي- أميركي؟
"ليست مواجهة العقوبات بالغلظة في الكلام" قال رئيس غرفة التجارة والصناعة والمعادن الإيرانية محمد نهاونديان ردا على نجاد. لقد تمكنت إيران من التحلل نسبيا من وطأة حزم العقوبات السابقة. ساعدها في ذلك كون الإقتصاد الموازي فيها كبيرا جدا بعلم الحكومة وبشراكة من الحرس الثوري مع القطاع الخاص. منافذ إمدادات إيران لكسر طوق العقوبات كانت من خلال الجوار. تركيا ودبي ودول خليجية أخرى والعراق الذي تتقاسم إيران النفوذ فيه مع الولايات المتحدة. هذه الدول كانت كوة مالية تجارية لإيران. ويعتقد أنها ستبقي على إمداداتها لإيران لمصالح مشتركة يختلط فيها السياسي بالإقتصادي. بيد أن المشكلة ستتعقد أكثر في ما يتصل بالتعاملات المالية والمصرفية. ولو أن حصة السداد نقدا كبيرة في كل الأحوال حؤولا دون اقتفاء الأثر. في 2003 أرغمت الولايات المتحدة "المصرف الأهلي المتحد" الأكبر في البحرين على قفل حسابات إيرانية. مصارف الإمارات أيضا تمتنع عن التعامل (مستنديا على الأقل) مع لائحة المحظورات.
ماذا عن لبنان ؟ مساعد وزير الخزانة الأميركية ستيوارت ليفي، المسؤول عن ملاحقة أموال الإرهاب الذي استبقاه أوباما في مركزه، قام بزيارة غير معلنة إلى بيروت قبل نهاية العام الماضي. وفي جعبته – كما فهمنا – بضعة أسئلة على علاقة بالملف الإيراني وبمن تصنفهم بلاده منظمات إرهابية. وفي اعتقادي أن القطاع المصرفي في لبنان لا يمكنه تحمل وزر خروقات للعقوبات أكانت صادرة عن مجلس الأمن أم عن التحالف الأميركي الأوروبي. وقد أقفل أكثر من حساب بعد تلقيه بلاغات في المعنى المذكور. بيد أن لبنان بما يحوزه من مرونة وسرية مصرفية، سيبقى لأجل واقعا تحت مجهر السيد ليفي الواسع النفوذ في دوائر الأمن الأميركية.
الصين المختلفة مع الولايات المتحدة في ملف يبدأ من التيبت والدلاي لاما، ولا ينتهي بصادراتها من الأحذية، إلى الإلكترونيات، وغوغل وأثاث المنازل للأميركيين وغيرها الكثير، مرشحة أولى لكسر الحصار نوعيا. سواء من الصادرات الصناعية والتعاون النفطي، او من صادرات الغذاء والحاجات الضرورية. وبدرجة أقل ماليزيا وتركمانستان وفنزويلا. وللأخيرتان اتفاقا تصدير من الغاز والبنزين إلى إيران.
(صحافي وكاتب اقتصادي)
"النهار"




















