مراجعة: عفيف رزق
تُعتبر قضية تدريب الكوادر العاملين في مجال التنمية الإجتماعية من القضايا التي اخذت تحتل أهمية خاصة في الدراسات الاجتماعية المتنوعة، بعد بروز التيارات السياسية الداعية الى تخلي الدولة عن بعض ادوارها الرعائية. وهكذا اخذنا نشهد تكاثرا للجمعيات المحلية والاهلية لمساعدة الجماعات المحتاجة الفقيرة، فبرزت الحاجة " لدى المنظمات الدولية والحكومية المانحة لتأهيل اساسي "لأولئك العاملين في ادارة مشروعات الرعاية والخدمة الاجتماعية. في هذا الاطار قامت شعبة التنمية الاجتماعية في منظمة الاسكوا بيروت- بإنتاج " دليل التنمية المحلية " وترويجه ليكون مادة تدريبية للعاملين في المنظمات الحكومية والاهلية، وقد تم نشر هذا الدليل من قبل مركز الدراسات العراقية في بيروت العام 2009 بعد ان أشرف على اعداده وتعديله الباحث الاجتماعي الدكتور احمد بعلبكي.
تتمحور مواضيع الكتاب الرئيسية، بجزئيه، حول الطريق التي يجب ان يسلكها كل من يرغب بالانخراط في عملية تنمية المجتمع المحلي، بدءا من تحديد مفهوم هذا المجتمع المشروعات والخطط المنوي القيام بها وصولا الى مرحلة تقويم عملية التنمية هذه مرورا بالشروط الضرورية للنجاح في المهمة، وتفادي الخطوات التي قد تؤدي الى الفشل. يُقصد بمفهوم المجتمع المحلي المنظومة "من العائلات والجماعات يترابط افرادها فيها وبينها بعلاقات القرابة او المصلحة… "، تعيش في مكان وبيئة محددين ويتشابه الافراد باسلوب العيش وبالقيم والعادات. اما عملية التنمية فهي عملية مستمرة بهدف إحداث تغيير في الاوضاع الاقتصادية (مثلا تربية الدواجن في المجال الزراعي…), والاجتماعية (مثلا تطوير المؤسسات المحلية…), والثقافية (مكافحة الامية وتعليم الكبار…). ومن شروط نجاح هذه العملية مشاركة اكبر عدد من افراد المجتمع فيها، عبر تنمية طاقاتهم وامكاناتهم، مع الاخذ بعين الاعتبار ان تقديمات العملية تلبي طموحاتهم، وايضا قابلة للتطبيق والتنفيذ من جميع النواحي الادارية والبشرية والمادية والفنية. من هذه الزاوية يأتي التخطيط ليشكل حجر الاساس للعملية التنموية في المجتع المحلي ,فهو يُركز على تحسين الانتاج والخدمات كما ونوعا، وحماية البيئة بصورة تجعلها مناسبة للاستقرار، وإيجاد فرص عمل ومسكن مناسب لأبناء المجتمع المحلي. اما كيفية التعرف على المجتمع المحلي، يرى هذا الدليل ان المسح هو النقطة المركزية لذلك فهو يُشخص ويعالج المشكلات القائمة ويُتيح للناس ان يُحيطوا وعيا منهجيا بأوضاعهم وبمبادئ واهداف ومراحل تنميتها، ويشارك في هذا المسح افراد المجتمع وخصوصا القيادات المحلية التي تمتاز بتأثير قوي على سلوك الآخرين؛ ولإثارة وعي المواطنين بقضايا مجتمعهم المحلي يقتضي اللجوء الى الاتصال، أولا لكسب الثقة وتهيئة الاذهان للتغيرات التي ستطرأ، ثم تثبيت الاقناع وتدعيمه، واخيرا البدء بعمليات التنمية بعد تعريف الافراد بالمشروعات. ووسائل الاتصال عديدة منها التقليدية كالزيارات والاجتماعات القروية العامة والندوات والمعارض…، ثم وسائل الاتصال الجماهيري كالصحافة المكتوبة والاذاعة..، وهذه من مهمات اللجنة الاعلامية في المجتمع المحلي بإعدادها وإنتاجها وتتوقف على الامكانات المالية والبشرية والفنية وحجم نشاطها وعدد اعضائها. في العمل التنموي للمجتمع المحلي، تلعب المشاركة الشعبية دورا مفصليا في اي نجاح. فهذه المشاركة هي "فعل جماعي موجه نحو إحداث تغييرات في المجتمع المحلي"، فمساهمة الفرد فيه مع مشاركة الآخرين تؤدي دورا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمعه، وبذلك تُتاح له فرصة للمشاركة في وضع الاهداف واستحداث افضل الوسائل لإنجاز هذه الاهداف وتحقيقها. ومن اهم صفات المشاركة : الشعور بإلإنتماء الى المجتمع المحلي والتعاون الطوعي وديمقراطية العلاقات التي تحكم القوى الفاعلة فيه.
ويعرض الدليل بعض الامثلة لمشاريع انتاجية وكيفية مناقشتها وتبنيها. وفي الفصل الاخير نصل الى مرحلة تقويم عملية التنمية في المجتمع المحلي، فيستعرض كيفية متابعة المشروعات وهذه يضطلع بها القائمون على تنفيذ عملية التنمية من خلال البيانات والمعلومات ذات الصلة، ثم يستعرض كيفية كتابة التقارير ومضامينها وفوائدها وانواعها ليخلص الى القول: "التقويم اداة تكفل للمخططين ولمتخذي القرارات استخلاص الدروس والاستفادة منها في المستقبل للإرتقاء بعملية تنمية المجتمع المحلي من خلال التعرف على نقاط القوة والضعف في الممارسات التنموية.."، والى جانب الممولين لمشاريع تنمية المجتمعات المحلية الذين يطالبون بتقارير عن عمليات التقويم، فوفق النظريات الحديثة التي تعتمد على إشراك كل العناصر البشرية في عمليات التنمية,
فهذه العناصر مهتمة ايضا بالتقويم ويجب الاهتمام بالتساؤلات التي تطرحها.
يشتمل الدليل، في فصوله الستة، على خطة لتنمية المجتمع المحلي بأدق تفاصيلها، وما على الساعي الى تحقيقها على أرض الواقع سوى الإلتزام التام بخطوطها العريضة كما بتفاصيلها الدقيقة لينفذ عملية تنمية ناجحة. فاذا كان هذا الدليل يسد فراغا في العمل الاجتماعي على المستوى المحلي، فانه ولا شك، يُطبق في تنمية معظم المجتمعات العربية المحلية لتشابه اوضاعها وتقاليدها وكذلك الصعوبات التي تعترض تنميتها وتقدمها.
[ الكتاب: تنمية المجتمع المحلي والتدريب على بناء قدراته
[ الكاتب: احمد بعلبكي
[ الناشر: دراسات عراقية بغداد بيروت 2009
"المستقبل"




















