بيروت: ثائر عباس
إضافة الى الجدل السياسي الذي أطلقته زيارة رئيس تكتل «التغيير والاصلاح» العماد ميشال عون لسورية، برز «جدل تقني» في أمكنة مختلفة في بيروت حول ما اذا كان عون قد تقلب في مواقفه للوصول من «العداوة الى الخصومة فالصداقة» مع سورية، أم أنه كان يعادي سورية من باب خطب الود.
يستشهد الطرف الاول بكلام قاس كثير اطلقه عون بحق السوريين، كسر في بعضه «المحرمات» كتهديده ذات مرة بـ«تكسير رأس حافظ الاسد»، فيما يستشهد آخرون بكلام نسب الى عون ـ نفاه تكرارا ـ عن رسالة ود الى الاسد يصف نفسه فيها بـ«الضابط الصغير» في جيشه.
الطرفان يختلفان في طريق الوصول الى نتيجة واحدة هي أن «الصداقة» التي يطلبها عون في سورية هي حلف نجم عن صفقة ابرمت في العام 2005 قضت بعودة عون الى لبنان مقابل «اجهاض الحركة الاستقلالية» التي انطلقت قبيل اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري وتعاظمت من بعده. أما عون فيعتبر أنه عادى سورية في لبنان وسوف يصادقها في سورية. معتبرا أن مشكلته انتهت مع السوريين فور خروجهم من لبنان.
علاقة عون مع سورية بدأت أواخر ولاية الرئيس أمين الجميل في الثمانينات، عندما بدأ الكلام يتصاعد عن هوية «الرئيس المقبل»، وكان طموح عون ظاهرا لتولي هذا المنصب. وتتحدث عدة تقارير عن مساع بذلها عون لـ«التوافق» مع سورية على ترشيحه للرئاسة. ولما فشلت المساعي تلقى عون «كرة الجمر» التي رفضها كثير من السياسيين اللبنانيين، فقبل بتولي رئاسة الحكومة العسكرية رغم استقالة نصف اعضائها فور تأليفها، ثم اطلاقه «حرب التحرير» ضد الوجود السوري في لبنان بعد فشل جولة محادثات بين الطرفين.
كان كلام عون عن سورية قاسيا جدا في خطاباته اليومية في القصر الجمهوري الذي فتحت ابوابه لمؤيديه وسمي آنذاك «قصر الشعب» ـ تسمية مشابهة للتسمية السورية للقصر الجمهوري كما يلاحظ أحد السياسيين اللبنانيين.
تحدى عون سورية وتوعدها لكن هذا لم يقفل باب الود مع سورية. فرئيس حركة التغيير المحامي ايلي محفوض الذي كان من المقربين من عون قبل أن ينقلب عليه، يقول إن عون بعث برسالة الى الاسد يقول فيها: «إنني عسكري، وبهذه الصفة فإنني أتمنى أن يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطاً صغيراً في جيشه. وأقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عامة وللمسيحيين خاصة، وواجبي إذا ما حظيت بتأييدها ان أردّ لها الجميل. إنني أتفهم مصالح سورية في لبنان، وأسلم بأن أمن لبنان من أمن سورية. ومن حق سورية علينا ان نوفر لها أسباب الطمأنينة وأن نشرع وجودها العسكري في لبنان لمواجهة أي اعتداء محتمل عليها، كذلك أنا مستعد لعقد أي اتفاقات أمنية، إضافة الى تمتين العلاقات المميزة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كلها». ويتحدث محفوض عن «شبكة الموفدين المتعددة الأسماء والتي تبدأ سلسلتها بالوزيرين ألبير منصور ومحسن دلول ولا تنتهي بصديق عون الشخصي المحامي فايز القزي الذي تولى شخصياً معظم ترتيبات عودة ميشال عون الأخيرة من منفاه في باريس، كما تولى شخصياً وفي مرات عدة نقل رغبات وطلبات وتمنيات ميشال عون الرئاسية».
انتهت «حرب التحرير» مع بداية «حرب الالغاء» التي نشبت بين عون و«القوات اللبنانية» في العام 1989، والتي نقل فيها عن نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام أن قلب سورية هو مع عون «لأنها تعتبره خصما مرحليا، فيما تعتبر قائد «القوات» سمير جعجع خصما مبدئيا». ويقول الاعلامي فارس خشان الذي واكب تلك المرحلة وما تلاها حتى اليوم، إن عون لم يكن «في عمقه عدوا لسورية، فهو خاض حرب الالغاء بمعونات من السوري وما انفتاحه العسكري على القوميين السوريين وايلي حبيقة وحزب الله الذي بدأ منذ حرب الالغاء سوى دليل اضافي على هذا».
دليل آخر على هذه العلاقة يورده النائب السابق فارس بويز الذي يتحدث في احدى مقابلاته عن الالحاح الذي مارسه الرئيس السابق الياس الهراوي لإطاحة عون عسكريا وعدم التجاوب السوري السريع معه، لكن هذا الامر حصل لاحقا واطيح بعون عسكريا بغطاء دولي ـ اقليمي فانتهى به المطاف في فرنسا لاجئا سياسيا لمدة خمس سنوات مددت لاحقا حتى 15 سنة. ومن باريس لم تهدا الاتصالات ولا المؤشرات. في العام 1994 سألت صحيفة لبنانية عون هل «يحب دمشق»، فكان الجواب: «ولوو…! لطالما غنيّت مع سعيد عقل وفيروز «سائليني يا شآم»، بغض النظر عن السياسة والدبلوماسية». وأضاف: «أنا عسكري، وطبيعة ثقافتي أن من تحاربه اليوم يجب أن تتفاوض معه غداً، فإذاً لا يوجد شيء ثابت، ولا كراهية عندي، ثمة خصومة سياسية صنعتها الظروف. كل ما أستطيع قوله هو أن يدنا ممدودة للخير، وفي اتجاهه». عون برر في حديث أخر «تفاوت» خطابه حيال سورية بين «العداء المطلق والاشارات الطيبة»، فقال: «خطابي واحد موحّد، كل ما في الأمر أنني أتحدث مرة عن الثوابت وأخرى عن الممارسات، ولأن حديثنا اليوم هو عن الثوابت والمبادئ فإننا نتحدّث لغة مختلفة». وكتب عون سلسلة من 12 مقالة سنة 2000 حملت عنوان «المآثر السورية في لبنان»، قال في احداها «لقد اختبرنا النظام السوري في حالة الاسترخاء، ولم يرد أن يعترف بأن في لبنان مشكلة، لذلك لم يرد أن يحاور، واستمر لاطماً بيديه ورافساً برجليه… إن سورية تعمل على تذويب الكيان اللبناني وضمه إلى سورية، ولا تزيح قيد أنملة عن هذا الهدف».
عون صعّد لهجة العداء لسورية وصولا الى العام 2003 حيث لعب دورا رئيسا في اقرار قانون «محاسبة سورية» في الكونغرس. وتتناقل وسائل الاعلام المؤيدة لقوى «14 اذار» نص الشهادة التي ادلى بها امام الكونغرس الاميركي التي ابدى فيها الامتنان لرفع الكونغرس قانون «محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان»، وللحث على تمرير فوري لهذا المشروع ليصبح قانونا. ورأى ان «هذا التشريع المنتظر هو حاسم، اذ أنه يقيم، وللمرة الاولى، سياسة واضحة للولايات المتحدة في ما يتعلق بالاحتلال السوري للبنان»، مشيرا الى انه «طوال سبعة وعشرين عاما، لعب النظام السوري دور ملهب النار ومطفئها فلطالما اشعلت سورية النيران لاعطاء نفسها الحجة لاطفائها في ما بعد، وهكذا تبرر استمرار احتلالها للبنان. واي لبناني يتجرأ على التعرض، او مقاومة الهيمنة السورية، تجري تصفيته». وفي شهادته رأى انه «لا يمكن للمرء منطقيا ان يفصل النظام السوري عن الارهاب، فسورية توفر ملاذا آمنا لعدد كبير من المنظمات الارهابية، توجه عملياتها، وتستخدم لبنان المحتل كحقل رئيسي لها للتدريب والعمليات». المحامي فايز القزي سرد في سلسة احاديث تلفزيونية وصحافية ما قال إنه «كل أسرار العلاقة التي بدأت بواسطتي بين المخابرات السورية وبين العماد ميشال عون». وقال إن «زيارة عون لسورية اكتملت من حيث المعنى المجازي، وكنتُ شاهداً على الأمر، في تاريخ 27 سبتمبر (أيلول) 2004 حين تمَّ الاتفاق بين عون والسوريين على عودته إلى لبنان وعلى مظاهر العودة وما إلى ذلك، وعلى اثرها زار المسؤول في «التيار الوطني الحر» غابي عيسى دمشق والتقى عبد الحليم خدام».
ويقول قزي انه عندما كان يزور دمشق كان يستشف الجو العام من خلال الطريقة التي يطرح فيها عبد الحليم خدام السؤال عن عون. فإذا قال كيف حال «ميشو»، كنتُ أعرف أنَّ العلاقات سيئة جداً، أما إذا سماه «ميشال» فهذا يعني أنَّ العلاقات لا بأس بها، وإذا سماه «الجنرال» فهذا يعني أنَّ العلاقة جيدة، أما إذا سماه «الجنرال ميشال عون» فهذا يعني أنَّ العلاقة ممتازة.
"الشرق لاوسط"




















