ماذا يعني ان يقوم الرئيس التركي عبد الله غول بزيارة رسمية الى العاصمة الصربية بلغراد؟.
خلال الحرب في البلقان تعرّضت صربيا التي رفضت الانسحاب من كوسوفو بعد سلسلة المجازر الجماعية التي ارتكبتها قواتها هناك الى قصف تدميري في عام 1999 قام به طيران حلف شمال الأطلسي واستمر 78 يوماً.
اما الآن فقد مرت مياه كثيرة تحت الجسور المدمرة في العاصمة بلغراد. فقد زارها نائب الرئيس الاميركي جون بايدن في شهر مايو الماضي.. وتفقد خلال تلك الزيارة القوات الأميركية التي تقوم منذ عام 2006 بتدريب القوات الصربية واعادة تجهيزها..وقد شاركت فرقة من هذه القوات الصربية في الاحتفال الاستعراضي الذي نظمته ليبيا في مطلع شهر أيلول الماضي بمناسبة الذكرى الأربعين لثورة الفاتح التي قادها الزعيم معمر القذافي، وكانت بذلك تدخل لأول مرة أراض دولة عربية منذ المجازر التي ارتبطت بها في البوسنة وكوسوفو. وتأمل صربيا في استعادة الدور اليوغسلافي السابق بتصدير الأسلحة والمعدات العسكرية الى ليبيا والى دول عربية اخرى. كما تأمل أن ترتفع قيمة صادراتها من هذه المعدات في العام الحالي الى نصف مليار يورو.
وابتداء من أول العام 2010 سمحت دول الاتحاد الأوروبي بقبول دخول مواطني صربيا اليها من دون تأشيرة، بعد أن كانت هذه الدول تصنف صربيا على انها دولة خارجة على القانون الدولي!!.
ومع ان صربيا "الجديدة" تعتبر ان سياستها الخارجية تقوم على الأعمدة الرئيسة الأربعة: روسيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي والصين، فانها تتطلع الى استرجاع دورها في العالم الثالث، الذي كان الرئيس جوزف تيتو احد مؤسسيه وأحد كبار أعمدته (مع الرؤساء جمال عبد الناصر مصر، وشوان لاي – الصين، وأحمد سوكارنو أندونيسيا، وكوامي نيكروما غانا). وقد تقدمت بلغراد بطلب رسمي لاستضافة مؤتمر القمة القادم لدول عدم الانحياز المقرر عقده في عام 2011.
غير ان صربيا تواجه في الوقت ذاته مشكلتين تعطلان أو تعرقلان مسيرتها الانفتاحية الجديدة. المشكلة الأولى هي عدم اعتقال الجنرال راتكو مالديش الذي تتهمه النيابة العامة الدولية في لاهاي بالمشاركة مع الجنرال المعتقل رادوغان كاراديتش بارتكاب جرائم ضد الانسانية في البوسنة ولمسؤوليته المباشرة عن قتل أكثر من ثمانية آلاف مسلم في بلدة سبرينتشا قبل أن تتوقف الحرب في عام 1995 نتيجة لاتفاق دايتون (في الولايات المتحدة).
وتؤكد معلومات الانتربول ان مالديش موجود في صربيا وان السلطات متواطئة في التستر عليه.
اما المشكلة الثانية فهي عدم الاعتراف باستقلال كوسوفو والعمل على عرقلة اعتراف دول العالم بالدولة البلقانية الجديدة التي تعرضت الى حرب ابادة خلال السيطرة الصربية عليها.
وكان انهيار الاتحاد اليوغسلافي السابق قد ادى الى قيام دول جديدة، من بينها دولتان تتمتعان بأكثرية اسلامية هما كوسوفو والبوسنة. وتحظى كوسوفو حتى الآن باعتراف 62 دولة فقط بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، الا ان بقية الدول وعلى رأسها روسيا والصين واسبانيا ترفض الاعتراف بها. فروسيا متضامنة مع صربيا حليفتها الستراتيجية، الا انها، الى جانب الصين واسبانيا، تخشى ان يؤدي الاعتراف بكوسوفو الى تشجيع الحركات الانفصالية على المطالبة بالاستقلال ايضاً (الشيشان في روسيا وسينكيانع في الصين وكتالونيا في اسبانيا).
اما البوسنة التي تتمتع باعتراف دولي واسع، فانها تواجه وضعاً صعباً وخطيراً للغاية نتيجة مطالبة الشطر الصربي منها بصلاحيات ذاتية أوسع أو بالانفصال عن البوسنة نهائياً ومن ثم الانضمام الى صربيا.
أدّت هذه المشكلة الى شلّ الدولة البوسنية طوال السنوات الثلاث الماضية. وكان اتفاق دايتون قد رسم صيغة للحكم، كما رسم حدود الدولة على اساس اتحادي بين الصرب (الأرثوذكس) من جهة والكروات (الكاثوليك) والبوسنيين (المسلمين) من جهة ثانية. وقد استطاعت الدولة الجديدة تدبير شؤونها بمساعدة وبإشراف أوروبي أميركي مشترك من عام 1995 حتى عام 2006. أما الآن وفي الوقت الذي يطالب فيه المسلمون البوسنيون بتعزيز مركزية الدولة، فان الصرب في بنجالوكا يرفعون علناّ شعارات الانفصال ويرفضون الانخراط في السياسة العامة للدولة.
ومما يزيد الوضع سوءاً ان الاتحاد الأوروبي قرّر اقفال مكتبه في العاصمة سراييفو على أساس انه لم يعد ضرورياً. غير ان الولايات المتحدة تعارض هذا القرار وتحذر من ان التخلي عن البوسنة في هذا الوقت بالذات ربما يؤدي الى انهيار الوضع من جديد مع ما يعنيه ذلك من تداعيات أمنية وليس سياسية فقط!.
وازاء التصلب الصربي، فان الضغط الاميركي الأوروبي ينصبّ مرة جديدة على البوسنيين المسلمين لقبول المطالب الصربية بمنحهم مزيداً من الصلاحيات الذاتية. وبالمقابل تتعهد اوروبا بمنح البوسنة وضع الدولة المرشحة للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي.. كما تتعهد بإعطاء البوسنيين حق دخول الدول الأعضاء في الاتحاد من دون تأشيرة.
يقود المفاوضات حول هذه الامور الصعبة والقابلة للاشتعال وزير خارجية السويد الذي تترأس بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي والذي شغل قبل ذلك منصب المندوب الأوروبي في البوسنة بعد توقف الحرب مباشرة. ويضم الوفد المفاوض عن الولايات المتحدة نائب وزير الخارجية جيم شتاينبرغ الذي سبق له ان لعب مع السفير ريتشارد هوليروك دوراً أساسياً في صياغة اتفاق دايتون في عام 1995.
ويبدو ان اللعبة السياسية تقوم على الضغط والضغط المعاكس. فصربيا تتعرض للضغط من اجل وقف معارضتها لاستقلال كوسوفو بذريعة المحافظة على حقوق الأقلية الصربية فيها، وترد صربيا بالضغط على البوسنة من خلال تهديد الاقليم الصربي فيها بالانفصال عن الدولة الاتحادية.
وفي ضوء ذلك يبدو البلقان مرة اخرى على قاب قوسين أو أدنى من حركة يخشى ان تعيده الى نقطة الصفر. من هنا اهمية زيارة الرئيس التركي الى صربيا. فوريث "التركة العثمانية" يمكن ان يلعب دوراً أساسياً جديداً يضاف الى الأدوار التي تقوم بها بلاده في الشرق الأوسط، وفي آسيا الوسطى. ونظراً لعلاقات تركيا التاريخية والدينية والاثنية مع البلقان، فان مجرد زيارة عبد الله غول الى بلغراد من شأنها ان تشجع على فتح صفحة سلمية في السجل الدموي الطويل للمنطقة كلها.
المستقبل




















