واخيرا ثمة تصور. في حوار مع "هآرتس" في بداية الاسبوع، حدد بنيامين نتنياهو لاول مرة تصوره المستقبلي: اسرائيل كقوة عظمى تكنولوجية عالمية، متصلة اتصالا وثيقا بقيمها وتصل الى السلام من موقع القوة. يمكن استحسان هذا التصور ويمكن مقته، ولكن يمكن قبوله ويمكن رفضه، ولكن واضح الان ماذا يضع نتنياهو مقابل طرح السلام الان الخاص باليسار، ومقابل طرح تقسيم البلاد الخاص بالوسط. واضح ما هو الهدف الشامل الذي يسعى اليه.
ثمة اساسان غير جديدين في هذا التصور. نتنياهو اعتقد دوما بأن على اسرائيل ان تكون قوة عظمى اقتصادية، تستند الى تكنولوجيا عليا واقتصاد حر. دوما اعتقد بأن اسرائيل قادرة على ان تصل الى السلام فقط انطلاقا من القوة السياسية، العسكرية والاقتصادية. الجديد في هذا التصور هو الضلع الثالث. خلافا للماضي، يضع نتنياهو هدفا قوميا يرتبط بالهوية: الحاجة الى ربط اسرائيل بالقيم القومية التي ستكون ذات مفعول وقوة جذب ايضا في القرن الواحد والعشرين.
الهدف الثالث حاول نتنياهو ان يحدده منذ خطاب هرتسليا، الذي استقبل بوابل من التحقير والهزء. محاولة رئيس دولة الانشغال في مواضيع ليست سياسية استراتيجية، والتصدي لمسائل الروح والهوية، اعتبرت هذيانية. ولكن كما يدل تحديد التصور، فان نتنياهو لا يتراجع. فهو يواصل رؤية حاجة عاجلة لإيجاد توازن بين العولمة الاقتصادية والتكنولوجية وبين تعميق الهوية اليهودية الاسرائيلية. وهو يواصل رؤية الموضوع القيمي كمسألة اساسية، بموجبها ستتقرر المناعة القومية ام الامن القومي. يدرك نتنياهو انه من دون تجديد الرواية الصهيونية لن يكون هناك مستقبل صهيوني
هذا الاسبوع، تبنت الحكومة في جلسة احتفالية في "تل حي"، خطة لترميم وتعظيم البنية التحتية للتراث القومي. هذه المرة ايضا استقبل القرار بالتحقير والهزء. فرنسا العلمانية تنشغل بصورة كثيفة في تخليد تراثها الثقافي والقومي، الولايات المتحدة الديمقراطية تقدس ماضيها وتتحدث دون انقطاع عن تميزها وعظمتها؛ ولكن محظور على اسرائيل فعل ذلك.
محظور الحفاظ على كوخ بن غوريون في سديه بوكر، وعلى بيت هرتسيل في "خولدا"… محظور لأن كل محاولة من اسرائيل للحفاظ على ذخائر ماضيها هي عمل عبثي، مظلم ملوث بشوفينية ظلامية. محظور لا بل كل محاولة من الشعب اليهودي لرواية قصته تستحق التنديد والاسكات.
ثمة شيء ما سيء حصل لنا في الجيل الاخير. الصراع ضد حرب الجزائر لم يدفع اليسار الفرنسي الى التوجه ضد الجمهورية الفرنسية. الصراع ضد الحروب في فيتنام والعراق لم يدفع حركة السلام الاميركية الى التخلي عن الايمان بأميركا. اما في اسرائيل فان الصراع المتواصل والمبرر ضد الاحتلال ادى الى ادارة الظهر للصهيونية.
نتنياهو يقوم بعمل سليم ومهم لأنه يحاول احياء الصهيونية. ولكن من دون التصدي لورم الاحتلال لن تنجح محاولته. كي تكون اسرائيل قوة عظمى تكنولوجية عالمية، ترتبط بقيمها وتصل الى السلام من موقع القوة، يتعين عليها ان تخلي بالتدريج المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية. نتنياهو يستحق هذا الاسبوع كلمة جيدة، ولكن عليه ان يعرف بأنه فقط اذا ما اخرج اسرائيل من مستوطنتي يتسهار وايتمار، سيكون بوسعه ان يعيدها الى ما وُعد في روحاما، كنيرت، خولدا وروش بينا.
("هآرتس" 25/2/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
المستقبل




















