ينم نوع تصريحات مسؤولي "حزب العدالة والتنمية" بعد اللقاءين الثلاثي في أعلى قمة الدولة التركية بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وقائد الجيش الاسبوع المنصرم ثم اللقاء الثنائي بين رئيس الحكومة وقائد الجيش امس الاول الاحد في مقر رئاسة الحكومة، عن شعور ما بالقوة الذاتية من الحزب المدني الحاكم. وعلى الرغم من ان انفعال رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان المتجدد ضد الصحافة اساء الى الصورة العامة الفعلية المتماسكة لقادة الحزب، لكنه لم يحجب ولا يستطيع أن يحجب تقدما سياسيا جديا حققته القوى المناوئة للأوساط الكمالية التقليدية المتشددة في الدولة والمجتمع التركيين. يجب التذكير هنا ان "حزب العدالة والتنمية" (AKP) يلقى دعما واسعا، وإن يكن غير معبر عنه بتنظيمات سياسية محددة، من قطاعات من المثقفين الليبراليين ورجال الاعمال ومنظمات غير حكومية غير دينية تعمل تحت يافطة "المجتمع المدني". فبرنامج العمل الذي يطرحه (AKP) لا يقتصر على تأييد النخب "الاسلامية الجذور" بين النخب التركية.
غير أن التعبير الآخر الأهم الذي يعكس "ميزان القوى" الضمني بعد "المواجهة" الاخيرة بين الحكومة وقيادة الجيش اثر اعتقال بعض كبار الضباط السابقين وعدد من الضباط الحاليين انه في اليوم التالي للقاء "القمة" الثلاثي المشار اليه صدرت قرارات قضائية بملاحقة دفعة جديدة من الضباط المتهمين بـ"خطة الانقلاب" قبل بضع سنوات.
صحيح ان قائد الجيش نجح في الوصول الى نوع من مخارج، بل تسوية، تضمن منع تفاقم حالة الشعور بالاستياء داخل أوساط القيادة العسكرية، والبعض في تركيا يقول منع تفاقم الاستياء الخطر في أوساط صغار الضباط، إلا أن شيئا مهما عميقا حصل الاسبوع المنصرم في تركيا باتجاه تراجع ما في الدور "السياسي" التقليدي للمؤسسة العسكرية.
سيكون من الخطورة و(الحماقة) بمكان اعتبار ما حصل دخل في مرحلة "اللاعودة" وان توازنا جديدا نهائيا قد تحقق في بنية الدولة التركية يسمح لمخيلة الذين يعتقدون ان تركيا قد سلمت مقاليدها لحزب اسلامي بالانطلاق بدون ضوابط – وخصوصا في العالم العربي الذي ينتقل من "سوء فهم عدائي لتركيا الى سوء فهم مؤيد لتركيا"…
مقال الصديق التركي عمر تاسبينار (المنشور على الصفحة نفسها في "قضايا النهار" اليوم) لامع في الاضاءة على فوارق نوعية بين الثقافتين السياسيتين التركية والعربية لا سيما لجهة قوله ان "الدول العربية بحاجة ماسة الى الدين للحصول على الشرعية السياسية. أما الدولة التركية فلا تحتاج الى الدين إلا لتحقيق الانسجام الاجتماعي". ما يجب اضافته هنا في مجال الحد من انفلات عقال المبالغات حول المستقبل التركي، ان الجيش التركي – وهذه مسألة جوهرية – هو شريك أساسي مؤسس في التجربة التحديثية للجمهورية الكمالية منذ عام 1923 بمستوييها الديموقراطي والتنموي، وهو لذلك ليس محض قوة سلطوية بل قوة "قائدة" في السياق التاريخي للتجربة الكمالية، لا سيما في العلاقة مع المدنيين. صحيح انه "ضرب" الحكم المدني 3 مرات بالدبابات أعوام 1960 و1971 و1980 ومرة عام 1997 عبر "انذار على الانترنت" إلا أنه كان دائما يعود الى ثكناته بسرعة قياسا بجيوش العالم العربي التي خرجت من الثكنات ولم تعد في العديد من بلداننا.
لكن مع كل ذلك فالدور الذي يبدو ان الجيش التركي – محتفظا بكل قوته كجيش مجرب ومهاب في المنطقة – قد يخسره تدريجيا حتى الآن هو دوره كـ"ضابط ايقاع" للتوازن السياسي. إنه لا يزال "حامي الوطن". وهو حاليا يخوض حربا مستمرة منذ أكثر من ربع قرن في مناطق الاكراد في الجنوب الشرقي، كما لا يزال "الحامي الاول" للنظام السياسي. لكن قدرته على "صناعة" التوازن السياسي بين النخب والدولة، وبين نخب الدولة نفسها، هذه القدرة التقليدية للجيش هي التي بدأت تتغير عميقا للمرة الاولى وتعرضت لتراجع جديد نوعي هذا الاسبوع. ولعل المحطة الاولى الكبرى التي يمكن ان يسجلها التاريخ التركي المعاصر لبدء تراجع هذا الدور في "صناعة التوازن" هو فشل انذار الجيش الشهير عام 2007 الذي انكسر عمليا بوصول عبدالله غول الى الرئاسة. في حين ان نجاح AKP الانتخابي الاول عام 2002 كان "بغض نظر" المؤسسة العسكرية هي بسماحها "المسبق" به عبر معرفتها المسبقة باتجاه الريح، بينما فوز AKP الثاني عام 2007 الذي جاء بعبدالله غول (وزوجته المحجبة) الى الرئاسة هو فعلا ضد ارادة المؤسسة العسكرية.
•••
الملمح الأول للموقع الهجومي لرجب طيب أردوغان أنه مع مطلع هذا الاسبوع انتقل فورا – ورغم انقضاضه النزق على الصحافة – الى التمهيد لمشروع تعديلات دستورية سيعمل على تحضير أكثرية ثلثين دستورية لها مع أحزاب المعارضة داخل البرلمان. "الوجبة" الاصلاحية تشمل تغيير عدد من مواد الدستور والقوانين لجهة تشكيل جديد لمجلس القضاة والمدعين العامين الاعلى بحيث يرفع عدد اعضائه من 11 الى 21 عضوا بينهم 12 عضوا يعينهم البرلمان، كما وضع شروط دستورية تجعل اغلاق الاحزاب اصعب من حيث اشتراط اكثرية استثنائية في البرلمان وموافقة ثلاثة أرباع أعضاء المحكمة الدستورية…
اذا كانت "خطة" أردوغان هي ابقاء "تحالف الجيش – القضاء" في وضع دفاعي فمعنى ذلك انه ينتقل الان من "هدنة – تسوية" مع المؤسسة الاولى الى مشروع مواجهة مع المؤسسة الثانية اي القضاء. وهذه الاخيرة أظهرت اندفاعا في الاعتراض على سياسة AKP الداخلية قويا جدا بلغ حد قيام مدعي عام بتوقيف قاضي تحقيق آخر تحت سلطته كان يحقق في ملف يعتبر لصالح AKP.
•••
هذه تركيا في قلب مخاض جديد، مخاض تتقدم فيه حتى الآن الى الامام. انها ليست لبنان ولا مصر ولا العراق، كما ظهر رغم التشابه في السابق كجيش – دولة انها ليست باكستان المتراجعة بل المتحللة. ففي تركيا الحالية من الهند شحنة تحديثية عميقة رغم التفسخات الاجتماعية الخطرة، وفيها من كوريا الجنوبية قوة تقدم تحديثية مرت عبر الجيش، ثم أصبحت أكثر ديموقراطية رغما عن الجيش. ربما لم تستقر هذه التجربة التركية بالمستوى الكوري الجنوبي… ولكنها في درجة قد لا تصبح بعيدة عنه.
دعونا نواصل تفاؤلنا. فالظاهر ان مرحلة حكم "حزب العدالة والتنمية" لا تزال مديدة. غير ان الامتحان الاكبر لاستقرار التحديث الديموقراطي التركي الذي يبدد أي هواجس حول مستقبله… هو صباح اليوم التالي لخسارة حزب العدالة والتنمية للانتخابات. عندها سنعرف كم هذا التراكم الديموقراطي الذي قاده هذا الحزب اصبح راسخا. وهو موعد لا زال مبكرا جدا على ما يبدو.
النهار




















