«حسناً، إقص الشعب. أحجر عليه. اجبره على الصمت لأن الأنوار الأوروبية أهم من الشعب».
استعار الكاتب التركي الحائز على جائزة نوبل أورهان باموك هذه العبارة من «الإخوة كرامازوف» لدوستويفسكي، ليستهل بها رواية «الثلج». رواية تصور الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين. ودور الأجهزة الأمنية في هذا الصراع ليستخلص أن لا علاقة لهذه الأجهزة، لا بالعلمانية كقيمة أوروبية ولا بالإسلام كقيم موروثة.
والواقع أن نظرة سريعة إلى المسيرة السياسية في تركيا تؤكد ما ذهب إليه باموك. أقصى الجيش التركي الشعب وحجر عليه. نصب نفسه سلطاناً يحكم باسم القيم الأوروبية، مستخدماً النخبة الثقافية والعسكرية المقطوعة الجذور عن تاريخها وثقافتها من دون أن تكون لها صلة حقيقية بالثقافة الأوروبية. حارب اليساريين في حين كان اليسار الأوروبي يزدهر. أقصى الأكراد والأرمن في حين كانت أوروبا تحتضن الأقليات وتدافع عنها. استخدم المسلمين المتطرفين لمحاربة الجميع. نفذ أربعة انقلابات ضد حكومات مدنية منتخبة. حوّل النخب الموالية له إلى عصابات لديها مؤسساتها التجارية والمالية والإعلامية. تدخل في القضاء وفي التشريعات البرلمانية. رعى تنظيمات مسلحة. أشهرها منظمة «أرغينيكون» الشبيهة بالمافيا والضالعة في «تأديب» كل من يخالف الأوامر وفي التخطيط لإنقلاب عام 2003. أبعد تركيا عن محيطها «المتخلف». اقتلعها من تاريخها في هذا المحيط ليؤسس لها جذوراً أوروبية مزعومة. لكن الجذور لا تنبت في الظل ولا في الفساد المستشري في كل المؤسسات برعاية مسلحة.
بعيداً من هذه الأجواء، كانت تنمو تركيا أخرى. تركيا متعلقة بتاريخها من دون أن يعيق تقدمها. ظهرت أولاً مع الأحزاب الإسلامية. كان أولها حزب «النظام الوطني» بزعامة نجم الدين أربكان، ثم حزب «الرفاه»، بزعامته أيضاً. وعلى رغم وصول الرجل إلى رئاسة الوزراء إلا أن حزبه حظر ومنع من ممارسة السياسة. لكن من صلب هذا الحزب نشأ حزب «العدالة والتنمية» الحاكم الآن.
منذ وصول «العدالة والتنمية» إلى السلطة عام 2001 وهو يخوض صراعاً مع المؤسسة العسكرية ومنظماتها السرية. أعد «مطرقة» إسلامية شعبية لمواجهة «مطرقة» الجيش. أعلن زعيماه رجب طيب أردوغان وعبدالله غل اكثر من مرة أن الحزب إسلامي محافظ وليس ضد العلمانية، مثله مثل الأحزاب الأوروبية المسيحية المحافظة. لكن ذلك لم يقنع الجيش ولا التنظيمات السرية فقرر اللجوء إلى انقلاب، وعندما كشف أمره لم يستطع الاعتراض على توقيف قادة كبار، بعضهم متقاعد وبعضهم ما زال في الخدمة، لكنه زعم أن خطة الإنقلاب كانت جزءاً من مناورة «تعتمدها كل الجيوش» للطوارئ.
قد تعتمد هذه الحجة غير المقنعة للتوصل إلى تسوية للمواجهة بين الجيش والسلطة المدنية ممثلة بالحزب الحاكم، لكن التفاصيل وتجرؤ الحكومة المدنية على المواجهة تؤكد أن المؤسسة العسكرية لم تعد تسيطر على كل مفاصل الدولة ومؤسساتها. مثلما لديها نفوذ في البرلمان والقضاء والإعلام والصحافة والديبلوماسية، كذلك للحزب نفوذه. وتوضح الوثائق المنشورة عن الإنقلاب أن العسكريين كانوا سيستخدمون هذا النفوذ للحصول على تأييد هذه المؤسسات.
قد تنتهي هذه المواجهة بحل وسط. لكن الصراع مستمر بين جيش يمارس صلاحياته ويقصي الشعب باسم الديموقراطية والعلمانية وحزب لا ينكر السلطنة ويعتمد على الشعب لخوض هذا الصراع.
"الحياة"




















