بماذا يفترق خطاب محمود أحمدي نجاد عن خطاب أحمد سعيد قبل هزيمة حزيران والصحاف قبل احتلال العراق؟ قد يقول قائل أن هذه إيران وليست مصر ولا العراق، فانْتبهْ! وقد قالها كتبة عرب مضمرين ومعلنين إعجاباً بالقوة العسكرية وبالحكمة الإيرانية. ألم تملأ الأذان تلك المقارنة بين سياسة نجاد والاتقان في صنع السجاد الإيراني؟
لكن أصحيح هذا التقوّل؟
بالأمس استمرت الحرب العراقية الإيرانية ثماني سنوات ولم نلحظ ذلك الاتقان في سجادة الحرب. علماً أن عدد السكان في إيران ثلاثة أضعاف عدد السكان في العراق، وموارد إيران أكبر، ومساحة إيران أكبر، وهي دولة مستقلة ومستقرة منذ فجر التاريخ. وقد استخدمت ميزاتها التعبية ذاتها في الخطاب، أعني خطاب ديني هوسي مشفوعاً بخطاب العظمة الامبراطورية الفارسية بتقية وتمويه، لكنها… لم تنتصر في الحرب.
إذن ما الذي يجعل نجاد وبعض كتابه من العرب يستعيرون حنجرة أحمد سعيد والصحاف؟
لعل عدد الكليومترات التي ستقطعها صواريخ نجاد لتصل إلى اسرائيل، هو الذي ألهمهم هذه الرطانة، متناسين هذا التداخل الفلسطيني والاسرائيلي، فالمدن ما عدا القليل هي مشتركة، وليس من المحتمل أن يثق المرء بأن صاروخاً إيراني الصنع سيضرب المنطقة الصناعية في حيفا بدقة ولن يصيب الحي العربي المجاور، مثلما فعلت صواريخ حزب الله وسُكت عنها باعتبارها تأخذ قداستها بمجرد الانطلاق نحو اسرائيل، حتى لو قتلت عرباً. يضاف إلى ذلك عبور هذه الصواريخ سماء عدة دول عربية وبتقنية تنكية، كالسيارات الايرانية المصدرة إلى سورية، حيث من المحتمل أن تتضرر دول عربية إما نتيجة لقصورها التكنولوجي أو تصدي الصواريخ الاسرائلية لها. هذا إذا كان الأمر جاداً، الأمر الذي لا نعتقده. فإيران علي خامئني تضرب "بجلد الرفاعي" أي تستقوي بالضبط بالتنظيمات العربية وطابورها الخامس في تخويف الغرب على نفسه وعلى اسرائيل. لاحظوا الآن علو خطاب حزب الله وحماس و"الأحمد سعيديون" من القومويين والاسلاميين، بالترابط مع اشتداد التأزم في البرنامج النووي.
منذ أن دخلت إيران على خط المزايدة على فلسطين لم يمت أو "يستشهد" إيرانيون في مواجهة مع اسرئيل أو بالعلاقة مع مواجهة كهذه. أليس الأمر جدير بالملاحظة؟ لم يمت إيرانيون في جنوب لبنان في معركة مع الاسرائيليين، ولا في فلسطين أو جوارها. ليس المطلوب أن يفعلوا، على أي حال. لكن العكس صحيح حيث مات عرب في الجانب الإيراني دفاعاً عن الثورة الاسلامية ضد عراق صدام حسين. أمّا شبكاتهم الأيدلوجية والتنظيمية العاملة على تحسين الصوت الصادح ضد الصهيونية والاستكبار العالمي، فتعتمد على عناصر عربية مشهورة بحسن التجويد إدغاماً وإخفاء وقلباً.
نجاح إيران نجاد الوحيد هو الخدمة المجانية المقدمة من عرب العداء للغرب مهما يكن وأينما يكن ومتى يكن. عرب العداء المزمن الذي لا يشفى. ولا غرابة فالمريض بالعداء، سيجد من يستغله سواء أكان إيران، أم حتى الغرب ذاته لسخرية القدر، ومثال القاعدة خير دليل.
هل يدلنا أحدٌ على فائدة القاعدة للمسلمين والعرب بالأخص؟
ليس من المستحيل أن يجعلك عدوك تخدم أهدافه وتخسر أهدافك إذا ما توفرت شروط تخطيطه ومتابعته من جانب، وتوافرت شروط ارتكازكَ على الغرائز واستبعاد العقل من الجانب الآخر.
إذْ من المستفيد الآن من سلاح وخطاب حزب الله؟ أهو لبنان أم إيران؟ وماذا عن اسرائيل؟
ومن المستفيد من سياسة حماس أهم الفلسطينيون وقضيتهم أم إيران؟ وماذا عن اسرائيل؟
نجاد يستعير حنجرة عربية، ودماء عربية، وتنظيمات عربية… ولغة عربية أيضاً كي يحارب اسرائيل والاستكبار، ويحصل على حصة من الهيمنة على الشرق الأوسط لاغير.
النرويج
24/2/2010




















