في خطوة يتوقع ان تتسبب بأزمة في العلاقات الاميركية – التركية، وافقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الاميركي على مشروع قرار يصف اعمال القتل والاقتلاع التي تعرض لها الارمن على أيدي العثمانيين قبيل انهيار امبراطوريتهم، بانها كانت حرب "ابادة"، وذلك على رغم محاولات البيت الابيض المتأخرة لتأجيل التصويت. وبعد دقائق من التصويت، اعلنت انقرة استدعاء سفيرها في واشنطن للتشاور.
ووافقت اللجنة بغالبية 23 نائبا في مقابل 22 على مشروع قرار غير ملزم بعد مناقشة استمرت بضع ساعات وشهدها نواب أرمن واتراك، وثلاث نساء ارمنيات يقمن في اميركا منهن في اواخر التسعينات من العمر والثالثة يزيد عمرها عن مئة سنة، قيل انهن شاهدن المذابح. ويعتقد ان الموافقة على القرار بهذه الاكثرية الضئيلة هو مؤشر لحساسية الموضوع وللضغوط التي مارستها تركيا واصدقاؤها وكذلك الحكومة الاميركية، وان تكن هذه الضغوط متأخرة وغير صاخبة.
وكانت ادارة الرئيس باراك اوباما قد حضت اللجنة على تفادي استفزاز تركيا بالتصويت على مشروع القرار، واتصلت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي تقوم بجولة في اميركا اللاتينية برئيس اللجنة النائب هوارد بيرمان الاربعاء لتقول له ان أي اجراءات كهذه من الكونغرس "سوف تمنع التقدم في عملية اقامة علاقات طبيعية" بين ارمينيا وتركيا، وكما صرح الناطق باسم مجلس الامن القومي مايك هامر.
وجاء ذلك عشية اتصال هاتفي أجراه اوباما مع الرئيس التركي عبدالله غول، وقدر خلاله جهود تركيا لاقامة علاقات طبيعية مع ارمينيا. لكن موقف البيت الابيض لم يؤثر على تصميم بيرمان على مناقشة مشروع القرار والتصويت عليه، بعدما حض اعضاء اللجنة على تجاهل التهديدات التركية قائلا: "الاتراك يقولون ان التصويت على القرار ستكون له عواقب وخيمة على علاقاتنا الثنائية، وبالفعل قد تكون هناك بعض العواقب، لكنني اعتقد ان تركيا تقدر علاقاتها مع الولايات المتحدة كما نقدر نحن علاقاتنا مع تركيا"… وانا اعتقد ان الاتراك، على رغم استيائهم العميق اليوم، يوافقون بشدة على أن التحالف الاميركي – التركي هو ببساطة بالغة الاهمية، بحيث لا يعرقلها اعتماد لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب قرارا غير ملزم". وكرر انتقاده لتركيا لانها لا تزال "تغمض عينيها عن حقيقة الابادة الارمنية".
ومع انه لم تصدر عن ادارة اوباما احتجاجات عالية قبل اقتراب موعد التصويت، الا انه كان من الواضح ان البيت الابيض لا يريد ان يستفز الكونغرس تركيا وقت تحتاج واشنطن الى دعم انقرة ليس فقط في حربيها في العراق وافغانستان، بل ايضا في مواجهتها المقبلة مع ايران في مجلس الامن بعد طرح سلة رابعة من العقوبات على طهران بسبب برنامجها النووي، نظرا الى كون تركيا عضوا غير دائم في مجلس الامن.
وكان اوباما خلال حملته الانتخابية قد تعهد في حال انتخابه دعم الجهود الرامية الى اعتبار مذابح الارمن ترقى الى مستوى "الابادة"، وفي السابق صوّت نائب الرئيس جوزف بايدن ووزيرة الخارجية هيلاري كلنيتون على قرارات مماثلة عندما كانا في مجلس الشيوخ. لكن اوباما تراجع بعد انتخابه عن هذا التعهد، واستخدم في البيان الذي اصدره في نيسان 2009 في يوم الذكرى السنوية لبداية المذابح ضد الارمن عبارة "الكارثة الكبرى" التي تعرض لها الارمن، متفاديا كلمة "الابادة"، التي تعني القتل الجماعي والمنظم لشعب لاسباب عرقية او دينية.
ويدعو القرار الرئيس الاميركي الى اعتماد سياسة خارجية "تعكس الفهم الاميركي المناسب والحساس المتعلق بقضايا تتصل بحقوق الانسان، والتطهير العرقي، والابادة الموثقة في سجلات الولايات المتحدة والمتعلقة بالابادة الارمنية". وجاء في البند الاول من القرار "ان الامبراطورية العثمانية قامت بتخطيط وتنفيذ الابادة الارمنية بدءا من 1915 الى 1923، والتي ادت الى تهجير نحو مليوني ارمني تقريبا قتل منهم مليون ونصف المليون من الرجال والنساء والاطفال، بينما طرد نصف مليون من منازلهم، الامر الذي ادى الى الغاء وجود الارمن الذي يعود الى 2500 سنة من وطنهم التاريخي".
ويلتقي معظم المؤرخين على ان الادلة الموثقة والموجودة في ارشيفات عدد من الدول عن اعمال التقتيل والتهجير القسري التي تعرض لها الارمن، ترقى الى مستوى "الابادة" على رغم ان هذا المفهوم لم يعتمد دوليا او يتم التعارف عليه على انه جريمة بموجب القانون الدولي، ولم يعط تفسيره الحالي الا في 1946، بعد حرب الابادة المنظمة التي شنتها المانيا النازية على اليهود الاوروبيين والتي تعرف بالمحرقة.
وكما جرت العادة في مثل هذه المواجهات بين الحكومة التركية واصدقائها الاميركيين وأرمينيا والمنظمات الارمنية – الاميركية، شن الطرفان حملات علاقات عامة وقاما مع ممثليهما باعمال "اللوبي" والضغط ونشر الدعايات في الصحف، وشارك في المعسكر المتعاطف مع تركيا عدد من شركات الاسلحة الاميركية التي حذرت من اغضاب دولة حليفة في حلف شمال الاطلسي. وتنفق تركيا مبالغ طائلة على شركات العلاقات العامة والضغط، اذ وقعت عقدا مع شركة يديرها الزعيم السابق للغالبية الديموقراطية في مجلس النواب ريتشارد غيارت (الذي كان يؤيد انذاك ان ما حصل للارمن في بداية الحرب العالمية الاولى يرقى الى مستوى الابادة) بقيمة مئة الف دولار شهرياً، وعقد اخر مع شركة اخرى بقيمة 70 الف دولار شهرياً. وفي المقابل انفق اللوبي الارمني أكثر من 380 الف دولار العام الماضي على نشاطاته الرامية الى تمرير القرار. هذا، عدا التبرعات المالية التي يقدمها الطرفان لاعضاء مجلس النواب والتي تصل ايضا الى مئات الآلاف من الدولارات.
وبعد التصويت في لجنة الشؤون الخارجية، سيأخذ مشروع القرار طريقه الى مجلس النواب بهيئته العامة.
انقرة
• في انقرة (و ص ف، رويترز)، جاء في بيان حكومي: "اننا ندين هذا القرار الذي يتهم الامة التركية بجريمة لم ترتكبها". واضاف: "على اثر هذا التطور، استدعي سفيرنا في واشنطن نامق تان الى انقرة للتشاور".
كما اصدر رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان بياناً قال فيه انه يشعر بقلق جدي من امكان ان يلحق هذا القرار الضرر بالعلاقات التركية – الاميركية، وبجهود تركيا لاقامة علاقات طبيعية مع ارمينيا.
واشنطن – من هشام ملحم
"النهار"




















