في خطابه الأول إلى الأمة الذي تناول فيه حال الاتحاد، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبصورة قاطعة وجازمة، إصراره على مواجهة كل الصعوبات والتحديات الدولية التي تعترض بلاده، للحفاظ على موقعها الأول والرائد في العالم، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وتقنياً وثقافياً. ولفت، بعد ذكر الصين مرتين، منوهاً بقدراتها، وبعيداً عن أي اتهام ينمّ عن عداء بين الدولتين الجبارتين، إلى أنه لن يسمح بتراجع الولايات المتحدة إلى المركز الثاني. وفي تحليل أولي لكلام أوباما، لاحظ بعض المراقبين أن مقاربته لهذا الموضوع وبهذا الهدوء، شكّل بطريقة أو بأخرى، نوعاً من التحدي للعملاق الآسيوي، وتأكيده للمسؤولين في بكين، ولكل من يهمه الأمر في الدول الكبرى، الحلفاء والأعداء على السواء، أن الولايات المتحدة، كانت وستبقى "سيدة العالم".
في الواقع، جاءت تصريحات أوباما تجاه الصين تعبيراً عن مخاوف النخبة الأميركية في حال تمكنت هذه الأخيرة من تحقيق أهدافها الاقتصادية والعسكرية، لتصبح خلال سنوات قليلة القوة العظمى الثانية المنافسة للولايات المتحدة على كل الصعد وفي كل المجالات. وفي هذه الحالة، سوف تجد واشنطن نفسها سريعاً أمام تحديات كثيرة وخطيرة، وبما يعيدها بالذاكرة، والعالم كله، إلى ما قبل تسعينات القرن الماضي، حين كانت المنافسة على أشدها مع موسكو وأسست لما عرف بالحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا المجال، وخلال زيارته إلى الهند في العشرين من كانون الثاني الماضي، واجتماعه إلى كبار المسؤولين في نيودلهي، أكّد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، رغبة الولايات المتحدة الجادة في إجراء مفاوضات مع الصين تتناول الإمكانات المتوافرة لنزع الأسلحة النووية، وبالطريقة نفسها التي اعتمدتها سابقاً مع الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى اتفاق يحول دون تعريض العالم إلى كوارث حرب نووية. وذكّر غيتس بأن فعل هذه المفاوضات هي التي أدت إلى خفض عدد الرؤوس النووية لدى كل من واشنطن وموسكو. "وأنه بات من الضروري إن لم يكن من واجب الجبارين، الولايات المتحدة والصين، وأكثر من أي وقت مضى، اعتماد الحوار والوسائل السلمية لإنقاذ البشرية من انتحار ذاتي بأسلحة الدمار الشامل".
على وقع هذا الكلام والمواقف من جانب أوباما ووزير دفاعه غيتس، اعتبر خبراء صينيون، أن واشنطن باتت على قناعة بأن الصين تحوّلت خلال الأعوام القليلة الماضية، إلى قوة عسكرية عملاقة قادرة على ضرب النفوذ الأميركي في جهات العالم الأربع، وعلى هذا الأساس، كانت دعوة المسؤولين الأميركيين قادة بكين، إلى التفاوض حول كل القضايا الخلافية القائمة، وخصوصاً أخطار الأسلحة النووية التي تهدد السلام العالمي. وما يحدث اليوم من تحديات ومنافسات بين "التنين الأصفر" ومن تعتبر نفسها "سيدة العالم" ليس طارئاً على تواريخ الشعوب والأمم. الإمبراطوريات المتعاقبة نشأت على مبدأ القوة والضعف. لا تقوم واحدة إلا على أنقاض أخرى، وفي أحيان كثيرة، حصل الصراع بين دولتين حليفتين. فحين كانت إحداهما تسعى لاحتلال الموقع الثاني على المستوى الدولي، فإنها تطمح بطريقة أو بأخرى إلى الأول، ما يدفع الأولى إلى توحيد صفوفها وتحصين ذاتها، بكل ما تملكه من قوى داخلية وسيطرة خارجية، حماية لمصالحها ومواقعها. وعلى هذه القاعدة شهدت البشرية منذ أواسط القرن الماضي، أطول حرب باردة في تاريخها بين واشنطن وموسكو، وهي الحرب ذاتها التي اندلعت أخيراً بين واشنطن وبكين، والتي باتت تهدد بحرب عسكرية تدميرية شاملة، ما لم يتوصل الطرفان إلى حلول جذرية لقضايا معقدة، أخطرها أسلحة الدمار الشامل.
والأكيد حتى الآن، في رأي علماء السياسة الغربيين والمحللين، أن سياسة واشنطن مع النظام الصيني الطامح إلى الموقع الأول ستشبه السياسة التي مارستها مع الاتحاد السوفياتي. وقد بدت التباشير الأولى لهذه الاستراتيجية، مع تحالف القوى الغربية لمواجهة التمدد الصيني الأعظم، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، حيث غزت المنتوجات الصينية من كل الأصناف والأنواع، وبأدنى الأسعار، الأسواق الأميركية والأوروبية والآسيوية. وفي توصيف لهؤلاء، تحوّلت الصين إلى "مشغل العالم" يزيدها نفوذاً موقعها الثابت في مجلس الأمن، وامتلاكها السلاح النووي، ونفوذها المتمادي في القارة الآسيوية ودول المحيط الهادئ. ولن يمر وقت طويل قبل أن تصبح قوة عملاقة قادرة على تهديد زعامة الولايات المتحدة. وعلى هذا الأساس، خاطب أوباما الأميركيين وحلفاءه الأوروبيين، لافتاً إلى ما أسماه "التحدي الصيني" للغرب، وما يعكسه من تحديات لـ "السلام العالمي" على حد تعبيره. القادة الصينيون يرفضون بدورهم الادعاءات الأميركية، خصوصاً والغربية عموماً. وهم إذ لا ينفون تعاظم قوتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية، يؤكدون في الوقت نفسه، أنهم دولة مسالمة لا تسعى بأي حال إلى التماثل بالاستعمار الغربي ولا السوفياتي، لأن كل ما يعنيها، أن تتمكن من الحفاظ على مصالحها الدولية، وتوفير حياة مستقرة ومكتفية لما يزيد على مليار ونصف مليار إنسان يعيشون في كنفها وحمايتها، ودون ذلك، ليس أكثر من إشاعات تنشرها الأجهزة الغربية لتبقى الولايات المتحدة "سيدة العالم".
"المستقبل"




















