شكل قرار لجنة متابعة مبادرة السلام العربية الموافقة على مفاوضات غير مباشرة بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، السلّم الذي نزل عليه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من شجرة المطالبة بالوقف الكامل للاستيطان في الضفة الغربية والقدس والتزام بنود "خريطة الطريق" قبل العودة الى المفاوضات. والأهم من ذلك ان قرار اللجنة مد ايضاً طوق النجاة لادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما التي بدأت تغرق في رمال الشرق الاوسط المتحركة، ويظهر عجزها عن طرح بديل من الجمود الذي يعتري عملية السلام منذ الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة بين اواخر 2008 وأوائل 2009.
ولم تكن لجنة المتابعة لتتخذ قراراً كهذا لولا الضغط الاميركي على اللجنة، لا سيما بعدما أيقنت الادارة الاميركية انها عاجزة عن ممارسة الضغوط على اسرائيل كي توقف الاستيطان بشكل كامل، فكان البديل من العجز الاميركي حيال الدولة العبرية ممارسة الضغط على العرب. وطبعاً هذه ليست المرة الاولى التي تأتي التنازلات على حساب الطرف العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً.
والمثير للاستغراب، ان العرب الذين راهنوا في مستهل عهد اوباما على ان تحدث واشنطن فرقاً في التعامل مع قضية الصراع العربي-الاسرائيلي وفي الموقف من اسرائيل، يبدو اليوم ان اوباما نفسه يطلب مساعدتهم لاقناع الفلسطينيين بالعودة الى التفاوض حتى لا تصل الجهود التي يبذلها المبعوث الاميركي الخاص جورج ميتشل الى درجة الاخفاق التام.
وهنا يمكن ملاحظة ان الامور تجري بصورة مقلوبة لما كان معولاً عليه من ان يعمد اوباما الى الضغط على اسرائيل كي تلتزم الوقف التام للاستيطان قبل معاودة المفاوضات. لكن تبين ان الادارة الاميركية الحالية عاجزة او انها لا تريد فعلاً الضغط على نتنياهو كي يلتزم بنود "خريطة الطريق" وبينها الوقف التام للاستيطان. وليس هذا فحسب، بل تبين ان اوباما غير قادر على ردع اسرائيل عن التوقف عن هدم منازل الفلسطينيين في القدس الشرقية، او عن التوقف عن الحفريات تحت المسجد الاقصى او عن ضم مواقع دينية اسلامية الى قائمة التراث اليهودي.
وحتى لجنة المتابعة العربية التي رضخت للضغط الاميركي، ضمنت بيانها الذي قبلت به ان يفاوض الرئيس الفلسطيني اسرائيل بشكل غير مباشر، ما يوحي بأن هذه الخطوة موجهة الى ادارة اوباما وليس الى اسرائيل التي قالت اللجنة عنها انها "غير جدية" في طلب السلام. ولذلك اعتبر البيان ان الموافقة العربية هي "محاولة اخيرة" تستهدف منح واشنطن فرصة لحمل اسرائيل على التزام الوقف التام للاستيطان، حتى يتسنى الانتقال الى المفاوضات المباشرة.
والى التشكيك الذي حمله البيان في امكان توافر فرصة حقيقية لانطلاق مفاوضات مباشرة على الوضع النهائي، فإن الكرة الآن باتت مجدداً في الملعب الاميركي. واذا لم تأت واشنطن هذه المرة بجديد، فإن الجمود هو الذي سيسيطر مرة اخرى على اجواء الشرق الاوسط التي بدت في الاسابيع الاخيرة وكأنها على فوهة بركان او فوق برميل من البارود.
ومن غير المضمون في حال فشل الجهود الاميركية المقبلة ان تتلبد الاجواء مجدداً وتعود لغة التهديدات هي السائدة، لأن الفراغ سيقود حتماً الى التصعيد وخصوصا ان الفلسطينيين لم يعودوا يراهنون كثيراً على العملية السلمية، وبدأت نذر الانتفاضة الثالثة بعدما طفح الكيل من خلال ما يقدم عليه نتنياهو من اجراءات في الضفة الغربية، فضلاً عن استمرار الحصار الجائر على قطاع غزة. واذا ما اضيف الى الاحتقان الفلسطيني، الاحتقان الاقليمي مع لبنان وسوريا وايران، عندها لا يمكن التكهن بما ستؤول اليه الامور.




















