دمشق ـ «القدس العربي»: أطلقت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وثيقة «العيش المشترك» مطالبة فيها بدولة ديمقراطيّة وتعدديّة سياسيّة وتداول سلميّ للسلطة، وهو ما أعتبره كاتب سوري «محاولة للبحث عن دور» موضحاً أن «الإدارة السورية الجديدة لا تُقيمُ كبير وزنٍ للإخوان وتعرف محدودية حجمهم وضمورهم المطرد».
مضمون الوثيقة
وثيقة «العيش المشترك» التي أطلقتها الجماعة عبر موقعها الرسمي على الإنترنت الجمعة اعتبرت أن «ما تحتاجه سوريا اليوم لضمان مصالحها المشتركة هو عيش مشترك، بحيث لا يَحجرُ أحدٌ على أحد، ولا يستقوي مكون سوري بدولة خارجية على دولته للحفاظ على مصالحه».
وتحدثت الوثيقة عن «تصور جماعة الإخوان المسلمين في سوريا لأسس تراها ضرورية لبناء عيش مشترك يهدف إلى تعزيز التفاهم والسلام بين مختلف أفراد مجتمعنا ومكوناته، ويعيد لسورية صورتها العالمية المشرقة، ويلمّ شعث السوريين بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية» مستندة في خطابها الى ما سمتها بالأسس الشرعية للعيش المشترك، مستندة في ذلك إلى آيات قرآنية كقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) على أن تتمثل هذه الأسس بقيم أساسية مثل «احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه، والعدالة باعتبارها هي التي تحدّد الحقوق والواجبات تجاه الآخر، والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة، واعتبار «صحيفة المدينة» المرجع الأساسي للتعاقد الذي يوضح الحقوق والواجبات، ويمنع تحوّل الخلافات إلى صراع، ويحوّل العلاقة بين الدولة ومكوناتها إلى علاقة توافق وتكامل».
ورأت الوثيقة أن من قيم العيش المشترك أن تكون «سوريا دولة ديمقراطيّة تقوم على التعدديّة السياسيّة والتداول السلميّ للسلطة عبر صناديق الاقتراع ومبدأ المواطنة وسيادة القانون وفصل السلطات، وتلغي المحاكم الاستثنائية وتمنع تشكيلها، مع التأكيد على صون حرية الاعتقاد وكفالة القانون الحرية الدينية للجميع، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف، وأن يتمتع جميع السوريّين بحق المشاركة السياسيّة الكاملة بناءً على الكفاءة، وأن يكفل الدستور الحريّات العامّة والفرديّة، وحقّ تشكيل الأحزاب السياسيّة ومنظّمات المجتمع المدني ضمن القوانين الناظمة.
الجيش والسياسة
الوثيقة التي تحدثت عن ضرورة «تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة والعادلة في كافة المناطق السوريّة» اعتبرت أن «مهمّة الجيش الوطنيّ الدفاع عن الوطن بحدوده المعترف بها دولياً ضدّ الاعتداءات الخارجيّة، ويُحظَر على أفراده التدخّل في العمل السياسيّ، ويخضع في عمله للرقابة البرلمانيّة والمساءلة القضائيّة، مع حصر السلاح بيد الدولة، وتنظيم حمله الفردي بالقانون» إضافة إلى «التمكين المشروع للمرأة ورفض تهميش دورها، وتمكين الشباب والنهوض بدورهم، وتساوي أبناء الشعب السوري في الكرامة والحقوق والواجبات» مع التشديد على «عصمة دماء وأموال جميع السوريين» وكفالة «حرية الانتقال داخل الدولة لكل المواطنين».
البحث عن الدور
الكاتب السوري العائد من الولايات المتحدة وائل ميرزا، اعتبر في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أن الجماعة عبر وثيقتها الأخيرة «تبحث عن دور كانت تأملُ أن يكون أكبرَ بكثير من واقع العزلة النسبية الحالية الذي تعيشه، شعبياً ورسمياً، خاصةً مع الخلفية الإسلامية لقيادة الدولة الحالية، والتي كان يأمل أن تكون شفيعاً ثقافياً وسياسياً له».
واعتبر الأستاذ في العلوم السياسية في جامعة الشارقة أن «المشكلة الأساسية، كما هو حال كل الوثائق التي يصدرها الإخوان كل بضعة سنين، أنهم يقولون «كل الأشياء الصحيحة» لكن أفعالهم وممارساتهم، السياسية تحديداً، لا تُعبّر، في قليلٍ أو كثير، عن طروحاتهم النظرية، وهذا هو السبب الرئيس في أن قوتهم وحضورهم على الأرض في سوريا اليوم محدودان للغاية، رغم وجود العديد من قواعدهم وكوادرهم داخل البلد» حسب قوله.
ضمور مطّرد
ورأى ميرزا، وكان أول أمين عام للمجلس الوطني السوري، أن الإدارة الجديدة في دمشق لا تُقيمُ كبير وزنٍ للإخوان في هذه المرحلة أصلاً، لأنها تعرف محدودية حجمهم، بل أكثر من ذلك، إنها تدرك حقيقة ضمورهم المطرد، من خلال عمليات الانسحاب المستمرة من الجماعة، المُعلنة أو غير المعلنة منها، وبالتالي فإن التعامل معهم ليس له أي خصوصية، وسيندرج في الإطار التنظيمي الحاكم لوجود الأحزاب في سوريا، والذي قد يصدر في المستقبل.
ورأى ميزرا أن نشاط الأحزاب الدينية من الضرورة بمكان أن يكون مضبوطاً، ليس فقط ببرنامجها السياسي نظرياً، وإنما أيضاً برصد عملية التنزيل العملي للنظرية على الواقع.
وعن موقفه من القانون 49 لعام 1980 الذي كان يعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسبٍ لتنظيم جماعة «الإخوان المسلمين» قال ميرزا: «كان قانونا ليس له أي أساس حقوقي أو سياسي يحترم أي دولة وشعب، وكان أحد أوجه العار على النظام البائد، بغض النظر عن موقفنا من الإخوان المسلمين ورؤيتنا لفكرهم السياسي والتنظيمي، ويجب أن يكون أول ما يتم إلغاؤه من قوانين في المرحلة المقبلة».
واستبعد ميزرا حظر الجماعة كحالها في معظم الدول العربية. وقال: «أسلوب التعامل معهم في سوريا الجديدة وجهاً آخر للأسلوب الذي ارتأته بعض الدول العربية، وذلك من خلال السماح للواقع السياسي والثقافي في سوريا بأن يُظهر صِغَرَ وزنهم وهامشية تأثيرهم في الواقع العملي».
- القدس العربي


























