تختبر محافظة السويداء حالة من التوتر المتصاعد، مرشّحة للتفاقم أكثر في الأيام المقبلة. السبب يعود لحملة الاعتقالات التي قام بها مسلحو رئيس الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في السويداء الشيخ حكمت الهجري، والتي طاولت عدداً من المشايخ وشملت اقتحام منازل يقطنها نساء وأطفال، وتخللها إهانات وحلق شوارب، إلى أن وصلت إلى مقتل اثنين من المعتقلين.
الشيخان رائد المتني وماهر الفلحوط كانا ضمن المعتقلين، وقُتلا خلال عملية الاحتجاز. لا تحقيقات بعد ولا نتائج لكيفية مقتل الشيخين، لكن الصور ومقاطع الفيديو تظهر تعرضهما لتعذيب شديد. الحملة الأمنية التي قام بها مسلحو الهجري كانت تحت عنوان “الأمن الاستباقي”، واتهم الحرس الوطني التابع للهجري الموقوفين بالتواصل مع سلطات دمشق والتحضير لانقلاب عسكري.
لا بد من الإشارة إلى أن الشيخين المتني والفلحوط كانا ضمن الدائرة الضيقة للهجري، وسبق للمتني أن كان ضمن الأشخاص الذين شكّلوا المجلس العسكري في السويداء بعد سقوط نظام المخلوع بشّار الأسد، والذي عارض التعامل مع دمشق واصطف مع تل أبيب وطالب دعمها. لكن المجلس العسكري، الذي استمد فكرته من الإدارة الذاتية الكردية، لم يعد له وجود فعلي في السويداء.
اتهامات بالتواصل مع دمشق
“الحرس الوطني” اتهم المعتقلين بالتواصل مع دمشق، لكن لم تجرِ تحقيقات ومحاكمات للمتهمين للتأكد من التهم.
ورجحت مصادر من السويداء ثلاثة احتمالات خلف الاعتقال والقتل، الأول هو التواصل فعلاً مع دمشق. وتحدثت المصادر لـ”المدن” عن علاقة الهجري بالمتني، مشيرةً إلى أنها كانت متقدمة، وكان الأخير “اليد اليمنى” للهجري منذ ما قبل سقوط الأسد. لكن العلاقة تراجعت في الفترة الأخيرة، وتم إبعاد المتني عن الدائرة الضيقة، وقد يكون المتني على تواصل مع دمشق. لكن مصدراً آخر استبعد ذلك قائلاً أن لا قدرة للمتني على تنفيذ انقلابات.
ووفق المصادر نفسها، فإن الاحتمال الثاني هو صراع النفوذ بين المتني والهجري. وأوضحت المصادر أن هذا الخيار مرجّح أيضاً كون الهجري أبعد المتني عن دائرته الضيقة وقلّص أدواره. وبالتالي قد يكون المتني في صدد محاولة توسيع رقعة نفوذه في السويداء والتضييق على الهجري، فقام الأخير باعتقاله وقتله لإنهاء أي محاولة تمرّد ضده، وإرسال رسائل إلى كل معارضيه في المحافظة.
وبالنسبة إلى الاحتمال الثالث المطروح، بحسب المصادر، فيتعلق بتواصل المتني مع رئيس الهيئة الروحية في إسرائيل الشيخ موفق طريف، ورغبة الأخير بتقوية شخصيات في السويداء على حساب الهجري، كون العلاقة بين طريف والهجري متوترة وهذا ما بات واضحاً للجميع. وقالت مصادر أخرى من السويداء إن طريف غير راض عن النهج الذي اعتمده الهجري، مشيرةً إلى صراع زعامة يدور بينهما. في حين رجحت مصادر ثالثة هذه الفرضية كون علاقات قوية كانت تربط فلحوط بدروز إسرائيل.
تصعيد مرتقب
على إثر ما حصل، أصدر آل المتني بياناً توعدوا فيه برد حقهم ما لم تثبت التهم بحق رائد المتني. وأشار مصدر من السويداء إلى أن التوتر الداخلي في المحافظة “بلغ ذروته”، وعائلتا المتني وفلحوط يصعدان ضد الهجري ومسلحيه، وموقفهم يقول إن لم تثبت إدانتهما بأي من التهم فإن التصعيد سيكون سيد الموقف، مشيراً إلى أن شرخاً وقع بين الأهالي والهجري.
هذا الشرخ لا يقتصر على عائلتي المتني وفلحوط؛ بل إن حالة غضب واستياء تسيطر على دروز السويداء. وقال المصدر إن صوت المعارضة للهجري ارتفع خلال الأيام الأخيرة، كون ما حصل شكّل انتهاكاً لشيخ ذي مقام ديني متقدّم، ومشابهاً لما ارتكبه عناصر البدو من ممارسات مهينة، كحلق الشوارب ونتف اللحى. ويُعدّ ما حصل رسالة تهديد بالدماء لكل معارضي الهجري.
وأضاف المصدر في هذا السياق، إن الهجري يختبر “وضعاً سيئاً”، ولهذا السبب اضطر “الحرس الوطني” إلى إصدار بيان يشير فيه إلى محاسبة مرتكبي الانتهاكات. لكن الممارسات لم تكن السبب الوحيد؛ بل إن وعود الهجري التي لم تتحقق والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، و”تمادي” مسلحي الهجري في المحافظة وغياب الأفق شكّلت تراكمات تمهّد للانفجار ضده.
وتساءلت مصادر أخرى عن المواقف الدينية التي من المفترض أن تصدر عن مرجعيات روحية إثر تعذيب وإهانة قتل شيخ ذي قيمة دينية متقدمة. كما تساءلت أيضاً عن “أسس الدولة المفترضة” التي يريد الهجري بناءها، والتي تقوم على الإعدامات الميدانية وغياب التحقيق والمحاكمات. وتشبّه المصادر واقع السويداء بواقع سوريا ما قبل سقوط المخلوع بشار الأسد، حينما كان الأمنيون متحكمين.
في المحصلة، فإن السويداء على حافة انفجار من الدخل لا من الخارج. النقمة الشعبية من الهجري تتسع كون الوضع العام يتردّى أكثر، ونقمة المعارضة تتصاعد خشية أن تكون سلطة الأمر الواقع في المحافظة نسخة طبق الأصل عن سلطة الأسد الأمنية. لكن قبضة الهجري والدعم الذي يتلقاه من إسرائيل يمنحاه موقعاً متقدماً على معارضيه في السويداء.


























