وصلت العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في خلفياتها وحيثياتها وتداعياتها إلى أبعد من بلدة بيت جن بريف دمشق، حيث تبدت حدود القوة العسكرية لتل أبيب واستحالة مواصلة ممارساتها الحربجية في المدن والبلدات خارج المنطقة العازلة التي تحتلها جنوبي سوريا، والأهم تأكيد العملية إن لا خيار جدّي وواقعي سوى العودة إلى اتفاق فكّ الاشتباك الأمني بالعام 1974، حتى مع تحديث وتوسيع ما واستحالة أن يكون جنوبي سوريا منطقة منزوعة السلاح لأسباب سيادية وسياسية وأمنية وواقعية مع ضرورة بل حتمية أن تمارس سوريا الجديدة سيطرتها على كامل أراضيها وفق منطق وقاعدة سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد، كما أكدت العملية مرة أخرى استحالة أن تكون إسرائيل شكلاً ومضموناً لاعباً أو جزءاً من سيرورة نهوض سوريا الجديدة مع نزوعها إلى القوة والتوسع والاحتلال.
إذن، تعرضت قوة إسرائيلية توغلت في بلدة بيت جن بريف دمشق بحجة اعتقال من تتهمهم تل أبيب بحيازة وتخزين السلاح تحضيراً لتنفيذ عمليات ضدها إلى رد فعل عفوي من جيران وأهالي المعتقلين وسكان البلدة بعدما بادروا إلى الدفاع عن أنفسهم ضد القوة الغاشمة التي اجتاحت البلدة الآمنة والوادعة صباح يوم الجمعة ما أدى إلى إصابة ستة ضباط وجنود إسرائيليين ثلاث منهم بحال الخطر ، في حين تصرف الاحتلال على عادته باستخدام قوة نارية كثيفة من المدفعية والمروحيات والمسيّرات في منطقة مدنية تماماً ما أدى إلى استشهاد 13 وإصابة 25 آخرين، وتدمير عدة منازل وبنى تحتية بالبلدة.
كان الاشتباك الأول والقتيل الأول بصفوف جيش الاحتلال بسوريا الجديدة حتمياً وقصة وقت وسؤال متى لا هل؟، كما يقال دوماً بالإعلام العبري في سياق التحذير من أن الممارسات الإسرائيلية التوسعية خارج المنطقة العازلة..
تدرجت الاتهامات الاسرائيلية لبيت جن وأهلها من إيواء مجموعات وميليشيات تابعة لإيران وخلايا تابعة لحركة حماس وأخيراً للجماعة الإسلامية-فرع الإخوان المسلمين- في لبنان في اتهامات مرسلة لا أدلة وأسانيد عليها مع طرد سوريا الجديدة الميليشيات الإيرانية وإعلان حماس عدم وجود جناح مسلح لها منذ خروجها إثر اندلاع الثورة وهو نفس ما ذهبت إليه الجماعة الإسلامية لجهة عدم وجود أي نشاط عسكري لها في سوريا.
مبدئياً سعت تل أبيب إلى تعكير الأجواء والتشويش على احتفالات السوريين بالذكرى السنوية الأولى لعملية ردع العدوان وتحرير سوريا العظيمة وإسقاط سوريا الأسد “الطائفية” المتجانسة، المفيدة لإسرائيل والغزاة وأعداء الشعب السوري وثورته العادلة.
هدفت العملية كذلك إلى مواصلة إضعاف القيادة في سوريا الجديدة وابتزازها للقبول بالشروط بالإسرائيلية التي لا تتضمن التنازل عن الجولان حيث تعرف تل أبيب إنه مستحيل كما التطبيع والسلام بل العودة الى اتفاق 1974 ولكن بشروطها وفرض ببقاء جيش الاحتلال بعدة نقاط خارج المنطقة العازلة وتحديداً الجزء السوري من جبل الشيخ الاستراتيجي وهي المطالب التي ترفضها سوريا الجديدة رفضاً قاطعاً قيادةً وشعباً.
مع فشل وتعثر العملية سياسياً وحتى استراتيجياً رغم النجاح التكتيكي الجزئي لعملية الاعتقال بدا لافتاً جداً الصمت الإسرائيلي الرسمي حتى بعد مرور ثلاثة أيام عليها ، حيث لا موقف معلن ولا حتى اجتماع أمني رفيع المستوى لتقييم الحدث واستخلاص العِبر في حين تحدث الإعلام العبري عن خلفيات وأسباب صمت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأركان ائتلافه المتطرف وعلى غير عادتهم خشية إغضاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يسعى إلى الأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة، كما خشية استفزاز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعدما باتت أنقرة لاعب يملك حضور قوي في مظلة الحماية والدعم لسوريا الجديدة.
تحدث الإعلام العبري في القراءات والتحليلات عن خشية من جبهة جديدة ومقاومة شعبية “نموذج بيت جن” مع تخوف من استنتاج خاطئ وسط صفوف الحكومة لجهة عدم الانسحاب من المنطقة العازلة وجبل الشيخ في حين العكس يجب أن يحدث.
كان الاشتباك الأول والقتيل الأول بصفوف جيش الاحتلال بسوريا الجديدة حتمياً وقصة وقت وسؤال متى لا هل؟، كما يقال دوماً بالإعلام العبري في سياق التحذير من أن الممارسات الإسرائيلية التوسعية خارج المنطقة العازلة ووضع العراقيل أمام ممارسة الدولة السورية ومسؤوليتها وسيطرتها على كامل أراضيها سيخلق حالة مواجهة مباشرة مع المواطنين السوريين الرافضين للاحتلال في سياق دفاعهم الطبيعي والمشروع عن أنفسهم. وبكل الأحوال أكدت اشتباكات الجمعة حقيقة إن القوة العسكرية لن تحل المشكلة وليس لدى إسرائيل ما تفعله هناك أصلاً والدولة السورية وأجهزتها وحدها قادرة على بسط الأمن بالمنطقة.
كما أكدت أن لا حل منطقي وواقعي ومناسب سياسياً وميدانياً سوى العودة إلى اتفاق فكّ الاشتباك الأمني للعام 1974مع تحديث وتوسيع ما، وهو الأمر المطروح على الطاولة منذ شهور بوساطة أميركية، وتماطل إسرائيل كعادتها لانتزاع وفرض وقائع وانتزاع مكاسب جديدة بالجبهة السورية وربما بجبهات أخرى مع مبادرتها إلى تطبيق فعلي لمصطلح وحدة الساحات بعدما تخلى عنه أصحابه أي إيران وميليشياتها وأذرعها الطائفية ونظام بشار الأسد الساقط لم يطلقوا رصاصة واحدة “ولا حتى كلمة ومظاهرة واحدة” من جبهة في أثناء إبادة غزة وتدميرها.
جاء تدخل الوسطاء للجم تل أبيب مرتبطاً مباشرةً بهذا الخيار الصحيح وتأكيداً على صوابيته مع موقف بل مواقف قوية لأميركا-ترمب التي وجهت تحذيراً وحتى توبيخاً صريحاً لنتنياهو بعدم التدخل في الشؤون السورية الداخلية.
في سياق آخر، أكدت العملية إن لا تطبيع ولا اتفاق سلام بين سوريا الجديدة وإسرائيل أقله بالمدى المنظور في ظل تنكر إسرائيل لأبسط قواعده كما استحالة أن تتحول تل أبيب إلى لاعب مؤثر في سيرورة بناء ونهوض سوريا الجديدة.
إلى ما سبق وعلى عكس ما يعتقده بعضهم فقد أثبتت العملية صحة الخيار الدبلوماسي والسياسي الحكيم والمسؤول الذي تتبعته القيادة بسوريا الجديدة حيث يتمثل أمر اليوم وكل يوم بعدم إعطاء إسرائيل الذرائع – مصطلح بات مستخدماً بكثرة من الفصائل الفلسطينية لكن للأسف متأخراً جداً بعد نكبة غزة وتدميرها – والفرصة لاستخدام الحد الأقصى من القوة ضد سوريا الجديدة وتحويل جنوب سوريا إلى شمال غزة والبلاد كلها إلى غزة القديمة “المدمرة” لا الجديدة التي سيعاد بنائها تحت الوصاية الأجنبية الكاملة وفق المصطلحات المتداولة بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب واتفاق وقف اطلاق النار هناك.
جاء تدخل الوسطاء للجم تل أبيب مرتبطاً مباشرةً بهذا الخيار الصحيح وتأكيداً على صوابيته مع موقف بل مواقف قوية لأميركا-ترمب التي وجهت تحذيراً وحتى توبيخاً صريحاً لنتنياهو بعدم التدخل في الشؤون السورية الداخلية وعرقلة سيرورة النهوض والتطور فيها والعودة الجادة للحوار من أجل تحديث اتفاق 1974 الأمني كما رأينا مواقف قوية مماثلة لتركيا والدول العربية والمجتمع والأمم المتحدة في تأكيد جديد لمظلة الحماية والدعم الواسعة والراسخة لسوريا الجديدة و سيرورة النهوض والتعافي والبنّاء وإعادة الإعمار فيها وحقيقة إنها ليست بوارد تهديد أحد لكنها أيضاً لا تقبل أي انتقاص من سيادتها أو التنازل عن حقوقها المشروعة وفق المواثيق والشرائع الدولية .
- تلفزيون سوريا



























