أعظم التجليات وأقوى الشواهد على وحدة المسلمين تلك التي ترتسم وتتشكل في مظاهر الحج إلى بيت الله.
هناك يستحيل على من كان أن يفرق أو يميز بين اتباع المذاهب وجميعهم يؤدون شعائر واحدة وبكيفية موحدة فلا إعفاء لأحد أو إضافة على آخر في المناسك.
هناك يصعب التعرف أو الاستدلال على الغني من الفقير والكل بلباس موحد لا أسبقية أو أفضلية لحاج على حاج في الوصول والدخول والخروج من الأماكن المقدسة فكل بما سعى وأفلح.
هناك تذوب الفوارق ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى أن يتقي الله في عباده أولاً ويخلص له في عبادته تالياً وقد اشترط الخالق لتقبل الحج نقاء سجل العمل من الإساءة والجور على الخلق والنية السليمة الخالصة لوجه الله.
هناك وجهة من يتطلع للجمع بين خير الدنيا ونعيم الآخرة ولا سبيل إلى ذلك إلا بفعل الخير وخير التعامل مع الناس وقد جعل الإسلام من قاعدة "الدين المعاملة" منطلقه إلى نشر مكارم الأخلاق.
هناك تسطع معاني الحياة محاطة بقيم الاحترام لها وارتباطها بالمشيئة الإلهية وسنته فيها حيث يحرم الصيد خلال موعد الحج وهو المحلل طوال العام.
ولا أدل من ذلك على كون الحياة الأولى بالرعاية وما عداها ففي قائمة الإثم وحتى فيما أحل للطعام من المخلوقات فهو المشروط بالإحسان "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" وكذا في تنفيذ حكم الشريعة بالقصاص كان توجيه ديننا أن "نحسن القتلة".
هناك يتبين الخيط الفاصل بين الماضي السلبي والمستقبل الإيجابي الجديد وذلك هو المدى الزمني لمقاصد الحج استغفاراً من ذنوب ارتكبت واستعداداً لإصلاح السلوك في قادم الأيام والأعوام.
ونوع من التفريغ للحج من محتواه ومبتغاه الروحي والإنساني أن تحدث العودة إلى تكرار الممارسات اللا أخلاقية بعد انفضاض الجمع.
هناك يتصور أن جمع المسلمين يلتقي في مؤتمر حاشد لتدارس الأحوال والاهتداء إلى البدائل والمخارج مما يكون قد شاب أوضاع المسلمين من اضطراب ووهن ولحق بالإسلام من هوان.
وبالفعل فقد لحق الهوان بالإسلام ولكنه هذه المرة بأيدي أبنائه أو ممن يدعون اعتناقهم لعقيدته ولم يأخذوا منه قيم النبل وقد اتخذوا من بعض نصوصه مبرراً لسلوكهم المخالف لسماحته وعدالته ومنهم من لم يعن بالدخول إلى جوهره من باب العلم بقدر ما عمد إلى التدخل في فحواه بصورة جائرة وبقصد التجيير لمعانيه وأحكامه لصالح فكرة ذاتية وغاية سادية فظهر التطرف وعم الإرهاب.
ووجد المسلمون أنفسهم بالنتيجة مطالبين أو مجبرين على توظيف كل طاقاتهم في القيام بواجب الدفاع عن حقيقة الإسلام الذي بعث به رسوله الكريم "رحمة للعالمين وإزالة ما لحق به من إساءات وأصابه من تشوهات من داخله.
وذلك ما يحصل في وقت الآمال فيه معلقة بالتحرك نحو استنهاض الهمم واستثمار المقدرات في إخراج الأمة من أوضاع التخلف وإعادة الوحدة إلى صفوفها وجمع كلمتها وتوظيف جل جهدها في سبيل تحقيق نهضتها وتأكيد وجودها الفاعل والقائد أمة تبني وتعمر وتبدع.
ولا مخرج بدون استلهام معاني الوحدة والحياة الماثلة في موسم الحج وقد هدانا إسلامنا إلى سبيل الانطلاق الدنيوي بحضه لنا على العلم والكلمة الأولى في وحي رسالته "إقرأ".
فهناك وهنا وفي كل مكان من وطن الإسلام لابد أن تترجم على أرض الواقع دنيا ودين صوت الحجيج المرتفع بالتلبية "لبيك اللهم لبيك".




















