مرة أخرى، يصرّ الرئيس بوش على أن تركته في المنطقة ترجح فيها كفة الإنجازات؛ ولو تخللتها «خيبات وإحباطات»! كما يصرّ على أن حالها اليوم أفضل مما كانت عليه حين تسلّمها من سلفه كلينتون.
سبق وقال مثل هذا الكلام الغريب، قبل أسابيع. وها هو اليوم يعود إلى العزف على نفس ال«نوتة»؛ التي يصعب أن يجد من يفهمها، خارج إدارته. بل خارج نطاق ضيّق منها. ليس لأنها تجافي الحقيقة وتوقفها على رأسها فحسب، بل أيضاً لأن المعزوفة تأتي في وقت لم يعد فيه شيء مخفي.
كل شيء مكشوف والحصيلة واضحة، لا تخطئها العين. لو أن كلام الرئيس جاء في وقت سابق، قبل نهاية ولايته؛ لأمكن القول، ربما، إنه يتحدث عن نتائج يتطلع إليها ويزمع مواصلة العمل، لتحقيقها. لكن في هذه اللحظة يبدو توصيفه الوردي للأوضاع في المنطقة، في أحسن الأحوال، وكأنه مجرد معاندة؛ ليس إلاّ.
في إطار مقابلاته وخطاباته الوداعية، جدّد الرئيس بوش محاولته لتلميع بصمات رئاسته على المنطقة؛ التي لم يتردّد في تصنيفها ضمن خانة المناطق الواعدة، في العالم. في هذا الخصوص، سرد قائمة مما يعتبره، وفق مقاييس إدارته؛ بمثابة مساهمات قامت بها إدارته، خلال سنواته الثماني الماضية، في البيت الأبيض.
طبعاً، كلها من الساحات المنكوبة، أو الملتهبة؛ ناهيك بالتي ازداد التهابها. مع ذلك فهي إيجابية، لأنها، في نظره؛ حبلى بالخير المقبل؛ من «حرية وديمقراطية واستقلال».. ودولة فلسطينية آتية، سجّل لنفسه أنه كان «أول رئيس أميركي يدعو إلى إقامتها»؛ كما كان وراء أنابوليس، الذي أحرز الجانبان، بموجبه، «تقدماً جوهرياً، أسس لثقة جديدة متبادلة، للمستقبل؛ حتى ولو أنهما لم يتوصلا إلى اتفاق حتى الآن».
هذا غيض من فيض الإطراء، الذي سكبه الرئيس على «إنجازاته»؛ في خطاب الجردة لسياساته الشرق أوسطية؛ الذي ألقاه أول من أمس في المؤتمر السنوي لمركز الشرق الأوسط في مؤسسة بروكنغز للدراسات والأبحاث، في واشنطن. بشّر المنطقة بغلّة وفيرة لاحقة، للبذور والأسس التي زرعتها إدارته. طبعاً وعده مفتوح على الزمن.
الرئيس بوش، في كلامه المكرّر هذا، كمن يحاول حجب الشمس بأصابع اليد. أو كمن يتحدث بأبجدية، لغة وبمعايير، غير معروفة ولا مألوفة؛ في كوكبنا. السعي لتسويق ما لا يمكن تسويقه، ممارسة عبثية. المشهد جلي وعلى أوضح ما يكون بكل تفصيلاته، من العراق إلى فلسطين وانتهاء ببقية الساحات المعروفة. التنكر له بهذا الشكل يكون إما خفّة وإما استخفافاً.




















