الكارثة في قطاع غزة متعددة الأوجه، واختلطت فيها الأسباب والدوافع. لكن الأساس يبقى الاحتلال الإسرائيلي وانعدام فرص السلام، وتعامل قوى الأمر الواقع في القطاع، اي حركة «حماس»، مع هذا الأساس.
وفيما تحاول الفصائل في غزة تقويم الهدنة، مع استمرار اطلاق الصواريخ التي توفر لاسرائيل ذرائع تشديد الحصار والانتقام من السكان، يبدو ان الكارثة باتت منصة لبرامج ومشاريع لا تهتم كثيرا بمعاناة هؤلاء السكان. وانما تسعى الى استغلال هذه المعاناة في حملة تعبئة ضد نظم عربية وتخوينها، تحت شعار التقاعس عن نصرة الشعب الفلسطيني.
ويكاد يبدو ايضا ان استمرار الحصار بات الذريعة المطلوبة من اجل تخوين هذه النظم، الى حد يُتناسى معه الاحتلال ومضاعفات استمراره. كما يُتناسى ان «حماس» هي المسؤولة، بحكم الأمر الواقع، عن ادارة شؤون غزة، بما فيها التعامل مع مسألتي الاحتلال والسلام، وانها تطمح في الوقت نفسه الى اطاحة منظمة التحرير الفسطينية التي انعقد الاجماع العربي على كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتعارض علنا مبادرة السلام التي انعقد الاجماع العربي عليها.
ومن هذا الواقع، تفقد الدعوة للبلدان العربية الى نصرة الشعب الفلسطيني صدقيتها، ما دامت النصرة المطلوبة تختزل معاناة الفلسطينيين بدعم «حماس» وسياستها، رغم التحفظات العربية عن هذه التجربة.
وقد عبر المراقب العام لـ «الاخوان المسلمين» في الاردن همام سعيد بوضوح عن هذا الميل لدى حركات الاسلام السياسي. اذ اعلن، خلال تظاهرة في عمان الجمعة الماضي، ان الهدف «توجيه رسالة الى الحكومات العربية نقول من خلالها عار عليكم ان تحاصر غزة وان تشاركوا في حصارها… لا يجوز لمصر العربية ان تغلق ابوابها عن غزة وان تكون حكومة مصر واليهود ضد ابناء غزة». وفيما سعى سعيد ان ينقذ ظاهريا معنى التظاهرة كان المتظاهرون من اتباعه يعلنون نوع التضامن المطلوب من خلال الإشادة بـ «حماس» وخطها، لتتحول التظاهرة نصرة للحركة، كما عبّر الشعار: «يا حماس استمري تحت الحصار استمري، استمري بالصمود… لا تكترثي بالحصار شعبك من خلفك جبار».
فالمشكلة لم تعد في نظر هؤلاء حصارا اسرائيليا للقطاع وممارسة اسرائيلية في الضفة الغربية، مرتبطين باستحقاقات السلام، وبالدفاع عن خط «حماس» بتصدير هذه المشكلة من الاراضي المحاصرة والمحتلة الى البلدان العربية، بما قد ينطوي عليه ذلك من «تبرئة» سياسية لاسرائيل، والتعبئة في وجه الحكومات العربية.
هذه «الرسالة» الصريحة من «اخوان» الاردن، كانت أطلقت سابقا من «اخوان» مصر، وفي الاطار ذاته. وما تقوم به فروع «الإخوان» هنا وهناك رجع صدى للجماعة الأم في مصر.
وقد تكون هذه الحملة «الاخوانية» على الحكومات العربية ترتبط بانكشاف موقف «حماس» من مسألة المصالحة الفلسطينية، بعدما أفشلت الورقة المصرية ولمحت القاهرة الى مسؤولية الحركة في ذلك. وترتبط ايضا بنتائج الاجتماع الاستثنائي الاخير لوزراء الخارجية العرب الذي اعاد التشديد على مرجعية منظمة التحرير التي تستهدفها «حماس» وعلى الدعم العربي للرئاسة الفلسطينية، ممثلة بالرئيس محمود عباس.
وجاء افتعال قضية الحجاج في قطاع غزة ليوسع دائرة استهداف العرب، خصوصا الدور السعودي الذي يلح على ضرورة المصالحة الفلسطينية وأهمية الاستفادة من المناخات الجديدة في اوروبا واميركا من اجل دفع مبادرة السلام العربية الى امام.
فالقضية ليست الحصار ونصرة الشعب الفلسطيني في مقدار ما هي الدفاع عن سياسة «حماس» ونصرتها. وليس في هذا ما يعيب الحركات الاسلامية، لكن المريب هو تحويل كارثة غزة الى شعار دعائي لخدمة هذا الغرض. اي استثمار الحصار لأغراض سياسية غير مرتبطة بهموم رفع المعاناة عن الفلسطينيين.




















