قد يخرج الناخب الإسرائيلي اليوم من مركز الاقتراع وهو يعتقد أنّه اختار حكومة جديدة، وقد يذهب الأمريكي بعد أيام إلى الصندوق وهو يريد معاقبة رئيسه، لكن السؤال الذي يتجاوز الانتخابات في البلدين هو: هل يستطيع الناخب تغيير السياسة التي قادته إلى الحرب، أم أنه يغيّر الوجوه بينما تُواصل المصالح والمؤسسات والعقائد السياسية رسم حدود الممكن؟ فإسرائيل تدخل انتخابات في ظل الحروب والصدمة الأمنية والانقسام الداخلي، فيما تستعدّ الولايات المتحدة لانتخابات نصفية في ظل ارتفاع كلفة المعيشة، واستمرار المواجهة مع إيران، وتراجع الثقة في إدارة دونالد ترامب. لكن الرهان لا يتعلّق فقط بمن سيكسب الانتخابات، أو يخسرها، بل بما إذا كانت نتائجها ستفتح الطريق أمام مراجعة السياسات التي دفعت المنطقة إلى هذا المنعطف.
في إسرائيل، يجري التصويت للمرة الأولى منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، التي هزّت صورة الأمن الإسرائيلي وأطلقت حروبا امتدّت إلى غزة ولبنان وإيران. في الأثناء، لم يعد الاختبار متعلقا بقدرة الجيش على توجيه الضربات فقط، بل بقدرة القيادة على تفسير ما حدث، وتحمّل المسؤولية، وإقناع المجتمع بأنّ الحروب المتلاحقة قرّبت البلاد من أمن أكثر استقرارا. ويواجه نتنياهو منافسين يتقدّمهم غادي آيزنكوت، وسط انقسام حول الإخفاق الأمني، والتجنيد العسكري، ومستقبل الحكم. لكن المعضلة أنّ مساءلة نتنياهو لا تعني بالضرورة مساءلة العقيدة التي حكمت سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين. فقد تتغير القيادة بينما تبقى القوة العسكرية، وتأجيل التسوية، والتشدّد في قضايا الأمن، تعدّ عناصر حاضرة في حسابات قطاعات واسعة من المشهد السياسي.
هنا تكمن المفارقة في المشهد الإسرائيلي، فالأمن الذي منح نتنياهو رصيدا سياسيا طويلا أصبح نفسه موضع مساءلة. فبعد هجوم 2023، لم يعد كافيا أن تُعلن الحكومة استعادة الردع، أو تحقيق أهداف عسكرية؛ إذ يظل السؤال حول المسؤولية عن الإخفاق قائما، كذلك سؤال مصير الأسرى، وكلفة الحرب، والخدمة العسكرية، ومكانة إسرائيل الدولية. ومع ذلك، لا تضمن هذه الأسئلة انتقالا إلى سياسة مختلفة جذريا. فالمعارضة ليست كتلة متجانسة في المسألة الفلسطينية، وإسقاط الحكومة لا يساوي بالضرورة قبول قيام دولة فلسطينية أو إنهاء سياسات الاحتلال. وتزيد طبيعة النظام البرلماني الأمر تعقيدا. إذ لا ينتخب الإسرائيليون رئيس الحكومة مباشرة، بل يصوّتون للأحزاب، ثم تبدأ مفاوضات تشكيل ائتلاف يحتاج إلى 61 مقعدا من أصل 120. وقد تنتهي الانتخابات إلى برلمان لا يملك فيه أي معسكر أغلبية واضحة، فتعود الأحزاب الصغيرة لتقرّر شكل الحكومة وحدود حركتها. لذلك ينبغي عدم اختزال الاستشراف الإسرائيلي في سؤال: هل يبقى نتنياهو أم يرحل؟ ثمة ثلاثة مسارات مفتوحة: استمرار معسكره في الحكم، أو نجاح خصومه في تشكيل حكومة، أو دخول البلاد في مفاوضات طويلة تعيد إنتاج الانسداد. ولكل مسار دلالته، لكن لا واحد منها يضمن بمفرده مراجعة الاستراتيجية. فإذا بقي نتنياهو، فقد يواجه ضغوطا داخلية وخارجية تفرض تعديلات في أسلوب إدارة الحرب. وإذا غادر، فقد تفتح القيادة الجديدة بابا لمساءلة أوسع، لكنّها ستظل مقيّدة بتوازنات الائتلاف والمؤسسة الأمنية والرأي العام. أما إذا تعذر تشكيل أغلبية، فقد يتحوّل التغيير الانتخابي إلى أزمة حكم إضافية. وفي جميع الحالات، ستبقى المسألة الأهم هي ما إذا كانت الانتخابات ستفتح نقاشا جديّا حول حدود القوة التي تسبّبت في مجازر وحروب لا تنتهي، أم ستقتصر على تغيير المسؤولين عن استخدامها.
في الولايات المتحدة، يتخذ الاختبار شكلا آخر، انتخابات الثالث من نوفمبر لا تختار رئيسا جديدا، لكنّها تحدّد من يسيطر على الكونغرس في العامين الأخيرين من ولاية ترامب، وما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بأغلبيتهم في المجلسين. وقد أظهر استطلاع نُشر في 26 أكتوبر، أن تأييد ترامب بلغ 32%، وأنّ الديمقراطيين يتقدّمون على الجمهوريين بين الناخبين المرجح تصويتهم في سؤال التصويت العام للكونغرس. كما أشار الاستطلاع إلى أن أغلبية واسعة من المشاركين ترى أن تكاليف المعيشة تسير في الاتجاه الخاطئ. هذه مؤشرات على مزاج انتخابي مضطرب، لا نتائج نهائية؛ فالتصويت الوطني لا يتحوّل آليّا إلى مقاعد، ولا تتساوى فرص الحزبين في مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ما يمنح هذه الانتخابات أهميتها، أنّ الحرب لم تعد ملفا خارجيا بعيدا عن الحياة اليومية للأمريكيين. فالأسعار والطاقة والإنفاق العسكري تتداخل مع سؤال أوسع: من يدفع كلفة القرارات التي يتخذها البيت الأبيض؟ وإذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم في أحد المجلسين أو كليهما، فقد يواجه ترامب رقابة أشد، وتحقيقات ومفاوضات أكثر صعوبة حول الميزانية والتشريعات. لكن ذلك لن يعني انتهاء قدرته على التأثير في السياسة الخارجية؛ فالرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة، كما أنّ المؤسسات الأمنية والاستراتيجية والتحالفات لا تتغير بمجرد تبدّل الأغلبية البرلمانية. وقد تكون النتيجة صراعا أشد على حدود السلطة، لا انقلابا فوريّا في توجهات واشنطن.
الرهان لا يتعلّق فقط بمن سيكسب الانتخابات أو يخسرها، بل بما إذا كانت نتائجها ستفتح الطريق أمام مراجعة السياسات التي دفعت المنطقة إلى هذا المنعطف.
وهنا تتقاطع الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية. ففي البلدين، لا يكفي تغيير الأشخاص إذا بقيت الحسابات التي أنتجت الأزمة خارج المساءلة. فقد يعاقب الناخب الإسرائيلي حكومته على الإخفاق الأمني، لكنه لا يقرّر وحده مستقبل الصراع مع الفلسطينيين. وقد يعبّر الناخب الأمريكي عن غضبه من الاقتصاد، أو الحرب، لكنه لا يعيد وحده صياغة العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، أو يوقف كل قرار عسكري. الانتخابات ليست بلا أثر؛ إنّها تعيد توزيع القوة، وتفتح فرصا للمحاسبة، وقد تفرض قيودا على قرارات كانت تبدو مضمونة. لكن تحويل هذه الفرص إلى تغيير فعلي يحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز الاكتفاء بإدارة الأزمة. ثمة عامل آخر لا يقل أهمية، وهو اللغة التي تُقدَّم بها الحرب للجمهور. عندما تُصوَّر التسوية باعتبارها هزيمة، والمراجعة باعتبارها ضعفا، والنقد باعتباره تهديدا للأمن، يصبح بذلك التراجع عن سياسة فاشلة مكلفا حتى عندما تتراكم دلائل فشلها. وقد ظهر هذا المنطق في الخطاب السياسي الأمريكي والإسرائيلي، حيث كثيرا ما تُربط الهيبة باستمرار التصعيد. لكن القوة التي لا تستطيع مراجعة قراراتها تتحوّل إلى قيد على أصحابها؛ إذ يصبح الحفاظ على الصورة أهم من قياس النتائج وإن كانت كارثية، وهذا في تقديري هاجس مشترك بين نتنياهو وترامب. وعندها لا تعود الانتخابات مجرد منافسة على الحكم، بل اختبارا لقدرة المجتمع على مساءلة رواية الحرب نفسها. هل حققت ما وُعد به، أم أنّ استمرارها بات وسيلة لتأجيل الاعتراف بحدودها؟
لن تُحسم دلالة الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية في ليلة إعلان النتائج. ستظهر في تشكيل الحكومة المقبلة في إسرائيل، وفي قدرة الكونغرس على مراقبة البيت الأبيض، وفي القرارات المتعلّقة بالحرب والتسوية والإنفاق والعلاقات الخارجية. وقد تتغير الحكومات من دون أن تتغير الاستراتيجيات، كما قد يفرض تغير محدود في موازين القوى مراجعة لم تكن ممكنة من قبل. فالانتخابات تفتح مسارات، لكنّها لا تختار وحدها نهاياتها. بمعنى أنّها قد تعيد توزيع السلطة من دون أن تمس جذور المأزق. أما إذا تحوّلت النتائج إلى مساءلة حقيقية للقرارات والعقائد المتطرفة التي حكمت المرحلة، فقد يبدأ مؤشر التغيير الذي ربما تكون الصناديق قد وضعت لبناته الأولى.
*كاتب تونسي
- القدس العربي



























