خسر معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أغلبيته، لكنه لم يخسر السلطة بعد. تلك أبرز خلاصة تهمّ السوريين من نتائج الانتخابات الإسرائيلية، التي منحت ائتلافه 53 مقعداً، مقابل 48 لكتلة التغيير، و19 للقائمتين العربيتين. وما بين نتيجة الاقتراع وتشكيل الحكومة المقبلة، قد تمتد مرحلة يحتفظ خلالها نتنياهو بأدوات الضغط العسكري، في حين تبقى فرص الاتفاق مع سوريا معلّقة على مفاوضات الائتلافات.
قبل الانتخابات، وفي مقال رأي بعنوان “ثلاثة سيناريوهات.. كيف يمكن أن تتغير سياسة إسرائيل تجاه سوريا بعد الانتخابات؟”، رجّحنا أن تزداد قابلية إسرائيل لمقايضة انتشارها العسكري بترتيبات أمنية مع سوريا، تبعاً لتركيبة الحكومة وقدرة واشنطن على دفعها نحو تسوية إقليمية. وقد أبقت نتائج الانتخابات المعلنة هذا الاحتمال قائماً، لكنها كشفت أن الطريق إليه قد يكون أطول وأكثر تعقيداً. ويمكن قراءة المرحلة المقبلة عبر ثلاثة سيناريوهات، تتفاوت شروط تحققها وانعكاساتها على سوريا.
يستفيد نتنياهو من موقعه القائم. فحكومة تصريف الأعمال تواجه التزاماً بضبط النفس، لكنها تحتفظ بصلاحيات واسعة في القضايا الأمنية..
السيناريو الأول هو إطالة مرحلة حكومة تصريف الأعمال، مع تعثّر محاولات تشكيل حكومة جديدة، وربما العودة إلى الانتخابات مجدداً بعد انتهاء مهلة الـ 100 يوم المتاحة لتشكيل الحكومة. وهذا الاحتمال يستمد ثقله من الفجوة بين الأغلبية الحسابية المتاحة لخصوم نتنياهو وقدرتهم على العمل معاً. فكتلة التغيير تستطيع، بمساندة القائمتين العربيتين، جمع 67 مقعداً، لكن بعض أطرافها ما يزال يرفض التعاون الذي يتيح تحويل هذه المقاعد إلى حكومة.
وتضم كتلة “التغيير” أحزاب “يشار” بقيادة غادي آيزنكوت، و”معاً” بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، و”الديمقراطيين” بقيادة يائير غولان، و”إسرائيل بيتنا” بقيادة أفيغدور ليبرمان. وقد جمعها هدف إزاحة نتنياهو، لكنها غير متفقة حيال التعاون مع ممثلي الفلسطينيين داخل إسرائيل؛ فغولان يؤيد هذا التعاون، وليبرمان يعارضه، فيما لم يحسم آيزنكوت وبينيت قبولهما بصيغة دعم عربي لحكومتهما. وهو خلاف قد يمنع تحويل الأغلبية الحسابية إلى حكومة أقلية تستند إلى القائمتين العربيتين.
وخلال الانتظار، يستفيد نتنياهو من موقعه القائم. فحكومة تصريف الأعمال تواجه التزاماً بضبط النفس، لكنها تحتفظ بصلاحيات واسعة في القضايا الأمنية، وفق خبراء قانونيين تحدثوا لـ “رويترز” في تحليل بهذا الخصوص. وهذا لا يعني بالضرورة أن نتنياهو سيلجأ إلى التصعيد على الجبهة السورية، فالجبهة المرشحة للتصعيد في هذه الحالة، هي إيران تتلوها جبهة جنوبي لبنان.
بالنسبة إلى سوريا، قد يعني ذلك استمرار التوغلات والضغط الميداني، بالتوازي مع اتصالات لا تصل إلى اتفاق. إذ يصعب على حكومة مؤقتة تسويق انسحابات باعتبارها مكاسب سياسية، في حين يسهل تقديم العمليات العسكرية لجمهور اليمين بوصفها ضرورة أمنية. لذلك يصبح طول الأزمة الحكومية عاملاً سلبياً محتملاً، حتى دون حرب واسعة أو قرار معلن بوقف التفاوض.
السيناريو الثاني هو نجاح غادي آيزنكوت في تشكيل حكومة بديلة، تستند إلى دعم عربي من داخلها أو خارجها. فقد التقى يائير غولان بقائد “القائمة العربية الموحدة”، منصور عباس، بعد الانتخابات. وهو ما يعطي مؤشراً عملياً على احتمال الذهاب بهذا المسار، لكنه لا يعني حسماً لاعتراضات بقية الشركاء داخل كتلة “التغيير” ولا لشروط التعاون بينهم.
إذا تحقق هذا السيناريو، فإن فرص تحريك اتفاق أمني مع سوريا، سترتفع. فآيزنكوت سبق أن وصف سوريا بأنها فرصة، وانتقد عجز حكومة نتنياهو عن تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية، داعياً إلى تسوية إقليمية بالتعاون مع الأمريكيين.
ويبقى أن ارتفاع فرص الاتفاق لا يعني أن تحقيقه سهل المنال. فوضع جبل الشيخ، وحدود الانتشار العسكري السوري، والضمانات الإسرائيلية المطلوبة، ستكون موضوعات لمسار تفاوضي شاق. كما أن الائتلاف المتوقع بقيادة آيزنكوت، في هذه الحالة، سيضم قوى لها مواقف متفاوتة من الحكم في سوريا. وقد يكون التغيير الأهم هنا، انتقال إسرائيل إلى استعداد أكبر لبحث مقابل سياسي وأمني لانتشارها، بدلاً من إبقائه مفتوح الأجل.
أما السيناريو الثالث، فيتمثّل بتشكيل حكومة وحدة تضم الليكود وقوى من المعارضة. وهو احتمال سبق أن ارتبط بتقارير عن مساعٍ أميركية وإقليمية، لكنه يقتضي تنازلات مؤلمة للطرفين: تراجع نتنياهو عن الاعتماد على بعض حلفائه من اليمين المتطرف، وقبول خصومه بمشاركته الحكم خلافاً لوعدهم الانتخابي. وتقدّم مراجعة لوكالة “رويترز” هذا الخيار بوصفه مخرجاً قد تزداد احتماليته بعد استنفاد المحاولات الأخرى.
نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تتيح ترجيح انفراج قريب على صعيد التوتر الميداني الناجم عن التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري.
في هذه الحالة، يمكن أن يدخل الملف السوري ضمن تسوية إقليمية أوسع، تتصل بأولويات واشنطن وعلاقات إسرائيل بدول المنطقة. وقد تمنح قاعدة برلمانية أوسع لحكومة وحدة إسرائيلية، قدرةً أكبر على تمرير اتفاق، مع احتفاظ نتنياهو بخطابه الأمني وتقديم التنازلات باعتبارها تثبيتاً لمكاسب العمليات العسكرية. لكن ذلك يظل مشروطاً بمضمون الاتفاق الائتلافي، ومدى تراجع قدرة القوى الرافضة للتسوية على تعطيله.
وهكذا، نجد أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تتيح ترجيح انفراج قريب على صعيد التوتر الميداني الناجم عن التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري. لكنها في الوقت نفسه، تكشف عن فرصة سياسية لم تتحول بعد إلى سلطة قادرة على اتخاذ القرار. أما من جهة الحكومة في دمشق، فسيكون الرهان الأكثر واقعية هو إدارة مرحلة الانتظار بحذر، ومواصلة حشد الضغط الدبلوماسي لوقف الانتهاكات، من دون تعليق التعافي السوري على اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة، والعمل بدلاً من ذلك على تكثيف الجهود لتوحيد الجبهة الداخلية، واختراق الجمود في قضية عودة السويداء إلى مظلة الدولة السورية عبر تسوية سياسية محلية، بما يتيح تضييق مساحة التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري الداخلي.
- تلفزيون سوريا























