انتخابات الكنيست في دولة الاحتلال الإسرائيلي انتهت إلى الأرقام الأربعة الأهمّ: كتلة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، 53 مقعداً؛ وكتلة «المعارضة» في صفّ الأحزاب الصهيونية، 48؛ والمعارضة للأحزاب العربية، 19؛ ونسبة الإقبال على التصويت بلغت 77.7%، الأعلى منذ انتخابات 1999. في الخلفيات، مع ذلك، ثمة عناصر متعددة، فعلية، جدّية التأثير، تضع هذه الأرقام في سياقات أكثر تعقيداً، وأعلى دلالة.
فإذا كانت كتلة نتنياهو هي الفائزة، طبقاً للمنطق العددي في الرقم الأول، فلماذا يبدو زعيم «ليكود» الأكثر مقاعداً، ورئيس الحكومة الأطول عهداً في تاريخ الكيان، وكأنّ ظهره إلى حبال حلبة المصارعة وليس في موقع الفائز السعيد، حسب توصيف ذكي من المعلق الإسرائيلي بن سيلز؟ التأويل بيّن جلي، إلا عند المتغافلين عن سابق عمد: هذا انتصار مرير بطعم الانتكاس، ليس لأنّ حزبه خسر 5 مقاعد، وائتلافه 11 مقعداً، فحسب؛ بل كذلك لأنّ رقم الفوز لا يؤهل لإعادة إنتاج الائتلاف الحاكم الراهن، أو دون هذه الغاية خرط قتاد كثير.
الرقم الثاني رجراج زئبقي حافل بالمطبات والعوائق، وبمقدار غير ضئيل من التناحرات، لسبب جوهري أوّل هو أنّ عداء نتنياهو الذي يوحد أحزابه ليس كافياً، بل هو أقرب إلى خدمة الحدود الدنيا، حيال إسقاط رئيس الحكومة عن عرش مقيم مستدام منذ 19 عاماً، ومرشح لولاية سابعة أيضاً. وإذْ يوافق يائير غولان زعيم حزب «الديمقراطيين» على التحالف مع الأحزاب العربية، ويرفض هذا الاحتمال زعماء سائر الأحزاب ضمن الكتلة مع معرفتهم بأنّ النواب العرب في الكنيست هم في موقع «صنّاع الملك»؛ فإنّ مسعى تشكيل حكومة بديلة عن ائتلاف نتنياهو لن يغادر نطاق أضغاث الأحلام.
الرقم الثالث قياسي بالطبع، وإذا كان أثمر عن عدد غير مسبوق من النواب العرب الفلسطينيين في الكنيست، ووضع كتلة الـ19 نائباً في معادلة لا مفرّ من احتسابها في معترك تشكيل حكومة معارضة، أو كتلة معطِّلة ذات جدوى داخل الكنيست؛ فإنّ أولى خلفياتها، وأبرزها دلالة ربما، هي يقظة الناخب العربي (الأقرب إلى صحوة من نوع ما) على مستقبل الوجود الفلسطيني في قادم سنوات، أو عقود، دولة احتلال واستيطان وعنصرية، سائرة حثيثاً نحو أشدّ تقاليد الأبارتيد بشاعة وهمجية وفاشية.
يبقى رقم رابع يشير أساساً، بين مؤشرات كثيرة متراكبة ومتداخلة، إلى أنّ قلقاً عميق الغور، وجودياً وكيانياً ومصيرياً، بات يحكم علاقة الإسرائيلي بصندوق الاقتراع؛ ضمن ثلاثة مستويات على الأقل: إلى أين تتجه هذه «الدولة»، لجهة أكذوبة كبرى أوهمت سواد الإسرائيليين بأنهم نظام ديمقراطية وللقانون سيادة عليا فيه؛ ولماذا يقترن القلق بشخص هذا الرجل تحديداً، الذي يواصل المثول أمام القضاء بتهم قبول الرشاوى والاحتيال وخيانة الأمانة، وأفلح مراراً في الإفلات من المسؤولية عن 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023؛ وماذا تبقى من «الدلال» الذي تمتعت به دولة الاحتلال في أنظار محبيها ومناصريها ومسانديها، هنا وهناك في الغرب؟
وإذْ قضى نتنياهو ليل إعلان النتائج في ذمّ الأحزاب العربية التي «سرقت» الانتخابات، وفي الإصرار على مزاعم التزوير والتدخل الخارجي (رغم أنه الفائز، على الورق!)؛ فلأنه يهدف إلى تعطيل انعقاد هذا الكنيست، أو إلغاء الانتخابات، أو إعادتها خلال فترة وجيزة. وهو، في ذلك، لا يراهن على احتمال آخر قدر مراهنته على مجتمع إسرائيلي يغرق حثيثاً في العنصرية والعنف ضدّ الآخر الفلسطيني، والقلق الوجودي من الحاضر والمستقبل.
وبذلك فإنّ ما يخفى طيّ الأرقام الأربعة قد يكون أدهى عاقبة وأعظم مآلاً، بالتوازي والتقاسم بين اعتبارات سلف ذكرها في هذه السطور، وأخرى كامنة عميقاً أو تتكون على السطح أيضاً؛ والأمر سيان، ما دامت تتنامى وتتفاقم… على وتيرة الغليان!























