دمشق – “القدس العربي”: تكشف “القدس العربي” في هذا التحقيق خريطة القوى العسكرية التي تسيطر على مدينة السويداء السورية. وحسب ناشطين مطلعين على أوضاع المحافظة التي لا تزال خارج سيطرة الدولة، فإن فصيلين يتقاسمان النفوذ، هما “الحرس الوطني” وحركة “رجال الكرامة”، وسط دعم إسرائيلي يؤمن رواتب، تتراوح بين 200 و800 دولار.
“بيرق الحدود”
وأعلنت قيادة “بيرق الحدود” في بيان إنهاء العمل الفصائلي للانتقال الفوري نحو العمل المؤسساتي المنظم القائم على وحدة القرار والمساءلة، والانتقال نحو عمل عسكري منضبط ضمن “الحرس الوطني”، يجمع بين الضباط الأكاديميين والخبرات وحكمة القيادات المجتمعية تحت قرار سياسي مسؤول، لإنهاء تشتت السلاح والمبادرات الفردية.
أعلنت قيادة “بيرق الحدود” في بيان إنهاء العمل الفصائلي للانتقال الفوري نحو العمل المؤسساتي المنظم القائم على وحدة القرار والمساءلة
وتحدث الفصيل، في بيانه الذي نشرته صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، عن التوجه الكامل نحو العمل السياسي والمدني والاجتماعي والإعلامي لخدمة الجبل والجنوب بالحوار والتعاون، مشددا على احترام الرموز الدينية ممثلة بشيخي العقل حكمت الهجري (في سوريا) وموفق طريف (في الأرضي المحتلة)، ومؤكدا الالتزام “ودعم حلفائنا في الجنوب (إسرائيل) لمواجهة الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله”.
وفي تصريح خاص لـ “القدس العربي” قال الكاتب والصحافي ماجد الخطيب إن هذا الإعلان ليس الأول من نوعه لأن “الحرس الوطني” بحد ذاته تشكل من عشرات المجموعات المسلحة التي تدار من قبل قادتها مع انتماء شكلي الى “الحرس الوطني” وتحت عباءة الشيخ حكمت.
وأوضح الخطيب، وهو أحد أبناء السويداء، أن الأسباب كثيرة ومنها الرغبة في تقوية الموقع الأمني للمجموعة من خلال التموضع تحت مظلة “المكتب الأمني” المتحكم بالمحافظة، وخصوصا بعد ارتفاع معدلات الفوضى، أو بهدف الحصول على امتيازات مالية في حال توفرت من الداعم الاسرائيلي أو من أموال المغتربين، أو الانضواء في “اقتصاد الظل” بإدارة “المكتب الأمني” لتجارة الاسلحة والمخدرات العابرة للحدود والمحروقات والبسطات المنتشرة بشكل عشوائي في المدينة.
وبين أن خلافا بين شخصين على بسطة أدى قبل أيام الى قتال في شوارع مدينة السويداء بالأسلحة الثقيلة بين مجموعات مسلحة، ما يؤكد صلة البسطات وخاصة المحروقات، بالفصائل وتوزيع النفوذ بينها، وأن أي انضواء لأي مجموعة صغيرة تحت “الحرس الوطني” هي لأجل حماية أو تغطية أمنية أو مكاسب اقتصادية، وليس بهدف مقاربة أي حل لملف السويداء باعتبار أن هذه المجموعات الخارجة عن القانون، تعد جوهر المشكلة ولا يمكن أن تكون جزءا من الحل في المحافظة.
تنافس
وبين الخطيب أن الفصائل والجماعات المسلحة في السويداء تتموضع ضمن خريطة يسيطر عليها فصيلان كبيران على قدر من التنافس يظهر بين فينة وأخرى.
ووفق المصدر أول هذين الفيصلين هو “الحرس الوطني” الذي يقوده اسميا العميد كفاح نعيم، وتم تعيينه مؤخرا بعد عزل جهاد الغوطاني بعد تهريب محتجزين لدى المكتب الأمني في السويداء، وهؤلاء من ضباط جيش النظام المخلوع ويقودهم عمليا “المكتب الأمني” بإدارة سلمان الهجري، ويتلقى تمويله من إسرائيل، كما ارتبط تمويله بفضائح تتعلق بسرقة مخصصات عناصر يعملون في القرى البعيدة عن محاور التماس بحجة دعم العناصر الموجودة على محاور القتال.
وتابع الخطيب: يتألف “الحرس الوطني” من نواة صلبة، تضم قادة المجموعات المسلحة الذين يشكلون معظمهم “المكتب الأمني”، إلى جانب حلقة من المستفيدين تعدادها عدة آلاف، ويؤيدهم شباب مضللون تحت شعارات حماية الأرض والعرض وقسم كبير منهم تحت السن القانونية وهؤلاء عادة ما يتم زجهم اثناء الاشتباكات او عمليات التهريب، مستغلين حماسهم وقلة خبرتهم، وسقط الكثير منهم قتلى وجرحى.
وبين الخطيب أن الفصيل الثاني هو “حركة رجال الكرامة” التي يقودها مزيد خداج، ويحاول أن يظهر رأيا مختلفا عن رؤية الهجري، لكن مواقفه تبقى مرتبطة بخلفية الحركة وانتقالها بدرجة 180 درجة بعد عام 2015 من قيادة الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس، الوطني الذي استشهد، إلى يحيى الحجار الذي كان يعد مقربا من الفروع الأمنية للنظام السابق، ومن ثم الى مزيد خداج الذي كانت له علاقة ما بتهريب راجي فلحوط المهرب وصانع المخدرات واختفاء معمل تصنيع الكبتاغون وغيره.
الفصائل استلمت أسلحة من إسرائيل، هي في غالبيتها من تلك التي قامت سلطات الاحتلال بمصادرتها من حركة المقاومة الفلسطينية “حماس”
وإضافة إلى الفصيلين السابقين هناك فصيل “لواء الجبل” الذي يقوده شكيب عزام، وكان له وزن قبل أحداث تموز/ يوليو 2025، ونادرا ما بات يظهر حاليا حيث يتعرض للتهميش والعزل القسري كالعديد من الشخصيات الأخرى، تبعا للمصدر.
بدوره، أكد السياسي والحقوقي علاء أبو العز لـ “القدس العربي” أن أكبر الفصائل الناشطة في المحافظة هما “حركة رجال الكرامة”، و”الحرس الوطني” التي أعلن عنها رسميا بعد أحداث تموز/ يوليو العام الماضي، لكن العمل على تأسيسها كان بعد سقوط النظام البائد، بحدود 60 يوما، مشيرا إلى أن الإعلان عن الاندماج بـ “الحرس الوطني” بعد أحداث تموز/ يوليو، كان شكليا ونتيجة الصدمة وكردة فعل على ما ارتكب بحق المدنيين، لكن الفصائل لم تندمج بشكل فعلي وظلت تحافظ على كياناتها وإن كانت تظهر أنها باتت ضمن كيان واحد.
وذكر أبو العز أن ما يؤكد عدم تحقيق دمج هذه المجموعات، هو ما نراه بين الحين والآخر، من اشتباكات مسلحة بين الفصائل في نزاعات على الموارد أو اختلاف على المكتسبات أو خلافات تعود لعمليات التهريب وغيرها.
وأكد أن هذه الفصائل استلمت أسلحة من إسرائيل، هي في غالبيتها من تلك التي قامت سلطات الاحتلال بمصادرتها من حركة المقاومة الفلسطينية “حماس”، ونقلتها عبر الحوامات، مقدرا عدد العناصر المنضوية تحت “الحرس الوطني” بنحو ثلاثة آلاف في بدايات التأسيس، ولاحقا تم الإعلان عن مسعى لرفع الرقم إلى ثمانية آلاف عنصر، لكن هذا الرقم لم يتحقق حتى الآن.
وأوضح أن مكان نشاط ميليشيات الحرس الوطني هي في مدن شهبا والسويداء والريف الشرقي للمحافظة، بينما تتمتع “حركة رجال الكرامة” بنفوذ أوسع في الريف الجنوبي للمحافظة، وإن كانت الأخيرة هي من أقدم الفصائل العسكرية التي ظهرت منذ عام 2013 أيام النظام السابق، وكانت الأكبر عددا، لكن الوضع اختلف اليوم، حيث نجح “الحرس الوطني” بسحب القواعد، أي الأفراد، من الحركة التي باتت تعاني نزيفا متواصلا باتجاه “الحرس” ولم تعد بحجمها السابق طبعا.
عناصر حركة “رجال الكرامة” لا يتلقون رواتب، كما هو حال عناصر “الحرس الوطني” الذين تتراوح رواتبهم الشهرية بين 150- 200 دولار أمريكي
وبين أن عناصر حركة “رجال الكرامة” لا يتلقون رواتب، كما هو حال عناصر “الحرس الوطني” الذين تتراوح رواتبهم الشهرية بين 150- 200 دولار أمريكي، وتصل رواتب ضباطهم إلى 500 دولار، أما عناصر المكتب الأمني فيتقاضون رواتب تصل إلى 800 دولار.
وأكد أن معظم الفصائل والمجموعات المسلحة تابعة لحكمت الهجري، الذي يدير الأمور من مضافته في بلدة قنوات شمال شرق مدينة السويداء، على خلاف أبرز شيخي العقل الآخرين في المحافظة اللذين لا يتبع لهما أي فصيل عسكري كما هو حال الشيخ حمود الحناوي المعتكف في مقر مضافته في قرية سهوة البلاطة، في ريف المحافظة الجنوبي، أو الشيخ يوسف جربوع ومضافته في مقام عين الزمان وسط مدينة السويداء.
وبين أبو العز أنه ورغم هذه السيطرة شبه المطلقة للهجري على الفصائل المسلحة، لكنه يدعي عدم قدرته على تمرير بعض الأمور، عندما يرغب في نقض اتفاقيات أو تفاهمات تم التوصل إليها معه، بحجة أنها عصابات منفلتة.
وقلبت المواجهات الدامية التي شهدتها محافظة السويداء في تموز/ يوليو العام الماضي وراح ضحيتها المئات من المدنيين، المزاج العام في المحافظة، وقال الخطيب لـ”القدس العربي” إن أهالي السويداء، قبل أحداث تموز/ تموز، كانوا يتجهون نحو التخلص من سيطرة الفصائل ذات الخلفية الدينية في معظمها، وكانت النخب تنادي بتفعيل مؤسسات الدولة مع تبلور لتيار وطني عمل على تغيير تحكم رجال الدين بمصير المحافظة، لكن هذا التيار تعرض منذ سقوط النظام البائد، لحملة تخوين، وترافق ذلك مع إهمال من الحكومة الناشئة في دمشق لهذا التيار بالرغم من وزنه في السويداء، وهو ما أسهم بتغول الهجري وأتباعه على السويداء، وساعدهم استيلاؤهم على معسكرات الجيش السابق والمساعدات الخارجية وغيرها لتشكيل مجلس عسكري وقوة وصل تعدادها إلى 10 آلاف عنصر، قبل أحداث تموز/ يوليو بإشراف الهجري وقيادة طارق الشوفي الذي تم عزله لاحقا بسبب خلافات على أموال المساعدات.
نسبة قليلة من سكان السويداء غدت تؤيد الهجري، وتقتصر على النواة الصلبة وحلقة المستفيدين ومئات من المضللين
وأكد الخطيب أن سلوكيات “الحرس الوطني” و”المكتب الأمني” وسرقتهما لمقدرات المحافظة، وتآمرهما على الطلاب، وافتعال اشتباكات لأجل غايات شخصية، واغلاق طريق دمشق لتنشيط عمل بسطات تجارة المحروقات، واغتيالهما للوطنيين وطردهم من المحافظة، واذلال من يعارضهما، كشف حقيقة أن هذه المجموعات هدفها بقاء الحال كما هو من فوضى وجرائم وسرقات وغيرها، وآخر همها حل مشكلة السويداء.
وتابع: اليوم نسبة قليلة من سكان السويداء غدت تؤيد الهجري، وتقتصر على النواة الصلبة وحلقة المستفيدين ومئات من المضللين، ولربما هذا التحول في موقف المواطنين وسحبهم تأييد هذه المجموعات، يفسر انضمام مجموعات صغيرة إلى هذه الحلقة، وربما سنشهد انضمام مجموعات اخرى في الأيام المقبلة.
خارج المعادلة
واستبعد السياسي والحقوقي علاء أبو العز في تصريحه لـ “القدس العربي” أي دور بارز لهذه الفصائل في مستقبل المحافظة، وقال إن ما يسود محافظة السويداء هو ولاءات شخصية وعائلية، ما يعقد آليات دمجها ضمن كيان متجانس واحد، مع استمرار نزاعات داخلية، تلوح بوادرها على التوجه العام، فالهجري الذي اختطف قرار المحافظة ويدفع بها باتجاه مشروعه التلمودي العقائدي تحت مسمى دولة “باشان”، غالبية أهالي السويداء باتوا ضده وضد هذا المشروع.
ونفى أن تكون قد حصلت أي مفاوضات سابقا على حل هذه الميليشيات أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة، وقال إنه لم يتم إلى الآن أي توجه حقيقي وجدي وملموس فيما يتعلق بمستقبل هذه الميليشيات بما فيها “الحرس الوطني”، كما حاول البعض تسويقه في أسلوب للتعامل يشابه ما حصل مع “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”.
- القدس العربي
























