-
-
تبدأ كثير من التحولات السياسية من عبارة لا تبدو في ظاهرها أكثر من موقف عابر. غير أنّ تحليل الخطاب يُعلّمنا أنّ الجملة قد تكون نقطة انكشاف لبنية كاملة، تماماً كما يُشير ميشيل فوكو حين يعتبر أنّ ما يبدو تفصيلاً لغوياً يُمكن أن يفتح مدخلاً إلى نظام من الممارسات والدلالات.
من هنا يكتسب أحد التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك أهمية خاصة، عندما قال في منتدى الدوحة، مطلع كانون الأول (ديسمبر) الجاري، إن على سوريا ولبنان أن يقتربا لأنهما حسب عبارته «حضارتان قديمتان وجميلتان». لا تحمل هذه التصريحات إشارات مباشرة عما تُحضِّره واشنطن لسوريا، لكنها تكشف اتجاهات أوسع في الطريقة التي يُعاد بها تعريف دور سوريا في الإقليم.
لا بد أن تُقرَأ اللغة التي يتحدث بها باراك عن شكل العلاقة بين دمشق وبيروت كمدخل لفهم دور خارجي يجري تشكيله بهدوء، وهذا ما يضع مصطلح «المندوب السامي» في دائرة النقاش مجدداً، ولكن بصيغة معاصرة وليس بصيغته الكلاسيكية.
المندوب السامي في صورته الجديدة
كان المندوب السامي أيام الانتداب، سواء في سوريا أو في غيرها، يُمارس سلطة مباشرة تُعرِّف إطار القرار السياسي وحدوده، أمّا النسخة ما بعد الحداثوية من هذا الدور اليوم فقد باتت تقوم على إعادة تنظيم البيئة التي تتحرك فيها الدولة، وعلى تحديد الشروط التي يُقاس من خلالها حضورها في الإقليم.
من هذه الزاوية تبدو تصريحات باراك محاولة لرسم الخطوط الأولى لوظيفة سياسية واقتصادية يُراد لسوريا أن تشغلها في السنوات المقبلة، وظيفة تستند إلى الاستقرار بوصفه أداة لإدارة المجال الإقليمي وليس مجرد هدف داخلي.
كان المندوب السامي يُمثل سلطة مباشرة تُحدِّدُ شكل الدولة وموقعها وحدودها، وكانت أدواته تتمثل في القوة العسكرية والمراسيم وضبط المجال العام. أمّا ما نواجهه اليوم في سوريا فهو مختلفٌ جذرياً، فالمندوب السامي الجديد، وإن كان لا يحمل القدرة نفسها على الحكم المباشر، إلا أنه يمتلك القدرة على إعادة صياغة البيئة التي تعمل السلطة ضمنها، إذ أنه يخلق الشروط التي تجعل السلطة الانتقالية ترى القرار الذي يريده «مَخرجاً ضرورياً». هكذا يُصبح النفوذ ممارسة غير مرئية تقريباً؛ ولا يظهر في صورة استعمار بل يتجلى في شكل «تنسيق»، أو «إدارة ملفات».
لقد قدّم علم السياسة في العقود الأخيرة تصورات جديدة لدور الدولة في المراحل الانتقالية، كان أبرزها ما يُعرف بـ«الدولة الشبكيّة»، وهي الدولة التي تُقاس فعاليتها بقدرتها على تنظيم تدفق العلاقات عبر حدودها أكثر من قدرتها على فرض سلطتها داخل تلك الحدود. ويُساعد هذا التصوّر على فهم التوجه الأميركي نحو سوريا؛ فبدلاً من السعي لبناء نموذج سيادي مُكتمل، يجري التركيز على جعل الدولة قادرة على إدارة نقاط الاتصال مع جوارها، لأن تلك النقاط تُشكل المدخل العملي للاستقرار.
كذلك تكشف أدبيات «الدولة الوظيفية» عن جانب مهم آخر، وهو أن بعض الدول خلال مراحل ما بعد النزاعات تتشكل وفق احتياجات الجوار أكثر مما تتشكل وفق حاجات الداخل. ويظهر هذا بوضوح في الطريقة التي يجري بها تداول الملف السوري من قبل واشنطن، إذ تُقرأ دمشق الجديدة ضمن لوحة إقليمية لا تكتمل معالمها دون انتظام مؤسَّسي يسمح بدمج سوريا داخل مشاريعَ أوسع من قدرتها الذاتية الحالية.
إعادة ترسيم الوظيفة السورية
يتقدّم هذا النقاش أكثر حين تُقرأ تصريحات باراك في سياق التحوّل الجاري داخل المقاربة الأميركية للمنطقة. فالإشارات التي كان يُكررها حول الاستقرار، وربط ذلك بقدرة سوريا على تنظيم علاقتها مع لبنان، تعكس تصوراً يتجاوز إدارة الملف كمسألة نزاع أو تقاطع مصالح.
تبدو واشنطن هنا وكأنها تبحث عن صياغة جديدة لدور الدولة السورية في المجال الإقليمي، صياغة تُبنى على فكرة «الوظيفة» لا على فكرة «النفوذ». وهذا النوع من التفكير ينسجم مع مرحلة انتقالية تحتاج فيها السلطة الناشئة إلى إطار واضح تتحرك ضمنه، الأمر الذي يجعل استقرارها شرطاً لتثبيت هذا الإطار قبل أن يكون استجابة لضغط سياسي.
يظهر كلام باراك كتوجيه مبكر لشكل التسوية الممكنة في المنطقة، تسوية يُقاس فيها موقع الدولة بمدى قدرتها على الاندماج في شبكة مصالح مترابطة وإدارة حدودها بوصفها جزءاً من نظام إقليمي يعتمد على التدفق الاقتصادي وضبط الحركة بين العواصم. ومن خلال هذه المقاربة، يُصبح الحديث عن العلاقة بين دمشق وبيروت جزءاً من تصور أشمل يتعلق بموقع الدولتين داخل بنية جغرافية–اقتصادية واحدة يجري إعادة تحديد وظائفها تدريجياً.
كما يُفهم هذا الاتجاه بصورة أوضح حين تُقرأ تصريحات باراك كمحاولة لتحديد الإطار الذي ستتحرك ضمنه السلطة الانتقالية السورية، فالإشارة المتكرّرة إلى الاستقرار، وربطُه بقدرة الدولة على إدارة مواردها ومساراتها الحدودية، تضعنا أمام شكل من «الهندسة الوظيفية» التي لا تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات بالمعنى الإجرائي، وإنما إلى تثبيت موقع الدولة داخل منظومة إقليمية تتعامل مع سوريا باعتبارها نقطة عبور أساسية بين اقتصادين ومجالين سياسيَين يتداخلان أكثر مما يتجاوران. وفي هذا المعنى، يُمكن أن يتحول الاستقرار من مفردة سياسية عامة إلى معيار تُقاس من خلاله أهلية الدولة للانخراط في شبكة المصالح التي يجري تكوينها حولها.
إذاً فإن المسألة بالنسبة للمندوب السامي بعد الحداثوي لم تعد مرتبطة بقدرة السلطة الانتقالية السورية على احتواء التوترات الداخلية فحسب، بل بقدرتها على توفير بيئة قابلة للتوقع تسمح ببناء علاقات اقتصادية–أمنية مُتماسكة مع محيطها، وهذا ما يُفسّر تركيز باراك على العلاقة بين دمشق وبيروت؛ باعتبارها اختباراً أولياً لمدى قدرة السلطة على العمل ضمن منطق إقليمي يتطلب انتظاماً مستمراً لا يتأثر بتبدل اللحظة السياسية.
تُعيدُ الأدبيات الحديثة حول الحكم غير المباشر تعريف تأثير القوى الخارجية داخل الدول، ليس من خلال القرارات وإنما من خلال تهيئة شروط الفعل. يصف نيكولاس روز هذا النمط بـ«الحكم عن بُعد»، حيث تُمارَس السلطة عبر رسم بيئات عمل تحدد ما تستطيع الدولة القيام به وما يتعذّرُ عليها تجاوزه.
وصاية بلا أدوات قسرية
يتخذ مصطلح «المندوب السامي» في الذاكرة السياسية معنى يرتبط بالسلطة المباشرة التي كانت تمارسها الدول المنتدِبة على البلدان الخاضعة لنفوذها، لكن النسخة الجديدة لا تتحرك من موقع الهيمنة الصريحة، بل تعمل من خلال رسم حدود الوظيفة التي يُفترض بالدولة أن تشغلها داخل إقليم تتحرك موازناته وفق إيقاع مُتغير. ويُمكن قراءة الحضور المتزايد لتوم باراك كإحدى تمثيلات هذا التحول، فالرجل لا يُقدّم نفسه بوصفه مهندساً سياسياً يُعيد ترتيب مراكز القوة، ولا بوصفه وسيطاً يقتصر دوره على تقريب المواقف. ما يطرحه، عبر لغته الاقتصادية–الأمنية، هو تصور لدور تُعاد صياغته في قلب شبكة إقليمية تبحث عن نقاط استقرار قابلة للضبط.
لا تضع تصريحات توم باراك السلطة الانتقالية في سوريا أمام قائمة مطالب، بل أمام صورة لما ينبغي أن تكونه كي تستطيع الانخراط في البنية التي تُعاد هندستها حولها. بهذا المعنى، يظهر المندوب السامي الجديد كشخص يصوغ قواعد اللعبة من خارجها.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، قد لا تعمل القوى الكبرى على إعادة بناء الدول بقدر ما تعمل على تنظيم تدفق المصالح، وتتناسب شخصية باراك مع هذا الدور، فهو يتحرك بين المال والأمن والدبلوماسية في آن واحد.
الدولة كعقدة إقليمية
تتقدم الرؤية الأميركية للمنطقة اليوم من منظور يتجاوز إدارة النزاعات أو موازنة الخصوم، فما يهمُّ واشنطن، وفق الإشارات التي تتكثف حول الملفين السوري واللبناني، هو ضمان انتظام مسارٍ إقليمي قادر على استيعاب الاستثمارات الجديدة وضبط حركة الطاقة وحماية خطوط العبور. لذلك تُبنى المقاربة الأميركية على تصور للدولة لا يستند إلى مركزيتها التاريخية، ولكن إلى قدرتها على تثبيت بيئة إدارية تسمح للشبكات الاقتصادية والأمنية بالعمل من دون مفاجآت.
كما تكشف هذه الرؤية عن طبقة أعمق من التحوُّل، إذ باتت الدولة تُقاس بقدرتها على الاندماج في النظام الإقليمي الذي تُعاد صياغته من حولها، وليس بقدرتها على إدارة المجال العام داخل حدودها الضيقة. ومن هذا المنظور تتحول العواصم إلى عقد داخل شبكة واسعة، ويُطلب من السلطات الناشئة أن تُؤَمِن الحد الأدنى من الاستقرار الإداري كي تستطيع تلك الشبكة متابعة عملها. ولهذا السبب تتخذ ملاحظة باراك حول «استقرار السلطة» مكاناً يتجاوز التحليل السياسي الظرفي، لتصبح جزءاً من تصور يريد ربط جدوى أي مشروع اقتصادي أو حدودي بقابلية الدولة للتماهي مع إيقاع الإقليم.
تطرح آيوا أونغ مفهوم «السيادة المُجزّأة» لتفسير كيفية إعادة توزيع السلطة داخل الدول في ظل الاقتصاد العابر للحدود، فالدولة لم تعد وحدة مستقلة ذات سيادة مكتملة، وإنما مساحة تتوزع فيها السلطات بين فاعلين محليين وإقليميين وعالميين. وهو إطار يُساعد على قراءة موقع سوريا داخل الهندسة الإقليمية الحالية، حيث تتحدد قيمتها بقدرتها على ضمان انتظام الممرات، وليس بقدرتها على احتكار السيادة.
هندسة الممرات
الاقتصادُ السياسي مفتاحٌ مهمٌ لفهم التصور الأميركي، فالمشاريع الكبرى في شرق المتوسط، من خطوط الغاز إلى مسارات الربط البري، تحتاج إلى منطقة مُستقرة، ويمكن لهذه المشاريع أن تتعثر إذا لم تتوفر بيئة إدارية وسياسية وأمنية قادرة على استيعاب الاستثمارات. كما أن الأدبيات الحديثة حول «الجيواقتصاد كأداة حكم» تُشير إلى أنّ القوة في النظام الدولي باتت تُمارَس عبر الاقتصاد أكثر مما تُمارَس عبر الجيوش، وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة اهتمام واشنطن بسوريا من زاوية موقعها داخل مشاريع الطاقة والربط الإقليمي، حيث تتحول الدولة من لاعب سياسي إلى مكوّن داخل منظومة عبور تتحدد قيمتها بالاستقرار الإداري.
وفي هذا السياق، تظهر تصريحات باراك بوصفها جزءاً من رؤية ترى في سوريا موقعاً حاسماً داخل شبكة اقتصادية تمتد من العراق إلى المتوسط، لذا فإن الاستقرار الذي يُشير إليه باراك لا يُقرَأ كهدف سياسي مجرد، ولكنه يأتي كشرط ضروري لإطلاق مشاريع تحتاج إلى ضمانات واضحة بشأن استمرارية المؤسسات ونمط إدارتها.
تُشير نظريات الاقتصاد السياسي إلى أن الدول التي تعيش انتقالاً سياسياً طويل الأمد تحتاج إلى طاقة استثمارية تؤسس لحياة اقتصادية جديدة، وتنتشلُها من دائرة الاعتماد على المساعدات. وهذا البُعد يظهر بوضوح في كلام باراك، إذ يربط بين انتظام السلطة السورية الانتقالية وبين قدرة الإقليم على تطوير مشاريع تعتمد على التعاقدات طويلة الأمد.
تؤسس هذه المقاربة لفكرة «الهندسة الشبكية للسلطة» بوصفها شرطاً يسبقُ مناقشة الملفات الكبرى، وهنا يظهر سبب الاهتمام الأميركي بسوريا ولبنان معاً؛ فالعلاقة بينهما لم تعد تُقاس بخطاب الجوار، وإنما بالموقع الذي يشغلانه على ممرات تُحدَّد قيمتها من خارج حدود البلدين.
تبدو العلاقة بين دمشق وبيروت مساحة اختبار مُبكِّرة للوظيفة التي يُعاد بناء سوريا على أساسها، فالإشارات التي يحملها خطاب باراك لا تقف عند حدود الترتيب بين بلدين تجمعهما حدود معقدة وتشابكات اجتماعية وسياسية. تكشف هذه اللغة أننا أمام محاولة لبلورة نموذج يُستخدَم لقياس قابلية السلطة الانتقالية السورية للانخراط في مشروع إقليمي يتطلب تنسيقاً دقيقاً في إدارة الحدود وإيقاع الاقتصاد وحركة الطاقة، وتبدو هذه الصيغة امتداداً لتصور يعتبر أن استقرار الممرات الإقليمية لا يتحقق عبر التفاهمات الظرفية، وإنما عبر بناء آليات مستمرة تضمن انتظام الحركة بين الدول المرتبطة جغرافياً ومصالحها الاقتصادية.
-


























