ملخص
حتى الآن يتداول السوريون باستغراب تصريحات أدلى بها وزير الثقافة السوري قبل أيام عقب لقائه نظيره الأفغاني حين أمعن غزلاً بتجربة الأفغان التي وصفها بـ”الناجحة” من خلال إعادة بناء أفغانستان بعد الخراب، وأشار المسؤول السوري إلى أن تجربة أفغانستان “مثالية، وقابلة للاستلهام والتطبيق في سوريا”، خصوصاً، والكلام للوزير نفسه، أن “تقارب الرؤى بين البلدين عامل مهم جداً”.
لم يكن مقتل الجنديين الأميركيين رفقة المترجم أواسط ديسمبر (كانون الأول) 2025 في مدينة تدمر وسط سوريا حدثاً عابراً في الملف السوري، أو مجرد خطأ آني يمكن تجاوزه والمرور فوقه عبر بيان مقتضب يمتص الحادثة بفداحتها بخاصة أن منفذ الهجوم كان عنصراً في الأمن العام السوري ويرتبط بخلفيات أيديولوجية متطرفة كما اعترفت وزارة الداخلية السورية لاحقاً.
المكان نفسه أعطى بعداً إضافياً للحادثة، فعلى مدى أعوام ارتبط اسم تدمر بمواجهات شرسة وطويلة مع تنظيم “داعش” من قبل الجيش السوري السابق وحلفائه من الروس وغيرهم، إضافة إلى تطويق التنظيم على جبهات في مدارات أوسع من قبل التحالف الدولي وقوات “قسد”، حتى إن وسائل إعلام وصفت الفعل بغير المتوقع والمفاجئ من جهة النتيجة والفاعل والتبعات.
تلك الحادثة فتحت أبواب التساؤلات حول صدقية الرواية التي تجعل الفعل فردياً مجرداً من إطاره العام المرتبط بالتشكيل البنيوي الراسخ حالياً داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية في سوريا، مع ملاحظة محاولة الاحتواء السريع للموقف على الصعيدين الداخلي والخارجي سياسياً وأمنياً وعسكرياً وإعلامياً وحتى في المسارات الدبلوماسية وما يرتبط بذلك من تعهدات مبرمة سابقاً في إطار دخول سوريا إلى نادي مكافحة الإرهاب الدولي.
على رغم ذلك لم تنجح محاولة الاحتواء السورية السريعة للموقف من حجب السؤال المركزي الذي تم تداوله كثيراً: هل ما حصل كان فعلاً استثناءً، أم هو حدث قابل للتكرار كنتيجة طبيعية لعدم فحص خلفية منتسبي القوات المسلحة سابقاً؟
الهوية قبل السلاح
مع اعتراف السلطات السورية أن منفذ العملية عنصر لديها وكانت هناك نية لفصله لاحقاً من الجهاز الأمني لكن الأمر تم تأجيله بسبب ظروف تتعلق بيوم العطلة الرسمي، سرعان ما اتجهت الأنظار نحو تفكيك هوية القاتل الذي لم يقترن فعله بامتلاك السلاح وحسب، إنما بخلفيته العقائدية التي على رغم ثبوتها تمكن من حجز مكان له في صفوف الأمن.
سوريا الجديدة بعد سقوط نظامها السابق كثيراً ما تسرعت في تنسيب عشرات آلاف المقاتلين الجدد من دون التثبت من هوياتهم وخلفياتهم الماضوية السابقة لتضمن في الأقل عدم إعادة إنتاج العنف التكفيري، فـ”داعش” الممزق سابقاً توزع أفراده على الخريطة منخرطين في نشاط جماعات قتالية أخرى لكنهم ظلوا يحتفظون بركائز العقائد المتطرفة ذاتها.
يتساءل المتخصص الأمني مصطفى الحاج حول تلك الحادثة بالتحديد إذ يصفها بالمؤشر الأخطر في العمر الباكر لوجود سوريا في التحالف الدولي بقوله: “هل تم اختبار هذا الجندي وغيره قبل التنسيب، فكرياً وعقائدياً وذهنياً ونفسياً وصلاحيته للخدمة التي تخوله حمل السلاح؟ هل رأت السلطة أنّ الحاجة إلى ملء الشاغر الأمني أكثر إلحاحاً مما رأته تفصيلاً ثانوياً حول ماضيه الذي لم يخضع للتدقيق؟ النتيجة كانت أن انتقاء معيار السرعة في البناء أهم من الكلفة اللاحقة، والآن ندفع الكلفة”.
عجالة تجاوزت العقيدة
حل الجيش السابق في لحظة سقوط النظام أواخر 2024 وضع السلطات الجديدة أمام واقع يدق فيه الزمن المتسارع ضربات إيقاعه بقسوة على مجريات تأسيس دولة من مرحلة الصفر على رغم الاستناد إلى المقاتلين الأساسيين الذين أسقطوا النظام “هيئة تحرير الشام”، لكن تعدادهم بأي شكل لم يكن كافياً لملء فراغ مؤسساتي شامل على مستويات الجيش والأمن والشرطة وبقية الإدارات.
كان القادمون من إدلب يملكون قواماً عسكرياً كافياً لإدارتها لكنّه بلا أي شك غير كافٍ لإدارة سوريا كاملة، ومع حال الفراغ الأمني ومخاوف تمدد الفوضى وانتشار “داعش” وتحركات معادية من دول أو جماعات إقليمية مختلفة كان لا بد من سد هذا الباب عبر الإعلان عن أسرع دورات تنسيب عسكرية مشهودة، بعضها استغرق أياماً قليلة فقط قبل تخريج دفعاته، وكانت تلك الدورات متزامنة أو بينها فواصل زمنية قصيرة جداً، وكان الهدف حشد أكبر قدر ممكن من القوة المتحركة على الأرض، وفي الوقت ذاته القوة المضمون ولاؤها لمصلحة السلطة الجديدة، فكانت وما زالت تلك القوات من مكون سوري واحد، مع استبعاد تام لبقية المكونات الدينية والطائفية والعرقية.
يقول العقيد المتقاعد حيّان العاص الذي أنهى خدمته عام 2010 في قواعد التدريب العسكرية للجيش المحلول وقتذاك أن “السلطات الجديدة لم تراع شروط التكنيك والتكتيك العسكرية والكفاءة القتالية والانضباط التنظيمي والحيوي للدورات التي قامت بتخريجها، والوقت هو الذي كان السيف في ذلك، وفق ما وصلنا وما بات معروفاً أن تلك الدورات فعلياً لم تركز على الجانب العملي بكل ما يتطلب من جهد ومعارف بقدر ما ركز على الدروس النظرية الشرعية الدينية، وكذلك لم يخضع أولئك المنتسبون حينها لتمحيص في العقيدة والخلفيات الفكرية والمسارات الأيديولوجية السابقة لهم، لذا نعم يمكن جداً أن يكون كثير من عناصر ‘داعش’ الآن في صفوف القوات العسكرية، ‘داعش’ هي فكرة متطرفة وإن تغير اسمها، تعمل على التكفير وتقديم النص على العقل، فليس خلافنا على تسميتها، بل على تفكير الأشخاص المحاكين لها أسلوباً وفكرةً، فمن فجر مسجد الإمام علي في حمص قبل أيام من ‘سرايا أنصار السنة’، لكنّه نفذه بطريقة ‘داعش’، إذاً، مشكلتنا ليست في التسمية، بل في اجتثاث منظومة الفكر تلك كاملة”.
من الحزام الناسف إلى اللباس الرسمي
مرت دول كثيرة بتجارب مشابهة تتعلق بإعادة تأهيل متمردين يحملون أفكاراً تخريبية، وهو ما يعبر عنه أستاذ علم السياسة عمر حامد بقوله “اليوم لا يستطيع أحد وحتى السلطة نفسها الجزم بطبيعة ونوعية المتطرفين داخلها أو تعدادهم، هذا أمر حساس ونسبي للغاية، ليس مهيمناً تماماً ولا منظماً على أسس ثابتة، ومن الأكيد أن ثمة عناصر ما زالت تتبنى الأفكار المستوردة من تنظيمات كـ’داعش’ و’القاعدة’ وهي موجودة اليوم، ولا أتحدث على صعيد الشكل الخارجي لهم، بل المكنون الداخلي القابل للانفجار، وظهر في أحداث عدة خلال عام 2025، في الساحل والسويداء وجرمانا والأشرفية وتفجير كنيسة مار الياس بدمشق وتفجير مسجد الإمام علي بحمص، وإن كان شيء منها لا يرتبط بالمؤسسات العسكرية مباشرةً، لكنه يرتبط بملف الإرهاب المعمم ذاته”.
ويكمل: “عدا عن منهجية سلوك الانتقام والثأر وهذا بالطبع لا ينسحب على الجميع، وربما على قلة فقط، لذا قلت إنه ليس نمطاً مهيمناً، المشكلة اليوم في الخبايا، في من انتقل من ارتداء الحزام الناسف للزي الرسمي أو البدلة العسكرية، أو في أولئك الذين باتوا ينظرون للرئيس وفريقه على أنه يخرج من الملة بانفتاحه على الغرب وبراغماتيته وإثبات نفسه كقائد لبلد يرتكز على مؤسسات قدر استطاعته، وبالمناسبة، تمكن أفراد كثر على الأرض من الاقتراب من محاولة إفشاله في مشروعه، وهنا تتضح بعض الفجوة بين القاعدة والهرم”.
عشق النموذج الأفغاني
حتى الآن يتداول السوريون باستغراب تصريحات أدلى بها وزير الثقافة السوري قبل أيام عقب لقائه نظيره الأفغاني حين أمعن في التغزل بتجربة الأفغان التي وصفها بـ”الناجحة” من خلال إعادة بناء أفغانستان بعد الخراب، وأشار المسؤول السوري إلى أن تجربة أفغانستان “مثالية، وقابلة للاستلهام والتطبيق في سوريا”، خصوصاً، والكلام للوزير نفسه، أن “تقارب الرؤى بين البلدين عامل مهم جداً”.
يرى الدبلوماسي السابق أحمد إسماعيل أن تلك التصريحات خطرة في مضمونها، قائلاً إن “سوريا اليوم احتارت وحيرت العالم معها بأي نموذج ستقتدي، ووزير الثقافة على الدوام يطالعنا بمفاجآت غير متوقعة، وبجدارة كان على الدوام محط الحدث في 2025 بتصريحاته، اليوم سوريا التي انضمت لحلف مكافحة الإرهاب ما الذي تريده من أفغانستان لتحاكي تجربتها وهي المحكومة بسياق ديني تشددي مؤسس لجماعات عابرة للحدود ومهددة لدول العالم وملجأ سابق ولاحق لحركات شكّلت خطراً عالمياً على الدول الكبرى نفسها”، ويضيف، “ما قاله وزيرنا ليس مجاملة دبلوماسية، بل هو اقتراب من فكرة تتعلق بدمج المؤسسة الأمنية والعقيدة الدينية ضمن منظومة واحدة، كل واحدة منها تستمد شرعيتها من دعم الأخرى، وفي هذه الحال يغيب المعنى الوطني – القومي الجامع، ليحل مكانه الفكر الأيديولوجي المنبثق عن المرجعية الموحدة، وأي وزير هو منصب سياسي وكلامه يؤخذ في الاعتبار، وعليه يجوز تفسير كلام وزير الثقافة على أنه رفض ضمني لفصل الإيمان الذاتي عن وظيفة السلاح”.
بين الداخل والخارج… خطاب ازدواجي
حرصت السلطة السورية ما استطاعت على تقديم خطاب خارجي متوازن يراعي مطالب الدول التي تؤدي دوراً أساساً في الملف السوري غربياً وعربياً، وضمن ذلك قدرتها على أن تكون شريكاً فاعلاً في حفظ الاستقرار الإقليمي والعالمي ومكافحة الإرهاب، وقد تمكنت في أكثر من مكان أن تبلي حسناً، وبخاصة بعد حادثة مقتل الجنود الأميركيين في تدمر، واشتراكها مع قوات التحالف في قصف ومداهمة أوكار “داعش” والقبض على عناصر منهم وتحييد آخرين، وفي أتون كل ذلك تمسكت السلطة بوعود قطعية للدول الفاعلة بأنها قطعت صلتها بماضيها.
لكن على الصعيد الأدنى من القرار السيادي في الداخل السوري تبدو الأمور أكثر تشعباً وإرباكاً، فالخطاب الديني ما زال سائداً وينحو باتجاه تكتلات منظمة ضمن حركات عقائدية تبدو ثابتة ويستدل عليها في الأقل من فرق الغرباء والمقاتلين الأجانب ومن أخطرهم الإيغور والتركستان والفرنسيون وجنسيات أخرى بالطبع، وفي ظل هذا الواقع على الأرض الذي يبدو بعيداً من شكل الجيوش النظامية يبدو تقديم صورة مغايرة للخارج أصعب في أحيان أخرى، ومن ذلك تنبثق ازدواجية ترتبط بعاملين متناقضين: السعي الحثيث خلف نيل شرعية أممية، والحفاظ على داخل سوري متماسك أيديولوجياً من باب التحسب لأي طارئ.
عوامل الفشل والنجاح
يرى مراقبون مطلعون على ملف انخراط سوريا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب أنه مرهون بجملة شروط للنجاح، على رأسها توفير تدريب عملي وعملياتي مكثف للعناصر الأمنية في سياق حماية المدنيين وإدارة التكتيك والعمليات العسكرية والأزمات والتعامل الاستخباري الدقيق مع كل موقف على حدة، ضمن حدود تنفيذية واضحة على الأرض، إلى جانب تدعيم وجود هيكل رسمي إداري واضح وشفاف مما يضمن هامشاً يضيف راحة للشركاء الدوليين، يترافق ذلك مع تنسيق أمني – ميداني – سياسي مع الشركاء الإقليميين والعالميين وفق القواعد الأساسية المعمول بها لمكافحة الإرهاب.
أما عن عوامل الفشل فتبدو بالنسبة إلى المراقبين مرتبطة بغياب المرجعية الموحدة واستمرار الحال الفصائلية المنفردة التي يطغى عليها الجانب الإداري المستقل وكذلك الجانب الديني – الشرعي فوق الأولوية العسكرية بما يؤثر في الانضباط العام وتبني سلوكيات متعاكسة لا تحقق الأهداف النهائية، يضاف إلى ذلك عدم إيجاد خطة دقيقة لمراجعة خلفيات المقاتلين الموجودين حالياً الذين كانوا ضمن جماعات مصنفة إرهابية حتى وقت قريب، وقد يكون العامل الفارق الإضافي هو اتساع بؤرة التوتر الطائفي داخل أرجاء البلاد وجرّ المكونات للتصارع عوضاً عن إمساك المجتمع للانطلاق منه كقاعدة ثابتة نحو مكافحة الإرهاب عبر تقديم السلطة نفسها كشريك موثوق وضامن وقادر في بيئته الداخلية وبنيته الأساسية.
الخلاصة في سؤال: هل ستقدر سوريا أن تكون شريكاً موثوقاً في محاربة الإرهاب؟ والجواب يعتمد على السياسة السورية نفسها في مقاربة الملف لئلا يكون النجاح شرطياً أو ظرفياً، وذلك عبر معالجة مكامن الخلل البنيوي ليكون نجاحاً كاملاً، وإلا فإن المشروع بأسره سيبقى معرضاً للفشل في أي مرحلة، وذلك الفشل سيعيد السلطات السورية الحالية خطوات إلى الوراء على مستوى الموثوقية الدولية والشرعية الداخلية.
- إندبندنت



























