انتهت الانتخابات البرلمانية في الكيان الصهيوني، دون نتائج حاسمة تحدد من الذي سيشكل الوزارة القادمة، ما يعني بقاء ملف الجنوب السوري على قائمة الانتظار، ريثما تشكل الوزارة وتحدد سياستها وموقفها من المفاوضات المتوقفة مع السلطة السورية وتحدد توجهاتها إزاء مقتضيات عقد اتفاق أمني ينظم العلاقات على الحدود والعودة إلى الالتزام ببنود اتفاقية فضّ الاشتباك عام 1974 من عدمه.
لم تتوقف قوات الكيان عن التوغل في الأراضي السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا (1600 توغل منذ إسقاط النظام البائد)، وإقامة نقاط عسكرية وشق طرق ترابية ونصب حواجز ومنع المواطنين السوريين من متابعة أعمالهم الزراعية وجني محاصيلهم أو رعي أغنامهم (قتل القصف العشوائي أغناما وقامت قوات الكيان بنهب أخرى)، ورش مواد سامة تجعل الأراضي غير صالحة للزراعة، أو الرعي، والسيطرة على السدود المائية ومنع السكان من الوصول إلى المياه، بالإضافة الى اقتحام البلدات والقرى والبيوت وتفتيشها واعتقال العشرات من سكانها (214 معتقلا بقي منهم 46 في سجون الاحتلال)، وقتل عدد من المدنيين بذرائع واهية (35 قتيلا)، ما دفع كثيرين إلى النزوح بحثا عن الأمان.
ترتبط هذه الممارسات بمخطط صهيوني أطلق عليه اسم مشروع «سوفا 53»، مشروع هندسي عسكري يقوم على شق طريق بعرض 8 أمتار، محصَّن بسواتر ترابية يبلغ ارتفاعها 5 أمتار، ومزوَّد بنقاط مراقبة وخنادق على طول المنطقة العازلة بمحاذاة الجولان المحتل، بدأت قوات الاحتلال تنفيذه منتصف عام 2022، ضمن منطقة فضّ الاشتباك، ابتداء من أطراف بلدة حضر باتجاه قرى جباتا الخشب، والحميدية في ريف القنيطرة الشمالي، إلى القحطانية، ورويحينة، وبئر عجم، وبريقة في الريف الأوسط، والعشة في ريفها الجنوبي، واستأنفت تنفيذه بوتيرة متسارعة أواخر عام 2024، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني، وقد برّر الكيان ذلك بـ»اعتبارات أمنية» وبعدم ثقته بالحكومة السورية الانتقالية.
الوضع خطير ودقيق ويستدعي من السلطة السورية مراجعة قراراتها وحساباتها والبحث عن مخرج عقلاني وعملي
واقع الحال أنه ليس للمشروع المذكور مبرر أمني، حيث كان النظام البائد قد حمى حدود الكيان ومنع منذ اتفاقية فضّ الاشتباك عام 1974 قيام نشاطات عسكرية، أو مدنية من أجل استعادة الجولان السوري المحتل، وأن السلطة السورية الجديدة أعلنت «أنها لن تكون مصدراً لأي مشكلات أمنية أو تهديدات لدول الجوار، وعن رغبتها في بناء علاقات متوازنة ومستقرة، تقوم على احترام السيادة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية»، عدا عن أن الكيان دمر معظم عتاد الجيش السوري في غارات جوية، بالتزامن مع إسقاط النظام البائد، وأن الخلفية الحقيقية للمشروع هو قرار حكومة الكيان تكريس واقع جيوسياسي على الحدود المشتركة في سورية ولبنان وقطاع غزة في إطار تصور استراتيجي يقول بخلق واقع يعيق أي هجوم وينقل الصراع إلى أرض العدو وتنفيذ ضربات استباقية عند الإحساس بوجود خطر يتشكل، كل هذا بذريعة منع حصول هجوم مباغت كما حصل في عملية طوفان الأقصى في غلاف غزة عام 2023.
غدا مشروع «سوفا 53» مصدر قلق كبير للسلطة السورية، خاصة بعد انفجار الوضع في محافظة السويداء في شهر يوليو 2025 وتدخل الكيان الصهيوني عسكريا بحجة حماية أبناء طائفة الموحدين الدروز وتوسيع مطالبه الأمنية بسحب الجيش السوري من المحافظات الجنوبية الثلاث، القنيطرة درعا والسويداء، إلى تخوم العاصمة، حيث باتت أوضاع المواطنين الصعبة والخطيرة تضغط على صانع القرار وتضعه بين خيارين، السكوت على ما يحدث أو الدخول في مواجهة مباشرة مع قوات العدو، ولكل خيار مستلزماته وتبعاته. الأول يعني الاستسلام للضغوط الصهيونية والتخلي عن المواطنين وعن السيادة الوطنية، والثاني الانخراط في مغامرة غير محمودة العواقب في ضوء فارق القوة الكبير وظروف البلد الذي لا يحتمل مزيدا من القتل والدمار.
الوضع خطير ودقيق ويستدعي من السلطة السورية مراجعة قراراتها وحساباتها والبحث عن مخرج عقلاني وعملي. بدأ الخلل من إعلان السلطة المبكر «أنها لن تكون مصدراً لأي مشكلات أمنية أو تهديدات لدول الجوار، وعن رغبتها في بناء علاقات متوازنة ومستقرة، تقوم على احترام السيادة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية»، دون أن تشير إلى استعدادها للدفاع عن السيادة الوطنية والبذل والتضحية لحماية البلاد أرضا وشعبا، فأعطى انطباعا عن ضعف عزيمتها وميلها لطلب السلامة، وقد تأكد هذا الانطباع عندما هرولت إلى مفاوضات سياسية مع الكيان الصهيوني، قبل ان تتثبت عبر مفاوضات أمنية من جديته في التفاوض حول ترتيبات أمنية تستجيب لمصالح الطرفين، وتابعت التفاوض متشجعة بدعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإقامة نظام إقليمي متعاون ومستقر، دون ربط ذلك بالهدف الأمريكي من إقامة نظام إقليمي جديد ودور الكيان الصهيوني فيه، ودون التثبت من موقف ترامب وعزمه على الضغط على الكيان لوقف تجاوزاته على الأراضي السورية، وقبلت في اجتماع باريس اقتراحا عن إقامة منطقة صناعية مشتركة مع الكيان على الحدود مع الجولان المحتل وأقرت بدور له في معالجة ملف السويداء.
لم ينجح وفد السلطة في المفاوضات مع الوفد الصهيوني في العاصمة الأذربيجانية باكو، باكتشاف مناورات هذا الأخير والفخاخ التي نصبها عبر إعطاء انطباعات زائفة عن تفهمه لاحتياج السلطة لبسط السيطرة على كل الأرض السورية، فانزلقت في المواجهة مع الموحدين الدروز في السويداء، رغم الرسائل التحذيرية التي أطلقها الكيان خلال أحداث جرمانا وصحنايا وانعكاس هذه الأحداث على الرأي العام في السويداء، خاصة أن أجواء الموحدين الدروز لم تكن ودية إزاء السلطة الجديدة؛ وعدم مراعاة السلطة للخلفيات والحساسيات عندما عينت مسؤولين في المحافظة من خارجها، ومن هيئة تحرير الشام تحديدا، دون اعتبار لتوجس الموحدين الدروز من الهيئة بسبب تاريخها وخلفياتها العقائدية وممارساتها في إدلب، خاصة وقد زاد توجسهم بعد المجازر التي وقعت في الساحل السوري واستهدفت أبناء الطائفة العلوية، كان تعيين العميد أحمد الدالاتي قائدا للأمن الداخلي في محافظة السويداء غير حصيف في ضوء تربيته الفصائلية وموقفه من أبناء الطوائف غير السنّية، ومراهنة السلطة على دفعهم للاستسلام لشروطها عبر التحكم بظروف الحياة اليومية، عبر تقنين كميات المواد الغذائية والمحروقات التي تدخل المحافظة وقطع الكهرباء والنت مرات ومرات وعدم تحركها لحل المشكلة بتنفيذ ما عليها من بنود خريطة الطريق التي صيغت في عمّان من قبل وزيري الخارجية الشيباني والصفدي والمبعوث الأمريكي إلى سورية السفير توم براك.
الآن وقعت الواقعة؛ فما العمل؟ الممكن المتاح هو العمل على تعزيز صمود أبناء محافظتي القنيطرة ودرعا بوضع خطة لتزويدهم باحتياجاتهم وتعويضهم عن الخسائر التي تكبدوها، جراء اعتداءات قوات الكيان وتوفير خدمات طبية وتعليمية وفرص عمل، وعدم الاكتفاء بالضغط الأمريكي على الشيخ حكمت الهجري والتحرك مع أبناء طائفة الموحدين الدروز لتخفيف التوتر والاحتقان عبر تنفيذ البنود المطلوبة منها في خارطة الطريق، ووضع تصور للتحرك الدبلوماسي والميداني، بما في ذلك خوض معركة قانونية في الأمم المتحدة عبر محكمة العدل الدولية، وترتيب أوراق ضغط وقوة، استعدادا لمواجهة الموقف بعد تشكيل حكومة جديدة في الكيان، تصور يلحظ احتمال بقاء أطراف الحكومة الحالية، أو قيام حكومة من معارضتها.
كاتب سوري
- القدس العربي





















