تعمل الحكومة السورية على تحقيق مشروع “سوريا من دون مخيمات”، ففي محافظة إدلب التي تستضيف أكبر عدد منها، انخفض عدد النازحين من 260 ألفاً إلى 77 ألفاً في آخر 20 شهراً، لكن إفراغها يواجه تحديات كبيرة، أبرزها عدم توافر بديل للسكن.
على مدى الأعوام الماضية، كانت المخيمات في سوريا، خصوصاً في الشمال السوري، واحدة من أكبر المآسي التي تشهدها المنطقة، حيث يعيش مئات الآلاف في خيم لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء، بيد أن التغيير السياسي التاريخي في سوريا فرض واقعاً جديداً، فمنذ الأيام الأولى من عام 2025، بدأت عشرات العائلات تعود لمناطقها الأصلية، وبعد أن كانت العودة على شكل حالات فردية، اتخذت لاحقاً إطاراً تنظيمياً مع إعلان وزارة “الطوارئ وإدارة الكوارث” في دمشق بدء مشروع “سوريا من دون مخيمات”، الذي يهدف لهدم آخر خيمة مع نهاية العام الحالي.
واكتسب هذا المشروع إطاراً مؤسساتياً بصدور المرسوم الرئاسي (59) الذي نص على تشكيل لجنة للعمل على تهيئة البنى التحتية في المناطق المتضررة تمهيداً لعودة الأهالي لها، فما الذي تحقق من المشروع حتى الآن؟ وما هي أبرز التحديات التي تواجهه؟ وهل حقاً تصبح سوريا بلا مخيمات مطلع عام 2027؟
عودة ربع النازحين خلال 7 أشهر
يقول معاون وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، أحمد قزيز، في حديثه إلى “اندبندنت عربية”، إن “رؤية ‘سوريا من دون مخيمات‘ تنبع من أننا لا نعمل على إغلاق المخيمات، وإنما على تأمين البيئة المناسبة في أماكن الأصل من أجل عودة النازحين لها، وهذه البيئة تتلخص في تهيئة البنى التحتية الأساسية، مثل المشافي والمستوصفات والمدارس والمياه والصرف الصحي والاتصالات والطرقات وغيرها، من أجل عودة كريمة وطوعية وآمنة، مع توفير فرص عمل للعائدين”.
ويضيف المسؤول السوري أن “ما جرى إنجازه في رؤية ‘سوريا من دون مخيمات’ حتى الآن هو عودة ما يقارب 25 في المئة من النازحين منذ مارس (آذار) الماضي، تاريخ صدور المرسوم (59) القاضي بتشكيل لجنة برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، مهمتها العمل على تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة، تمهيداً لعودة الأهالي لها”.
من جانبها، قالت مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، أحلام الرشيد، إن “عدد العائلات المقيمة في المخيمات انخفض من 261063 عائلة قبل سقوط النظام، إلى 77121 عائلة حالياً، بعد عودة 170995 عائلة إلى مناطقها الأصلية، وعدد المخيمات القائمة حالياً يبلغ 631 مخيماً، فيما جرى دمج 138 مخيماً وإفراغ 270 أخرى، ومنذ مطلع العام الحالي جرى تسيير 33 قافلة عودة، ضمت 5716 شخصاً، ليصل عدد العائدين منذ صدور المرسوم رقم (59) إلى 14516 شخصاً”.
متى تهدم آخر خيمة في سوريا؟
وفي جانب آخر، يقول الصحافي السوري أسامة الأحمد، في حديث خاص، إن “الحكومة السورية تسعى بالفعل إلى تحقيق هدف ‘صفر مخيمات’ بنهاية العام الحالي، لكن هذا شبه مستحيل، لأن عدد المهجّرين كبير جداً، وجزء كبير منهم لا يستطيع العودة لمنزله الأصلي، لأنه إما مدمر أو ليس لديه منزل في الأصل، وعملية إعادة الإعمار الفعلية لم تبدأ بعد، بمعنى أن الحكومة السورية لا توزع منازل للعائدين أو الذين لا يملكون بيوتاً، وهناك تصريح سابق لوزير الطوارئ رائد الصالح يقول فيه إن رؤية ‘سوريا من دون مخيمات’ من المتوقع أن تتحقق بحلول سبتمبر (أيلول) 2027، وأرى أن هذا التاريخ منطقي أكثر بكثير من إمكان تحقيق هذه الرؤية خلال الشهرين الباقيين”.
ويضيف الأحمد أنه “مع نهاية العام الحالي يمكن تحقيق هدف مرحلي، يتمثل في إنهاء وجود الخيم القماشية، بوصفها شكلاً من أشكال الإقامة الموقتة، لتبقى المخيمات بشكلها الآخر، مثل الكرفانات أو البيوت مسبقة الصنع، مستمرة ربما لنهاية الربع الثالث من عام 2027”.
إدلب مأوى المهجرين قسراً
ويوضح الصحافي السوري أن “محافظة إدلب تحتل موقعاً مركزياً في المشروع، نظراً إلى الكثافة الكبيرة للمخيمات التي نشأت شمال غربي البلاد خلال أعوام الحرب، حيث يوجد فيها اليوم نحو 630 مخيماً، وهو رقم كبير جداً، وعلى رغم ذلك فإن أحد التحولات المهمة في تنفيذ الرؤية هو الانتقال من تنظيم المخيمات وتسيير قوافل العودة إلى إعلان مشاريع خدمية، وإعادة تأهيل مناطق المنشأ، وتُظهر هذه المشاريع التي أعلنتها محافظات حلب وإدلب وحماة وغيرها، أن الحكومة تحاول ربط ملف العودة بإعادة بناء البنية التحتية”.
تحديات وعوائق
في الوقت نفسه، يعتقد أسامة الأحمد أن “التحدي الأكبر أمام مشروع سوريا بلا مخيمات لا يتمثل في إفراغ الخيم بحد ذاته، وإنما في توفير البديل الحقيقي الذي يسمح للعائلات بالعودة والاستقرار بصورة آمنة ومستدامة، ونحن نتحدث عن عائلات كثيرة هجّرتها الحرب، وبعضها يعود لمناطق دُمرت منازلها بالكامل، أو لم تعد فيها المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء للعمل، وبالتالي فإن إعادة هذه العائلات إلى مناطقها تحتاج إلى عملية متكاملة، تشمل إعادة تأهيل المساكن، وإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب، وإعادة الخدمات الأساسية، فضلاً عن توفير فرص عمل ومصادر دخل تتيح للناس استعادة حياتهم الطبيعية”.
وتابع، “هناك أيضاً تحد مالي كبير، لأن حجم الدمار واسع، والحاجات تتجاوز ترميم المنازل لتشمل البنية التحتية والخدمات العامة، وهو ما يتطلب تمويلاً مستداماً وتنسيقاً بين الحكومة والمنظمات الدولية والجهات المانحة، ولا يمكن إغفال التحدي المتعلق بطوعية العودة، فبعض العائلات مستعدة لها لكنها لا تملك القدرة المادية على ترميم منزلها، فيما تخشى عائلات أخرى العودة بسبب غياب الخدمات أو مصادر الرزق، ولذلك أعتقد أن نجاح المشروع يجب ألا يقاس بعدد المخيمات التي أغلقت، أو الخيم التي أُزيلت، بل بعدد العائلات التي عادت فعلياً وتمكنت من الاستقرار في مناطقها، من دون أن تضطر إلى النزوح مجدداً”.
ويلخص الأحمد المشهد العام بقوله إن “إفراغ المخيمات قرار إداري، أما إنهاء النزوح فهو عملية إعادة إعمار وتعاف اقتصادي واجتماعي، وهذه هي المعركة الحقيقية أمام المشروع”.
- إندبندنت






















