بعد قرابة عامين على سقوط نظام الأسد، لا يزال السوريون يعيشون مرحلةً شديدة الحساسية، تتداخل فيها آمال الخلاص مع أثقال الماضي، وتتجاور فيها الرغبة في بناء مستقبل جديد مع مخاوف من عودة الانقسام والعنف بأشكال مختلفة.
وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الملحّ: هل نوجّه طاقتنا إلى بناء الدولة ومؤسساتها، أم نستنزفها في معارك يومية على منصات التواصل، تتحول فيها كل كلمة إلى تهمة، وكل اختلاف إلى خصومة، وكل شخص إلى مادة لمحاكمة شعبية لا تنتهي؟
لا تكمن المشكلة في أن السوريين يختلفون. فالاختلاف طبيعي في مجتمع عانى عقوداً من القمع، وخرج من تجربة قاسية ومريرة، ولا يمكن مطالبة الناس بأن يتفقوا على قراءة واحدة لكل ما حدث أو على موقف واحد من كل شخصية ورمز وقرار. المشكلة تبدأ حين يصبح الاختلاف مناسبةً للتخوين والإهانة، وحين يُختزل النقاش العام في استعراض المواقف وتبادل الاتهامات بدلاً من أن يكون مساحة لفهم ما جرى ومناقشة ما ينبغي فعله.
إن بناء الدولة لا يعني إسكات النقاش أو مطالبة الناس بتجاوز مظالمهم قبل إنصافهم. ولا يعني أن نستبدل نقد السلطة بنقد المجتمع، أو أن نلوم المتضررين على غضبهم.
ومن حق السوريين أن يختلفوا في توصيف المرحلة، وأن يناقشوا أداء الشخصيات العامة وتصريحاتها، وأن ينتقدوا القرارات والسياسات. لكن من المهم أن ندرك أن خلافنا على المصطلحات لا ينبغي أن يحجب الأسئلة الأهم: ما الدولة التي نريد بناءها؟ كيف نضمن حقوق السوريين جميعاً؟ كيف نحمي الحريات، ونمنع تكرار الاستبداد، ونؤسس لقضاء مستقل ومؤسسات خاضعة للمساءلة؟ إن الانشغال الأبدي بالخلاف على الكلمات، مع إهمال هذه الأسئلة، قد يحوّل النقاش السياسي إلى معركة رمزية لا تنتج حلولاً ولا تفتح طريقاً إلى المستقبل.
إن إطلاق الأحكام عبر منشورات أو تسجيلات مجتزأة أو حملات منظمة، فيخلط بين الشهادة والدليل، وبين الشبهة والإدانة، ويجعل من الرأي العام قاضياً لا يلتزم بإجراءات ولا يتيح للمتهم فرصة الدفاع عن نفسه. وقد يضر ذلك بالضحايا أنفسهم، لأن العدالة التي لا تستند إلى تحقيق مهني وأدلة موثقة تصبح عرضةً للطعن والتسييس.
إن الفصل بين المحاسبة القانونية والتشهير ليس دعوةً إلى النسيان أو التساهل مع الجرائم، ولا محاولةً لحماية المرتكبين أو أصحاب النفوذ من المساءلة. بل هو شرط أساسي كي تكون المحاسبة عادلة وذات مصداقية. العدالة لا تُبنى بالانتقام، ولا بالانتقائية، ولا بتبديل الأدوار بين من يملك المنصة ومن يتعرض لحملات الاتهام، إنما تُبنى بقضاء مستقل، وقواعد معلنة، وحق في الدفاع، وقرارات لا تتغير بتغير المزاج العام أو موازين القوة. ومن دون ذلك، قد تتحول المطالبة بالعدالة إلى وسيلة جديدة للثأر، وتُستبدل محاكم النظام السابقة بمحاكم رقمية لا تقل قسوةً في أحكامها، وإن اختلفت أدواتها.
وتتحمل السلطة مسؤولية أساسية في هذه المرحلة. فإدارة التوترات لا تكون فقط بمطالبة الناس بالتهدئة، بل بمعالجة الأسباب التي تنتج الإحباط والقلق وانعدام الثقة. ويشمل ذلك تقديم إجابات واضحة عن القضايا العامة، وإتاحة المجال للحوار، وضمان ألا يُقصى أي مكوّن من المشاركة في صياغة المستقبل، والعمل على بناء مؤسسات يشعر المواطنون بأنها تمثلهم وتطبق القانون عليهم بالتساوي. فحين تغيب الشفافية، أو تتأخر معالجة المظالم، أو لا يجد الناس قنوات موثوقة لتقديم شكاواهم، تنتقل الأسئلة إلى المنصات لتمتلىء بالشائعات والاتهامات.
ولا تقل مسؤولية النخب والمثقفين والإعلاميين والمؤثرين أهمية عن مسؤولية السلطة. فالكلمة التي تصدر عن شخصية لها جمهور واسع لا تقف عند حدود رأي خاص. إذ يمكن أن تهدئ أو تؤجج، وأن تفتح باباً للنقاش أو تحوّل الخلاف إلى تعبئة جماعية ضد فئة أو منطقة أو جماعة. المطلوب ليس أن يتوقف أصحاب الرأي عن النقد، ولا أن يخفوا مواقفهم، بل أن يدركوا أثر خطابهم، وأن يميزوا بين مساءلة شخص عن قول أو فعل محدد وبين تعميم الاتهام على جماعة كاملة، وبين تفكيك خطاب سياسي والتحريض على أصحابه. كما أن للمؤثرين دوراً في التحقق من المعلومات قبل نشرها، وفي تصحيح الأخطاء، بدلاً من استثمارها من أجل زيادة التفاعل.
إن بناء الدولة لا يعني إسكات النقاش أو مطالبة الناس بتجاوز مظالمهم قبل إنصافهم. ولا يعني أن نستبدل نقد السلطة بنقد المجتمع، أو أن نلوم المتضررين على غضبهم. المقصود أن نبحث عن طريقة تجعل التعبير عن الغضب والمطالبة بالحقوق مدخلاً إلى إصلاح حقيقي، لا إلى دورة جديدة من الإيذاء المتبادل. ويمكن ذلك حين تتوافر مؤسسات تستقبل الشكاوى، وقواعد واضحة للمحاسبة، ومساحات آمنة للحوار، وخطاب عام يعترف بالألم من دون أن يحوّله إلى أداة للانتقام.
الطريق أمامنا ما زال طويلاً وصعباً. المهم أن نركز على كيف نبني مؤسسات عادلة، وكيف نضمن محاسبة كل من ارتكب جريمة، وكيف نحمي الحريات، ونرأب الصدع بين السوريين، ونمنع إعادة إنتاج الظلم بأسماء جديدة.
سوريا لا تحتاج إلى إجماع مصطنع، بل إلى اتفاق على قواعد مشتركة: حرية الرأي، ورفض التحريض، والمساواة أمام القانون، وحماية الحقوق، وحق الضحايا في العدالة، وحق كل مواطن في المشاركة في الحياة العامة. يمكننا أن نختلف حول شخصيات وأحداث ومصطلحات، لكن ينبغي ألا يتحول هذا الاختلاف إلى سبب لنزع المواطنة عن الآخر أو التشكيك في حقه بالعيش والمشاركة.
الطريق أمامنا ما زال طويلاً وصعباً. المهم أن نركز على كيف نبني مؤسسات عادلة، وكيف نضمن محاسبة كل من ارتكب جريمة، وكيف نحمي الحريات، ونرأب الصدع بين السوريين، ونمنع إعادة إنتاج الظلم بأسماء جديدة.
إن الوطن الذي نحتاج إليه لا يقوم على النسيان، ولا على الانتقام، بل على الحقيقة والعدالة والقانون. ولا يُبنى بالتخوين، بل بالمواطنة؛ ولا بمحاكمات الرأي العام، بل بقضاء مستقل؛ ولا بترندات تستهلك غضبنا، بل بعمل جاد يعالج مشكلات الناس ويمنحهم أملاً حقيقياً بمستقبل مشترك.
- تلفزيون سوريا























