يمكن القول إن الحرب التي بدأت في غزة، ولم تنته بإيران، وتداعياتها على جيوب الأمريكيين، وأمن الإسرائيليين، كانت دوما في خلفية المشهد الانتخابي.
بالنسبة للناخب الأمريكي، الذي أوصل ترمب مرتين لسدّة البيت الأبيض، تحت شعار “أمريكا أولا”، وإنهاء الحروب بدل إشعالها، فإن سياساته ومغامراته في الشرق الأوسط بخاصة، لم تكن موضع ترحيب من قبل جمهرة الناخبين، بمن فيهم أولئك الذين اعتادوا منح ثقتهم وأصواتهم لحزبه الجمهوري، الأمر الذي دفع بقسم وازن منهم، لنقل بندقيته من كتف إلى كتف.
ومن سوء طالع ترمب وحزبه وفريقه، وربما من حسن تدبير القيادة الإيرانية التي ماطلت وسوفت بانتظار هذا الاستحقاق، فقد جرت الانتخابات النصفية على وقع الضجيج الصاخب للبوارج وحاملات الطائرات، والتلويح باستخدام “النووي التكتيكي” و”أم القنابل”، وتفاقم مخاطر الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد، سترتد بأوخم العواقب على الطاقة والملاحة والأسمدة وسلاسل الإمداد، ولقد تعين على هذا الناخب أن يدفع رقما قياسيا لسعر غالون البنزين، وهو يملأ سيارته بالوقود في طريقه إلى مركز الاقتراع.
إننا أمام أشهر حاسمة محملة بكل الأخطار ومختلف أنواع التهديد، وعلى جميع الجبهات المفتوحة، فلا يتعين على أحد من فلسطين إلى إيران، أن يصاب بنشوة “الصفعة” التي وجهها الناخبون لترمب ونتنياهو، ومن الأسلم لهذه الأطراف، إبقاء جميع الخيارات مطروحة، بدلا من الاعتماد على نتائج صناديق الاقتراع وحدها
وثمة عوامل ومحركات انتخابية أخرى، لا ينبغي التقليل من شأنها، شكّلت وتُشكل اتجاهات الرأي العام الأمريكي، أقله على المستوى المحلي، من بينها الخطاب “التقسيمي” المتشنج لترمب وفريقه، الطافح بالعنصرية ضد المكونات الأمريكية، غير البيضاء، فضلا عن هموم واهتمامات محلية، تخص هذه الولاية أو تلك، تبدأ بمطلب إزالة كاميرات المراقبة المبثوثة على الطرق والشوارع، والجدل حول وجبتي الإفطار والغداء في المدارس، ولا تنتهي بقضايا الحق في الإجهاض ومشروعية تغيير جنس القُصّر.
لكن ما بات مؤكدا، وباعتراف الجمهوريين قبل الديمقراطيين، أن تداعيات الحروب المتناسلة منذ غزة -الطوفان والإبادة- قد أصابت الأمريكيين في جيوبهم ومعاشهم، وكان لها أثر حاسم في قلب الموازين، وانقلاب المشهد على رؤوس نخب متصهينة، تحكمت بقرار الحرب والسلام، أقله منذ اللقاء الشهير الذي جمع نتنياهو ورئيس الموساد، بترمب وفريقه، في غرفة عمليات البيت الأبيض، لإطلاق شرارة الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي.
وإذ سبق لغزة، وباعتراف من كامالا هاريس، ورهط من الخبراء والسياسيين الأمريكيين، أن كانت سببا في هزيمة الديمقراطيين في انتخابات 2024، فإن “لعنة غزة”، الممتدة إلى شواطئ الخليج وقزوين وباب المندب، قد ألحقت خسارة فادحة بخصومهم ومنافسيهم من الجمهوريين، وأول غيث هذه الهزيمة، بدأ بالأمس القريب، وقد تقرّر مصائر انتخابات 2028.
أما انتخابات إسرائيل، فتلكم حكاية أخرى، دارت في جوهرها حول شخص نتنياهو وطموحه الذي لا يعرف حدا ولا قيدا للبقاء في سدة الحكم، حتى وإن كان الثمن، الاستمرار في حروب عبثية لا طائل من ورائها سوى القتل والتدمير، والتحريض على المزيد منها، كلما لاحت في أفقها بوادر انفراجها.
أثر حروب نتنياهو وكلفها على معيشة الناخب الإسرائيلي، لا يخفى على أحد، واحتجاز مئات ألوف جنود الاحتياط في المعسكرات وعلى خطوط المواجهة لأكثر من ثلاث سنوات، ترك ويترك أفدح الأضرار بقطاع واسع من الإسرائيليين، فيما الإحساس بالأمن الفردي والجماعي، يكاد ينعدم عند غالبيتهم العظمى، كما تكشف استطلاعات الرأي العام الموثوقة والرزينة.
وإذا كانت نتائج الانتخابات النصفية، قد جعلت من ترمب “بطة عرجاء”، فإن نتائج انتخابات الكنيست الـ26، قد أبقت نتنياهو “طاووسا بلا ريش”، سيستمر لبعض الوقت في ممارسة استعراضاته القديمة، ولكن صورته لدى الرأي العام تظهر بخلاف ما رسمها وروّج لها لسنين وعقود.
وكلما اقتربت مواقيت تشكيل الحكومة والائتلاف المكوّن لها، تتعاظم فرص آيزنكوت، وتزداد فرص تفسخ الائتلاف الفاشي، وأول غيث هذا التفسخ، بدأ مع جنوح “يهودوت هاتوراه” للتغريد خارج السرب.
إذا كانت نتائج الانتخابات النصفية، قد جعلت من ترمب “بطة عرجاء”، فإن نتائج انتخابات الكنيست الـ26، قد أبقت نتنياهو “طاووسا بلا ريش”، سيستمر لبعض الوقت في ممارسة استعراضاته القديمة، ولكن صورته لدى الرأي العام تظهر بخلاف ما رسمها وروّج لها لسنين وعقود
ذئاب جريحة
لا يعني ذلك للحظة واحدة، أن الأخطار المحدقة بغزة وفلسطين والخليج، والإقليم برمته، قد انقشعت، وأن نذر الحرب المقبلة قد تلاشت، وأن بشائر انتصار العقل والدبلوماسية قد تعاظمت، فالذئب الجريح أشد خطورة على فرائسه من الذئب السليم.
لن نُسقط احتمال أن يثأر ترمب -الرجل المتقلب المسكون بـ”الأنا المتضخمة”- لخسارته الفادحة في الداخل بتجديد حروبه في الخارج؛ فالرجل بات متحررا من قيود الانتخابات ومندرجاتها، ولديه من السلطة والصلاحيات، ما يُمكّنه من الاستمرار في أعماله العدوانية، غير المبررة وغير المشروعة، ولديه في الأصل، فسحة من الوقت تمتد حتى مطالع يناير/كانون الثاني المقبل.
وخلال هذه الفترة، وحتى بعد انقضائها، سيكون قادرا على ارتكاب مزيد من الأعمال المتهورة، ذلك أن النظام الرئاسي الأمريكي، يترك له من الصلاحيات، ما يجعله قادرا على شن الحروب، وإن أعطاها تسميات مختلفة (عمليات عسكرية)، للالتفاف على دستور لا يجيز إعلان الحرب من دون موافقة الكونغرس.
أما نتنياهو فسيُخرج كل ما في “قبعة الساحر” من أوراق وحيَل، لشيطنة الانتخابات، والطعن في نتائجها، وتشويه النواب العرب، بل والمجتمع العربي برمته، وقطع الطريق على سياسة اليد الممدودة للمعارضة، التي تبنتها الكتلتان العربيتان، الموحدة والمشتركة، فإسقاط آيزنكوت، ومنعه من تشكيل حكومة أقلية، أيا كانت صيغتها ومكوناتها ومظلتها، سيظل شغله الشاغل طيلة الفترة المقبلة.
وإن قُدِر له أن يُقنع ترمب بالذهاب إلى حرب جديدة ضد إيران، في أثناء المشاورات لتشكيل حكومة جديدة، والاستقواء به للضغط على خصومه للانصياع لخيار “حكومة التناوب والوحدة الوطنية”، فإنه لن يتردد في فعل ذلك، إذ ربما تكون الحرب، هي طريق نتنياهو المختصرة للانقضاض على نتائج الانتخابات.
لن نُسقط احتمال أن يثأر ترمب -الرجل المتقلب المسكون بـ”الأنا المتضخمة”- لخسارته الفادحة في الداخل بتجديد حروبه في الخارج؛ فالرجل بات متحررا من قيود الانتخابات ومندرجاتها، ولديه من السلطة والصلاحيات، ما يُمكّنه من الاستمرار في أعماله العدوانية، غير المبررة وغير المشروعة
لقد قامر بالتخلي عن “أربعة مليارات دولار سنويا” تقدمها الإدارات الأمريكية، جمهورية وديمقراطية، لإسرائيل، تدعيما لموقف حليفه الانتخابي، وعلى أمل أن يرد له الجميل بأحسن منه، إن لجهة المضي في ممارسة ضغوطه لإبقائه في سدة الحكم، تحت ستار “حكومة الوحدة”، أو لجهة الذهاب إلى موجة جديدة من الحرب على إيران وحلفائها.
ولدى الرجل، فسحة أسابيع لفعل ذلك، أحسب أنه سيعمل جاهدا لاغتنامها، وكلما أسرع معسكر المعارضة في إدراك هذه الحقيقة، وتصرف بوحي منها، وتخلى عن “فائض عنصريته الدفينة”، -كما تتجلى في تصريحات بينيت وليبرمان بخاصة- كان ذلك في صالح مشروع الإطاحة بـ”ملك إسرائيل” الذي حكمها 19 عاما، كما لم يفعل أحدٌ من قبله.
بهذا المعنى، فإننا أمام أشهر حاسمة محملة بكل الأخطار ومختلف أنواع التهديد، وعلى جميع الجبهات المفتوحة، فلا يتعين على أحد من فلسطين إلى إيران، أن يصاب بنشوة “الصفعة” التي وجهها الناخبون لترمب ونتنياهو، ومن الأسلم لهذه الأطراف، إبقاء جميع الخيارات مطروحة، بدلا من الاعتماد على نتائج صناديق الاقتراع وحدها.
أما على المديين، المتوسط والبعيد، فقد ذاقت غزة وفلسطين، والإقليم على اتساعه، المُرَّ في عهد الديمقراطيين، والأمرَّ مع الجمهوريين: ذاقت ويلات الحروب في عهد نتنياهو، وقد تتذوقها من جديد في عصر آيزنكوت، وعلينا أن ندرك أن ثمة فوارق محدودة فقط بين المعسكرين المتنافسين، سواء في الولايات المتحدة أم في إسرائيل، تُمايز بين توجهاتهما وإستراتيجياتهما الكبرى، وأن من ينتظر “الترياق” من واشنطن ديمقراطية، أو تل أبيب بلا نتنياهو، سيتعين عليه، أن ينتظر طويلا.
وأحسب أن زمنا -يطول أو يقصر- سيمر قبل أن تبدأ التحولات في الرأي العام الأمريكي بخاصة، والإسرائيلي بدرجة أبطأ، بإعطاء أكلها، وتفرض على النخب الحاكمة على ضفتي “الحلف الإستراتيجي غير المقدس”، اعتماد مقاربات مختلفة، وسياسات تلحظ الحد الأدنى من تطلعات شعب فلسطين وشعوب المنطقة، وأشواقها.
نقول ذلك، ونحن نُقر بحق أهل غزة وشعوب المنطقة في الاحتفاء، بل “التشفي”، بتلقي من تسبب في نكبتها والكوارث التي حلّت بها، صفعات لن تُنسى من قبل جمهوره وناخبيه، وصولا إلى إخراجه عن مسرح الحكم والسياسة، مجللا بعار الإبادة والتطهير والترويع، حتى وإن كانت ستستقبل بدائل ونخب وأحزاب، تبعث على القلق بأكثر مما تدعو للطمأنينة والارتياح.
- الجزيرة نت





















