وسام سعادة
في 21 أيّار 2008، تعاهد أطراف الأزمة اللبنانيّة في الدوحة على تكريس ما سبق أن ورد في "إتفاق بيروت" أي "الإمتناع عن أو العودة إلى استخدام السلاح أو العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية"، ثم كرّسوا ذلك بشكل أكثر وضوحاً وشمولاً من خلال "حظر اللجوء إلى استخدام السلاح أو العنف أو الإحتكام إليه في ما قد يطرأ من خلافات أياً كانت هذه الخلافات وتحت أي ظرف كان بما يضمن عدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية".
عنت هذه التخريجة أنّ "7 أيّار" حدث أمنيّ أهليّ لن يتكرّر، وإنّما ليس هناك ما يمنع "الغرف من معين 7 أيّار". و"الغرف" اتخذ في السنتين الماضيتين أشكالاً عديدة وأوجهاً كثيرة، إلا أنّه وصل الآن حدّ مناقضة الأساس الذي بني عليه "صلح الدوحة"، هذا الأساس الذي يقضي بحلّ أزمة "الفراغ الدستوري" التي دفعت بالبلاد إلى شفير "الحرب الأهلية الناشبة من جهة واحدة"، وذلك من خلال انتخاب "المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية". والنص هنا واضح: ميشال سليمان كمرشح وحيد وقتذاك هو مرشح توافقي، إلا أن رئاسته دستورية لا تشوبها شائبة، إذ ليس "رئيساً توافقياً" تبطل شرعيته إذا ما أبطل التوافق، وإنّما هو "رئيس توفيقيّ" بين اللبنانيين، سواء من المنطلق الدستوري الذي ينيط به "القبض على أزمّة الحكم" أو بموجب إتفاق الدوحة نفسه الذي يؤكد على استئناف الحوار "برئاسة رئيس الجمهورية فور انتخابه وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وبمشاركة الجامعة العربية، وبما يعزز الثقة بين اللبنانيين".
إنّ الحملة الأخيرة على رئاسة ميشال سليمان – وما سبقها قبل الإنتخابات من ملاحظة أنّ "المجلس المقبل سينتخب رئيساً للجمهوريّة"، هي حملة تؤشّر إلى بلوغ منطق "الغرف من معين 7 أيّار" مداه، إنّما المدى الذي لا يعود من الممكن، في حال عدم لجمه، إستمرار التعايش مع مقتضيات "صلح الدوحة".
والسؤال المركزيّ هنا، ما هو هذا الحدث التأسيسيّ، التاريخيّ، إلى هذه الدرجة، التي تضمن لأهله أو لحلفائهم أو لأصدقائهم استمرار الغرف من معينه سنة بعد السنة، وصولاً إلى مناقضة الصلح الذي ما كان لهذا الحدث أن يظهر من دونه إلا كبداية لحرب أهلية مدمّرة كانت كفيلة، لو وقعت، بإرجاع البلاد مئات الأعوام إلى الوراء، أي إلى زمن "الحرب الدينية المطلقة".
لقد وصف هذا الحدث في البدء بأنّه عملية "موضعية"، واعترض ضحايا هذا الحدث في البدء على هذا التعبير. لكنه بالفعل تعبير "موضوعيّ". كان حدثاً صادماً لكنه بقي حدثاً يعوزه الشمول في الزمان والمكان. فأنى لـ"الحدث الموضعيّ" إستمرار الغرف منه سنة بعد السنة؟.
لا شكّ أنّ لهذا الحدث استثنائيته الخطيرة جدّاً بالنسبة إلى كل من يسعى لإزالة آثاره ولو بعد سنوات. إنّه حدث يدمج بمعنى ما بين "اللجوء إلى القوة" وبين "استخدام العنف". لقد سبق للمفكر الفرنسي جورج سوريل أن ميّز في "تفكّرات حول العنف" بين "القوة" التي تلجأ إليها في العادة السلطات، وبين "العنف" الذي تلجأ إليه في العادة حركات التمرّد. أراد سوريل الخروج من الإلتباسين الإصطلاحي والسياسيّ في هذا السياق. "القوّة" تنسب لمن يلجأ إليها لفرض نظام هيمنة على مجتمع بعينه. و"العنف" يستخدمه سواء من يريد إضعاف أو تفكيك أو إسقاط نظام الهيمنة هذا، أو من يريد فرط المجتمع القائم من أساسه.
في مقابل هذا التمييز المركزيّ بين "القوّة" و"العنف" عند جورج سوريل، وهو تمييز طبع العلم السياسيّ في القرن العشرين بشكل أو بآخر، فإنّ حدث "7 أيّار" ومنطق "إستمرار الغرف من معين 7 أيّار" إنّما يرمز إلى إعتماد التخليط بين "القوّة" و"العنف". فإذا كان ما استخدم في "7 أيّار" هو "عنف"، وفقاً لتعريف جورج سوريل، فإنّه ليس من المستطاع بعد ذلك البناء عليه كما لو كان "قوّة". أنّ يستطيع أهل هذا الحدث البناء عليه بهذا الشكل، ودون أن ينضب معينهم، فمعنى ذلك أنّ هناك مشكلة في البنى والأشكال التي يفرزها المجتمع اللبنانيّ لمواجهة منطق التغلّب الأمنيّ لطائفة على أخرى. وقد آن الأوان للقول إنّ هنا بيت القصيد.
لقد ارتكبنا جميعاً خطأ تضخيم "حدث 7 أيّار" إلى الدرجة التي سمحت لأهل هذا الحدث أو حلفائهم أو أصدقائهم إستمرار الغرف منه سنة بعد السنة، بل وتعميمه "أقنوماً" يوجّه طبيعة المرحلة الإقليميّة. وفي لحظة وصول منطق "الغرف من معين 7 أيار" إلى مستوى التعريض بأساس "صلح الدوحة"، فإنّه يمكن القول، إنها حانت لحظة "التحرّر الثقافيّ" للشعب اللبنانيّ من هذا التضخيم الدراميّ لهذا الحدث، وهو تضخيم دراميّ يصل أحياناً إلى التوهم كما لو أنها المرّة الأولى التي استخدم فيها العنف أو أريق فيها الدم في لبنان، في حين أن الواقع غير ذلك تماماً.
لقد تورّطت فئات حيويّة من المجتمع اللبنانيّ في تضخيم هذه الأسطورة معتقدة بأنّها بذلك تمارس دوراً في التحرّر منها. والمطلوب حالياً هو "فكّ سحر" 7 أيّار، قبل أي شيء آخر. هالة "القوة" وحدها، أي قوة السلطات، هي التي يمكن الغرف من معينها بشكل ردعيّ ومنهجيّ وشامل لأعوام طويلة. أمّا "العنف"، كالذي استخدم في 7 أيّار، فلا يسعه ذلك. إنّ التعامل مع هذا "العنف" كما لو كان "قوّة" بالمعنى الذي حدّده جورج سوريل إنّما هو انزلاق إلى موقع التواطؤ مع منطق 7 أيّار نفسه.
معنى هذا أنّه منذ مدّة غير قليلة، وثمّة من يستخدم حدثاً افتقد إلى معظم طاقته الفعليّة كما الرمزيّة، وليس يمكن احتسابه بأي شكل من الأشكال "نهاية للتاريخ" ولا "كابوسا أبديّا". إنّه حدث موضعيّ تماماً، وينبغي إرجاعه إلى موضعه، ويكون ذلك بالتمسّك بـ"صلح الدوحة" كنصّ كفيل بـ"تفكيك سحر" حدث 7 أيّار.
من هنا وجوب تغيير السؤال. ليس السؤال الذي يمكن على اللبنانيين الإجابة عليه اليوم هو لماذا لم يواجهوا في 7 أيّار، وإنّما السؤال الأكثر مباشرة وعمقاً في آن، هو لماذا "ضخموا" هذا الحدث إلى هذه الدرجة التي دفعت ببعضهم إلى "مازوشية" لم يعهدها تاريخ الملل والنحل في هذه المنطقة، ووصلت إلى الإلتقاء مع "ساديّة" إستمرار الغرف من معين هذا الحدث المضخّم؟ كيف استطاع اللبنانيون الصمود رغم سلسلة "الإغتيالات" منذ عام 2005، ثم دفع بهم تعظيم نكبتهم في 7 أيّار إلى تفضيل "القعود"؟ مرة أخرى هذه أسئلة ينبغي طرحها في "المجال النظريّ" أولاً، ومن زاوية "مسؤولية الضحية" كما كانت تقول حنّة أرندت. "مسؤولية الضحية" تقع دائماً عندما تتصوّر الضحيّة أنّ موقعها كضحيّة يعفيها من المسؤولية، ويعفيها من التضحية.




















