خلافاً لجولات التفاوض الأربع السابقة بينهما، انتهت الجولة الخامسة التي عُقدت في 5 و6 يناير/كانون الثاني الحالي (يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين)، في باريس، بين وفد من الحكومة السورية برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، ووفد إسرائيلي برعاية أميركية، إلى تحقيق بعض التقدم على طريق الوصول الى تفاهمات أمنية وسياسية بين الطرفين، مع طرح أفكار لتعاون اقتصادي بين جانبي الحدود. واعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك أن المفاوضات السورية الإسرائيلية باريس شهدت “اختراقاً”، مؤكداً أن سورية لا تحمل أي نيات عدوانية تجاه إسرائيل. وأضاف في تصريحات لوسائل إعلام إسرائيلية أن الحكومة السورية الجديدة أوضحت أنها تسعى إلى “علاقة قائمة على الاحترام والتعايش، فيما أبدت إسرائيل رغبة في بناء علاقات مع القيادة السورية الحالية، وتقدّر أن النظام العدائي القديم قد استُبدل بآخر ملتزم بالتعاون وبنهج جديد”، وفق تعبيره. واعتبر أن إعطاء الأولوية للفرص الاقتصادية والازدهار والحوار المفتوح يشكل مدخلاً أساسياً لبناء علاقات مستدامة بين الطرفين.
مسؤول أميركي لـ”أكسيوس”: خلية الاتصال المقترحة سيكون مقرها الأردن
المفاوضات السورية الإسرائيلية… اتفاق على “آلية” اتصال
وجاء في بيان مشترك، صدر أول من أمس الثلاثاء، أن الأطراف الثلاثة، الجانبين السوري والإسرائيلي والراعي الأميركي، اتفقت على إنشاء آلية اتصال للتنسيق بشأن القضايا الأمنية والاستخبارية والتجارية. وقال البيان الذي نشرته الخارجية الأميركية إن المفاوضات السورية الإسرائيلية كانت مثمرة وتمحورت حول احترام سيادة سورية واستقرارها، وأمن إسرائيل، وقد التزم الجانبان بالسعي نحو تحقيق ترتيبات أمنية دائمة وقرّرا إنشاء خلية اتصال لتسهيل التنسيق بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والمشاركة الدبلوماسية، والفرص التجارية تحت إشراف الولايات المتحدة. وأوضح البيان أن هذه الآلية ستعمل منصةً لمعالجة أي نزاعات على الفور والعمل على منع سوء الفهم.
ووفق مسؤول أميركي تحدث لموقع أكسيوس، فإن خلية الاتصال المقترحة والتي سيكون مقرها في الأردن، سيوكل إليها الإشراف على الوضع الأمني في جنوبي سورية واستضافة المزيد من المحادثات حول “نزع السلاح” وانسحاب القوات الإسرائيلية، مشيراً إلى أنه سيتم بموجب الخطة تجميد جميع الأنشطة العسكرية على طرفي الحدود في مواقعها الحالية إلى حين وضع التفاصيل في خلية الاتصال المشتركة المقترحة. ووفق التسريبات الأميركية حول جولة المفاوضات السورية الإسرائيلية الأخيرة، فإنه جرى أيضاً الاتفاق على بدء محادثات في مجالات مدنية، تشمل الطب والطاقة والزراعة عبر تحويل المنطقة العازلة بين الطرفين إلى منطقة اقتصادية مشتركة على جانبي الحدود تضم مزارع رياح، وقطاعاً زراعياً، ومنتجعاً للتزلج، فيما قال مسؤول أميركي إن “الشركاء الإقليميين” التزموا بالفعل بتمويل المشروع.
غير أن المحلل السياسي غازي دحمان استغرب في حديث مع “العربي الجديد” أن يُطرح التعاون الاقتصادي في إطار اتفاق أمني لم يُتوصل حتى الآن إلى الكثير من تفاصيله، مرجحاً أن يكون الهدف من ذلك إما إغراء حكومة بنيامين نتنياهو للقبول بالاتفاق على اعتبار أنه سيكون لها نصيب من كعكة الاقتصاد السوري، وقد يكون ذلك مدخلاً لمشاركة إسرائيل في الترتيبات السياسية التي ستجرى في سورية، مضيفاً أن الهدف الآخر المحتمل قد يكون التغطية على التنازلات التي ستقدم عليها حكومة أحمد الشرع، خصوصاً ما يتعلق بما يسمى المساعدات الإنسانية التي تخص الدروز في سورية بحيث يصار إلى إدماجها وما كانت طرحته إسرائيل سابقاً بشأن إنشاء “ممر إنساني” باتجاه محافظة السويداء في هذا الإطار الاقتصادي المقترح.
أحمد المسالمة: تحقيق تقدم على الأرض مرهون بتواصل الضغط الأميركي على الجانبين
الحديث الأميركي المتفائل بشأن تحقيق انفراجة بين الجانبين لا تؤيده كثيراً التصريحات الصادرة عنهما، فضلاً عن تعارضه مع المعطيات على أرض الواقع. ويوم أمس الأربعاء، توغلت قوة من جيش الاحتلال في المنطقة الواقعة بين قريتي صيدا الحانوت والرازنية بريف محافظة القنيطرة الجنوبي، جنوب غرب سورية. وبحسب وكالة الأنباء السورية “سانا”، فإن القوة تحركت من مدخل تلة أبو غيثار نحو القريتين، وانسحبت من المنطقة من دون إقامة حاجز أو تنفيذ عمليات تفتيش للمنازل. علماً أن الاحتلال نفذ، أول من أمس الثلاثاء، سلسلة توغلات في المنطقة، حيث دمّرت قواته مشفى الجولان القديم.
إلى ذلك، قال مسؤول سوري لوكالة رويترز، مساء أول من أمس، إنه لن يكون من الممكن المضي قدماً في “الملفات الاستراتيجية” من دون جدول زمني واضح وملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي تم الاستيلاء عليها بعد إطاحة بشار الأسد أواخر عام 2024. ولفت إلى أنه جرى خلال المفاوضات السورية الإسرائيلية الأخيرة الاتفاق على تعليق جميع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية ضد سورية مطالباً إسرائيل بالتخلي عن “عقليتها التوسعية” حتى تتمكن المحادثات من المضي قدماً، من دون أن يصدر أي تعليق يوم أمس، عن إسرائيل حول ما إذا كانت وافقت على تعليق الأنشطة العسكرية في سورية. ومع ذلك، اعتبر المسؤول السوري أن هذه المبادرة تمثل “فرصة تاريخية” لدفع المفاوضات “بشكل إيجابي”.
من جهته، قال مكتب نتنياهو إن إسرائيل شدّدت خلال المحادثات على “ضمان أمن مواطنيها ومنع أي تهديدات على حدودها، إلى جانب التزامها بالاستقرار والأمن الإقليميين، والحاجة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع سورية، مع الاتفاق على مواصلة المحادثات وبناء الثقة، بما في ذلك التأكيد على أمن الأقلية الدرزية في سورية”. ونقلت صحيفة معاريف الإسرائيلية، عن مصادر سياسية إسرائيلية، قولها إن إسرائيل وضعت “خطوطاً حمراء” تشمل رفض أي نقاش حول الجولان المحتل أو قمم جبل الشيخ التي احتلت عام 2024، مقابل الاستعداد للانسحاب من بعض الأراضي التي سيطرت عليها أخيراً، وتعديل اتفاقية فصل القوات لعام 1974، بشرط ضمانات أمنية صارمة تشمل نزع السلاح ومنع أي نشاط معاد. وأشارت المصادر إلى أن الجانب السوري رفض القبول بأي احتلال، محذرين من أن “كل ما هو مؤقت يتحول إلى دائم”، في حين يسعى الأميركيون إلى صيغة تفاهمات أمنية محدودة تخفف التوتر.
ورأى الصحافي أحمد المسالمة أن الظروف غير مهيأة لإنجاز اتفاق أمني شامل بين الجانبين السوري والإسرائيلي، بسبب عدم جاهزية الجانب الإسرائيلي الذي يدخل المفاوضات مكرهاً نتيجة الضغط الأميركي. وأوضح المسالمة لـ”العربي الجديد” أن حكومة نتنياهو كانت تريد منحها فرصة أطول لترسم براحتها حدود العلاقة مع الحكم الجديد في دمشق اعتماداً على القوة العسكرية، وفرض وقائع على الأرض، غير أن واشنطن تضغط عليها لإبرام اتفاق ووضع حدّ لسياستها العدوانية تجاه الحكم الجديد في سورية، معتبراً أن تحقيق تقدم على الأرض مرهون بتواصل الضغط الأميركي على الجانبين ما قد يمكن في النهاية من التوصل إلى صيغة ما، خصوصاً ما يتصل بالانسحاب الإسرائيلي من قمة جبل الشيخ، وهو ما ترفضه حكومة نتنياهو بينما تتمسك بشدة به الحكومة السورية. وتوقع أن تطرح الإدارة الأميركية حلولاً تقنية لهذه المسألة مثل نشر قوات أو معدات أميركية على هذه القمة أو تسليمها لقوات الأمم المتحدة.
- العربي الجديد


























