دمشق ـ «القدس العربي»: وصل عدد النازحين جراء الاشتباكات في مدينة حلب السورية، إلى 142 ألفاً، 13 ألفاً منهم، يوم أمس الخميس، وسط شهادات مؤلمة لأهال تحدثوا لـ «القدس العربي» عن مشاهد رعب ونزوح قسري يتكرر للمرة الخامسة لدى بعض العائلات، في ظل استمرار الاستجابة الإنسانية والتحذير من تفاقم الأوضاع.
وروت سيفين بدر، وهي سيدة كردية ثلاثينية، ومعلمة في مدرسة الأشرفية الابتدائية، مشاهد مؤلمة من رحلة نزوحها لـ «القدس العربي» حيث تقول: أنا اليوم نازحة من جديد، أجبرت على ترك بيتي الواقع في حي الأشرفية في منطقة خطيرة قرب خطوط الجبهة بين قوات قسد وقوات الجيش، بعدما منعنا مسلحون تابعون لقوات سوريا الديمقراطية من متابعة الطريق، وأغلقوا المسار أمام عشرات العائلات التي كانت تحاول الهرب بحثا عن الأمان.
وتضيف: خلال هذا العام نزحت للمرة الخامسة مع زوجي وأطفالي وسط أوضاع شديدة التوتر، لكن هذه المرة كانت مختلفة وأقسى من سابقاتها، إذ خرجنا على عجل بثيابنا الخفيفة، وبرفقتنا والديّ المسنّان، كانا يسيران متعكزين ومتألمين، عادا قبل فترة قصيرة إلى حلب بعد غربة دامت 13 عاما، ولم يهنآ ببيتهما ولا بعودتهما، إذ اضطررنا إلى النزوح مجددا.
وتتابع: مشينا على أقدامنا من حي الأشرفية في اتجاه حي الزهور، ثم انتقلنا عبر حافلة أمّنها زوجي، وانطلقنا من حي السريان القديم وصولا إلى مدينة عفرين في ريف حلب، حيث استغرقت رحلتنا نحو ست ساعات متواصلة بسبب صعوبة الطريق والاكتظاظ الشديد في حركة النازحين.
وتضيف: أكثر ما يخيفني اليوم هو أن تتكرر هذه المأساة مرة أخرى، وكل ما أتمناه أن نعود إلى بيوتنا سالمين وآمنين في أقرب وقت، لقد خرجنا من منزلنا عام 2012 تحت القصف وفي جنح الظلام، وسط الأشلاء والدمار، ثم اضطررنا إلى تركه مرة أخرى عام 2018 بالطريقة نفسها، رغم أننا كنا قد رممناه وعدنا إليه، واليوم نغادر من جديد ونترك خلفنا بيوتنا والكثير من الألم.
وتواصل: من حقنا أن ننصف، وأن يوضع حد لهذه الحرب التي لا تنتهي، نحن المدنيين، من يدفع الثمن في كل مرة، وأكثر ما أتمناه اليوم أن أعود مع أطفالي إلى بيتي وأجده كما تركته، دون نهب أو سرقة كما حصل معنا في عام 2018.
وتختم سيفين حديثها بالقول: نحن كرد، ولدنا كردا وسنموت كردا، ولا بد من وضع حد لآلام الأكراد في هذه البلاد، فقد أنهكتنا سنوات طويلة من الخوف والنزوح والمعاناة.
إطلاق نار كثيف
وتحكي بريفان الأحمد، وهي طالبة حقوق نازحة من حي الشيخ مقصود، تفاصيل ليلة تصفها بأنها من أصعب ما مرت به في حياتها. وتقول لـ «القدس العربي»: لم نتمكن مساء أمس من الهرب أو الخروج من الحي، إذ كان إطلاق الرصاص كثيفا فوق رؤوسنا، والخوف يحيط بنا من كل جانب، وفي خضم تلك اللحظات القاسية، قرر والدي المجازفة ومحاولة إخراج العائلة إلى مكان آمن، خاصة أنني أعاني من مرض باركنسون، ما جعل البقاء في المنزل تحت القصف خطرا مضاعفا، وأُجبرنا على الهروب باستخدام السيارة حصرا.
وتضيف: عند أول محاولة للخروج، أوقفتنا قوات مسلحة تابعة لقسد تسيطر على الحي، ومنعتنا من المغادرة، فاضطررنا للعودة إلى المنزل، وما أن وصلنا حتى بدأت قذائف المدفعية تتساقط، ودوي الانفجارات يملأ المكان، في ليلة مرعبة لم نذق فيها طعم النوم.
وتتابع: صباح الخميس، قررنا المحاولة مجددا، خرجنا تحت أزيز الرصاص العشوائي الذي لم نكن نعرف مصدره، سلكنا طرقا مخيفة، خاصة أن معظم الشوارع كانت مغلقة، نبحث عن أي طريق مفتوح وسط هذا الخوف الهائل، مررنا بأحياء وشوارع فرعية خالية تماما، بينما كان هاجسنا الدائم أن تصيب رصاصة طائشة أحد أفراد العائلة بمقتل.
وتتابع بصوت يختلط فيه الخوف بالألم: لأننا تأخرنا، لم نر في طريقنا سوى مسلحين، ولم نسمع إلا أصوات الرصاص والقتل، وخلال مسيرنا، وبسبب شدة الرعب والتوتر، انزلقت أمي على الرصيف وسقطت أرضا، ما أدى إلى إصابتها بكسر في عظمة الترقوة.
ورغم ذلك، تقول الشابة: لم يكن أمامنا خيار سوى متابعة طريق النزوح، حتى وصلنا أخيرا إلى مدينة عفرين، حيث بيت جدي، بعد رحلة محفوفة بالخوف والمعاناة، تركت في نفوسنا جروحا لن تندمل.
ووسط هذه المشاهد، تواصل فرق الدفاع المدني وفعاليات أهلية محلية، ومبادرات فردية، حسب شهادات أهلية لـ «القدس العربي» تقديم الخدمات الإغاثية للمدنيين الذين جرى إجلاؤهم إلى منطقة عفرين في ريف حلب.
وأعلنت محافظة مدينة حلب، عبر «اللجنة المركزية لاستجابة حلب» الرسمية، تنفيذ خطة طوارئ شاملة لتأمين خروج المدنيين من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى عدد من الأحياء المجاورة، وذلك بما يضمن سلامتهم ويخفف من المخاطر المحتملة.
وأفادت اللجنة بأنها استقبلت 142 ألف نازح، 13 ألفا منهم يوم أمس الخميس، كما جرى توجيه ثمانين آلية نقل، وافتتاح اثني عشر مركز إيواء مؤقتا، منها عشرة مراكز داخل مدينة حلب، ومركزان في منطقتي إعزاز وعفرين، بينما لا يزال توافد الأهالي مستمرا حتى لحظة صدور البيان.
وحسب المصدر، فقد استهدفت مجموعات تنظيم «قسد محيط المعابر الإنسانية والأحياء المدنية وسط حلب بعدد من القذائف، في انتهاك صارخ لكل القوانيين والمواثيق الدولية، حيث وصل عدد الوفيات إلى 9 والمصابين إلى 88».
كما قالت اللجنة إنها تتلقى نداءات من عدد من المرضى العالقين داخل الحيين، حيث يتعذر الوصول إليهم حالياً نتيجة المخاطر الأمنية والاستهداف المتكرر الذي يطال الفرق والكوادر الطبية، وتعمل اللجنة بالتنسيق مع الجهات المعنية على تأمين خروجهم الأمن في أقرب وقت ممكن.
ودعت اللجنة المركزية أهالي حلب إلى الالتزام بالتعليمات الصادرة والتواصل مع الجهات المختصة والمعتمدة بما يسهم في ضمان السلامة العامة وحسن إدارة الاستجابة الطارئة.
وأجلى الدفاع أكثر من ثلاثة آلاف مدني من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية.
وقال إن فرقه نفذت عمليات الإجلاء عبر نقطتي العوارض وشارع الزهور، حيث جرى تقديم الإسعافات الأولية لكبار السن والمرضى، ونقل العائلات إلى الوجهات التي اختارتها أو إلى مراكز الإيواء المؤقتة، مؤكدا بقاء الفرق في حالة جاهزية كاملة للاستجابة لأي طارئ إنساني.
وأكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى. وقال في منشور على منصة «إكس» إن الوزارة تبذل «أقصى الجهود لحماية المدنيين وتأمين سلامتهم، عبر الاستجابة الطارئة، ونقل العائلات إلى أماكن آمنة بناءً على طلبها، إلى جانب تقديم الإسعافات الأولية والرعاية العاجلة للمصابين».
وأضاف: «كما هو الحال دائما تبقى تضحيات المدنيين كبيرة ومؤلمة، وهم من يدفعون الثمن الأكبر بتصعيد تنظيم قسد، ونعبر عن تضامننا الكامل مع أهلنا في مدينة حلب، ونؤكد أن سوريا ستبقى آمنة وقوية، وستنهض من جديد بسواعد أبنائها، وسنعيد بناءها مهما كانت التحديات».
كما أعلنت محافظة حلب، في بيان، تمديد تعليق الدوام في المدارس والجامعات العامة والخاصة في مدينة حلب حفاظا على سلامة الطلاب والكوادر التعليمية، على أن يُترك قرار استئناف الدوام في باقي المؤسسات والمديريات الحكومية للمديرين والمسؤولين، مع مراعاة السلامة الأمنية، ولا سيما في المناطق القريبة من مواقع الاشتباكات والاستهداف المباشر.
المساجد مراكز إيواء
وأعلنت محافظة حلب عن تجهيز عدد من مراكز الإيواء والمساجد في مدينتي حلب وعفرين، لاستقبال الأهالي النازحين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود والأحياء المحيطة بهما، في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها حلب.
وفي ريف حلب الشمالي، أعلنت الجهات المعنية في مدينة عفرين عن جاهزية عدد من مراكز الإيواء لاستقبال النازحين، ولا سيما في ناحية شران، حيث شملت الاستعدادات قرية كفر روم وعدداً من القرى السكنية المجهزة بالكامل من حيث الأبواب والشبابيك والخدمات الأساسية.
- القدس العربي


























