تتكشف في باريس، وعلى طاولة مفاوضات سورية–إسرائيلية برعاية أميركية، أهداف إدارة ترمب من خلال الضغط على الجانبين الإسرائيلي والسوري لتسجيل اختراق سياسي يسهل لواشنطن مواصلة خطة إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط الجديد.
ما بدأ كمحادثات معقدة لإعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 ، سرعان ما سيتحول إلى مسار من التحركات الأميركية والتركية والإسرائيلية، بمشاركة فرنسية وسورية، وثقل عربي بطابع استراتيجي إقليمي، بعد تضييق الخناق على النفوذ الإيراني، واحتواء التمدد الروسي، ومحاصرة محاولات الاختراق الصيني.
أعلن بيان مشترك سوري–إسرائيلي صادر عن وزارة الخارجية الأميركية أن جولة المفاوضات الأخيرة التي استمرت ليومين في العاصمة الفرنسية، أسفرت عن الاتفاق على إنشاء خلية اتصال مشتركة لتبادل المعلومات الاستخبارية وخفض التصعيد العسكري، إضافة إلى آلية للانخراط الدبلوماسي والتجاري بإشراف أميركي مباشر.
وأضاف البيان أن قيادة الرئيس ترامب أتاحت “مناقشات مثمرة” بشأن احترام سيادة سوريا وأمن إسرائيل، في إشارة إلى أن واشنطن لا تكتفي بدور الوسيط، بل تمسك بمسار التفاوض بمختلف أبعاده.
يوضح حضور الولايات المتحدة، من خلال وساطة نشطة يقودها كبار مستشاري الرئيس ترامب بين دمشق وتل أبيب في باريس، أن الطموح الأميركي يتجاوز مجرد إنجاز تهدئة أمنية حدودية، ليصل إلى مرحلة الإشراف على بناء إقليم جديد يرسم خرائط المصالح والمكاسب، مصحوبة بجملة من الخطوط الحمراء الواجب التنبه لها. فكيف ستستفيد الولايات المتحدة من هذا المسار لضمان إشرافها على عملية رسم التوازنات الإقليمية؟
أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يدعم قيام سوريا مستقرة وموحدة وذات سيادة، تعيش بسلام داخل أراضيها ومع دول الجوار، معتبرًا أن ذلك يشكل أحد المرتكزات الأساسية لرؤية الإدارة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
ويقول المبعوث الأميركي توم باراك إن مستقبل حلب وسوريا ككل “يعود إلى شعبها”، ويجب أن يُصاغ عبر وسائل سلمية لا عبر العنف، مشددًا على أن المرحلة الجديدة في سوريا “هي مرحلة تعاون لا مواجهة”، وأن الوصول إليها يتطلب عملًا مشتركًا من جميع الأطراف.
ما بدأ كمحادثات لتثبيت خطوط الفصل في الجولان، يتجه بعد المرحلة الأولى إلى إطار أوسع، تديره وساطة أميركية نشطة تخدم استراتيجية واشنطن الإقليمية. تسعى إسرائيل لضمان حدود آمنة مع دمشق، وتتمسك سوريا باستعادة حقوقها، بينما تؤدي باريس دور الواجهة الدبلوماسية للمسار، وحيث تقود العديد من العواصم العربية عملية العودة إلى قلب المشهد السوري.
باريس ليست مجرد مكان للقاء بين وفدي سوريا وإسرائيل، بل منصة يفاوض من خلالها كل طرف لتحقيق أهدافه الحقيقية. فالمفاوضات التي تبدو تقنية وأمنية تحمل إشارات إلى إعادة تقاسم النفوذ وتوزيع الأدوار في المنطقة برعاية المايسترو الأميركي. وهذا ما يجعلها مساحة لتسوية ملفات متعددة تحت إشراف أميركي صارم.
وهنا يبرز السؤال: هل ستنجح الولايات المتحدة في تثبيت هذه الهندسة في منطقة تميل إلى تقلب الخرائط باستمرار؟
تركّز واشنطن على إدارة حزمة مترابطة من الملفات: تثبيت أمن إسرائيل وحدودها في الجولان، تأكيد سيادة دمشق على الدولة السورية، ومنع أي تصعيد سوري–إسرائيلي أو تركي–إسرائيلي محتمل. بالتوازي، تسعى إلى التحكم بخطوط الطاقة والمعابر البرية والبحرية، وربط مشاريع الطاقة العابرة لسوريا ولبنان بشبكة تحالفاتها الإقليمية.
في هذا السياق، تستثمر الولايات المتحدة في إعادة هندسة التحالفات الإقليمية، مستغلة التباينات بين الأطراف المحلية والإقليمية، والفراغ النسبي في توازنات القوى بهدف الحد من النفوذ الإيراني، وضبط الدور الروسي، ومراقبة التحركات الصينية.
لم يتوجّه الوفد الأميركي إلى باريس وسيطًا، بل مديرًا لمسار تفاوضي متعدد الأبعاد. ما تريده الإدارة الأميركية ليس إنهاء الصراع السوري–الإسرائيلي، بل ضبطه وإعادة توظيفه ضمن هندسة إقليمية جديدة تُبقي مفاتيح القرار بيدها.
لم تكن باريس مجرد مكان للقاء دمشق وتل أبيب، بل منصة يراقبها اللاعبون الإقليميون والدوليون، حيث أصبح لكل طرف دور يساهم في تحديد ملامح المسار التفاوضي. برز الدور الفرنسي كواجهة دبلوماسية للمسار، في حين كانت العواصم العربية تتابع باهتمام، ساعية إلى إعادة سوريا للحضن العربي وضمان حماية مصالحها في المنطقة.
كما ظهر التنسيق الوثيق بين واشنطن وأنقرة، من خلال توقيت وجود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في العاصمة الفرنسية ولقائاته مع المبعوث الأميركي باراك، ونظيره السوري الشيباني، لضمان حماية المصالح التركية وحدود تركيا مع سوريا، ومما يعكس حرص الولايات المتحدة على دمج جميع الأطراف الإقليمية في هندسة التوازنات الجديدة.
الرسائل التي خرجت من هذه الجلسات لم تكن موجهة لسوريا وإسرائيل فحسب، بل لكل اللاعبين الإقليميين والدوليين. فكيف يمكن للولايات المتحدة استخدام هذا المسار لضبط النفوذ الإيراني، والحد من التحركات الروسية والصينية، وضمان مصالح حلفائها الإقليميين؟
ليست مفاوضات باريس مجرد طاولة ثنائية، بل منصة متعددة الأبعاد لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط تحت إشراف أميركي دقيق. من هنا يمكن تلخيص حسابات واشنطن في مفاوضات باريس في محورين مترابطين:
- الأول، تثبيت الهيمنة الأميركية عبر الإمساك بملفات الحدود، الأمن، خطوط الطاقة، والتحالفات الإقليمية؛
- الثاني، إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي من خلال تحويل أي تقارب بين دمشق وتل أبيب إلى أداة لتوجيه التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالح الولايات المتحدة ويحد من نفوذ منافسيها التقليديين في المنطقة.
وبهذه الطريقة، تصبح مفاوضات باريس أداة شاملة لتثبيت مصالح واشنطن الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتعكس البعد الاستراتيجي الحقيقي للحضور الأميركي في المنطقة.
غير أن واشنطن تعرف جيدًا أن التجارب التاريخية في الشرق الأوسط تقول إن الخرائط التي تُرسم على الطاولات نادرًا ما تنفذ كما يُراد لها على الأرض. والسؤال لم يعد ما إذا كانت مفاوضات باريس ستنجح، بل إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تثبيت هذه الهندسة في بقعة من الرمال المتحركة. فالمسار، مهما بدا محكمًا، يبقى رهينة تفاعلات إقليمية معقّدة ومدى قدرة أميركا على فرض هندسة مستقرة في منطقة اعتادت تمزيق الخرائط.
- تلفزيون سوريا


























