منذ سنوات، بوعي وربما بعناد، أحرص على أن أبقى خارج أي اصطفاف مؤسسي أو سلطوي. لا لأنني أؤمن بوهم الحياد الكامل، بل بسبب اعتقادي أن استقلالية الفرد شرط أساسي لأي موقف أخلاقي وسياسي قابل للدفاع عنه.
لم أقبل طيلة سنوات الثورة، كما الكثيرين، أن أكون ملحقاً بمؤسسة، ولا ناطقاً باسم سلطة، ولا جزءاً من ماكينة تبرير، مهما تغيّرت الوجوه أو تبدّلت الشعارات. موقفي، حين يكون لي موقف، يخرج من عتبة الفرد: شخص يرى نفسه قادراً، إن استطاع، على التفكير والمساءلة والمساهمة في الشأن العام دون وصاية.
من هذا الموقع تحديداً، أجد نفسي اليوم في موقع ملتبس بالنسبة لكثيرين. فأنا أرى أن الدفاع عن الدولة السورية الجديدة، بعد إسقاط نظام بشار الأسد، هو دفاع منطقي ومطلوب، ولا سيما حين تحاول أن تعيد سوريا إلى عتبة الأمان، وأن تمنع الانزلاق إلى الفوضى، وتتفادى تكرار سيناريوهات الانهيار التي عرفناها أو شهدناها في تجارب قريبة. هذا الهاجس، بالنسبة لي، ليس خياراً أيديولوجياً، بل موقفاً عقلانياً ينطلق من سؤال بسيط: ما الذي يخدم الإنسان السوري اليوم، ويخفف عنه معاناته، ويقلل من كلفة الخراب؟
لكن هذا الموقف نفسه يُقرأ، في نظر خصوم السلطة الجديدة، بوصفه التحاقاً بها. لا يُفهم كدفاع عن الدولة، بل يُصنَّف تلقائيًا كتشبيح، أو اصطفاف، أو تبرير. فهؤلاء لا يرون المواقف خارج منطق الأسود والأبيض، أي إما مع السلطة بالكامل، أو ضدها بالكامل؛ إما صمت مطلق، أو معارضة صدامية، وكأن المجال العام لا يحتمل وجود موقع ثالث، ولا مساحة للتفكير المشروط، أو للدعم النقدي، أو للمواقف المركّبة.
من هذه التجربة الفردية، بوصفها نموذجاً متكرراً، يمكن قراءة الالتباس الأوسع في المشهد السوري اليوم. فالمسألة لا تتعلق بموقف شخصي هنا أو هناك، بل ببنية تفكير عامة تخلط، عن قصد أو عن خوف، بين الدولة والسلطة، وتحوّل أي دفاع مشروط عن الأولى إلى تهمة جاهزة بالالتحاق بالثانية.
في المشهد السوري الراهن، يبرز هذا الالتباس على نطاق واسع، ليس لأنه غامض نظرياً، بل لأنه يُستخدم سياسياً. فخلال عقود مضت، كرس الأسديون فكرة مضللة تقول إن كل نقد للسلطة يُقدَّم باعتباره تهديداً مباشراً للدولة، وكل محاولة للمساءلة تُوصم بأنها مقامرة بمصير جماعي لا يحتمل المغامرة. وفي أوقات الملمات، أُنتج خطاب يقول إن “المرحلة حساسة”، وإن “التجارب السابقة لا تحتمل التكرار”، وإن “البديل أسوأ”.
وبدا أن التاريخ صار ينطق بما في عقل الأسد الأب ووريثه لاحقًا، فلم يترك للسوريين سوى خيارين: إما الصمت والقبول بالحكم القمعي، أو السقوط في الفوضى والخراب. هذا الاختزال، في جوهره، موقف غير سياسي، لأنه يلغي السياسة نفسها بوصفها مجالاً للاختيار والمفاضلة والتصحيح.
ضمن هذا النسق، لا يعني “التشبيح” للسلطة دعمها فقط أو تفهّم صعوباتها، بل يعني تحويلها إلى قيمة مطلقة، تعبّر عنها شعارات تربط الديكتاتور بالأبد، ويُعاد تعريف الدولة لتصبح مرادفاً لاسم الرئيس، فتصبح البلاد “سوريا الأسد”. في هذا المنطق، لا تُقاس السياسات بنتائجها، بل بنيّاتها المعلنة، ولا تُراجع القرارات، ولا يُطلب تفهّمها، بل الرضوخ لها، إلى أجل غير مسمّى.
في المقابل، فإن الدفاع عن الدولة موقف مختلف جذرياً. إنه موقف مشروط، عقلاني، يقوم على تقدير المصلحة العامة لا على حماية السلطة من النقد. الدفاع عن الدولة يعني التفكير في بقائها واستقرارها وشرعيتها على المدى المتوسط والطويل، لا فقط في عبورها اللحظي للأزمات. وهو، بهذا المعنى، لا يتناقض مع النقد، بل يفترضه.
السياسة، في جوهرها، ليست انفعالاً أخلاقياً، ولا يجب أن تُبنى على معطيات التخويف، بل هي ممارسة موازنة دائمة بين الربح والخسارة. المشتغل بالسياسة، بخلاف الموالي أو المعارض العقائدي، لا يسأل فقط: هل القرار صحيح؟ بل يسأل أيضاً: ما كلفته؟ ما عوائده؟ ما مخاطره؟ وما البدائل الممكنة إن فشل؟ والأهم من ذلك، أنه لا يتعامل مع الماضي كفزاعة، بل يراه سرداً للتجارب.
في حالتنا، وخلال عقود، جرى تعليق أي تفكير نقدي، وكذلك إقصاء السياسة، وخنق المجال العام، وتجريم الاختلاف. وحين يبدأ المجتمع باستعادة حريته، واكتشاف القدرة على ممارسة النقد دون تجريم، يُفترض أن يسمح الفضاء المفتوح بالذهاب إلى مواقف صريحة ومعلنة، دون الوقوع في أسر الخوف من السلطة، وكذلك دون الخشية من لوم المعارضين لها وقيامهم بوصم أصحابها.
من هنا، يمكن التأكيد أن الدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن كل قرار تتخذه السلطة، ولا السكوت عن الانتهاكات باسم “الاستقرار”. على العكس، فإن الاستقرار الذي لا يستند إلى حد أدنى من العدالة والمساءلة هو استقرار هش، مؤجل الانفجار. والسياسة التي تمنع النقد اليوم بحجة تجنّب الفوضى، غالباً ما تؤسس لفوضى أكبر حين تفقد قدرتها على التصحيح.
الالتباس القائم اليوم ليس بريئاً. إنه يعكس عجزاً عن الانتقال من منطق النجاة إلى منطق الدولة، ومن منطق “تفادي الأسوأ” إلى منطق “بناء الممكن”. وفي هذا السياق، يقع دور المثقف والفاعل العام في منطقة صعبة: بين رفض “التشبيح”، مع الحفاظ على القدرة على الاشتباك النقدي مع المؤسسات الوطنية، وبين الدفاع عن الدولة، دون التحول إلى حارس صمت باسم التجربة والخوف.
الدفاع الحقيقي عن الدولة يبدأ حين نفصلها عن السلطة، وحين نفهم أن السياسة ليست اختياراً بين الولاء والفوضى، بل بحثاً دائماً عن أقل الطرق كلفة، وأكثرها قابلية للحياة. وما لم يُكسر هذا الالتباس، سيبقى السؤال مؤجلاً، وسيبقى الخوف هو السياسة الوحيدة المتاحة.
- الثورة السورية






















