أعلنت الحكومة السورية، و”قوات سوريا الديمقراطية”، في وقت متزامن، عن “وقف إطلاق نار شامل” يتضمن تفاهما على دمج القوات التي يقودها الأكراد ضمن القوات الحكومية السورية، وانسحاب القوات العسكرية للطرفين من خطوط التماس، ودخول قوات من “الأمن العام” التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي.
ستقوم القوات الأمنية التي تدخل إلى مركزي المحافظتين الأخيرتين اللتين تسيطر عليهما “قسد”، حسب تصريح لوزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، بتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة.
يتضمن الاتفاق أيضا تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات “قسد”، إضافة إلى تشكيل لواء لضم القوات الكردية الموجودة في كوباني (عين العرب) إلى فرقة عسكرية حكومية تابعة لمحافظة حلب.
يتضمن الاتفاق الجديد حلولا لقضايا اجتماعية شديدة الأهمية منها تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، وحل قضية موظفي “الإدارة الذاتية” الكردية عبر تثبيتهم ضمن مؤسسات الدولة السورية.
يعتبر الاتفاق الجديد تطويرا على ما أعلنه رئيس الفترة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، في 18 الشهر الجاري، بعد التغيّر الكبير في موازين القوى بين الحكومة و”قسد”، الذي تدرّج إثر سيطرة القوات الحكومية على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، ثم بلدتي مسكنة ودير حافر شرق المدينة، وما لبثت القوات التي يقودها الأكراد أن تعرضت بعدها لهزيمة كبيرة أدت لخسارتها السيطرة على محافظتي دير الزور والرقة، ومناطق في ريف محافظة الحسكة أعلن بعدها اتفاق يمهل “قسد” أربعة أيام، تم تمديده لاحقا إلى 15 يوما.
برز تغيّر لافت بين الاتفاق الذي أعلنه الشرع ” و”الاتفاق الشامل” الأخير، الذي تجاوز ما ذكر في الاتفاق الأول عن دمج كامل لعناصر “قسد” العسكرية والأمنية “بشكل فردي”، فميا بقيت عناصر مذكورة سابقا من غير توضيح في الاتفاق الجديد ومن ذلك ما هو المتفق عليه بخصوص قائمة القيادات المرشحة من “قسد” لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية، كما لم يشر إلى ضرورة التزام القوات الكردية بإخراج كافة قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين، وبإبعاد ضباط النظام السابق وتسليم قوائم بأسمائهم. إضافة لذلك فإن الاتفاق لم يتضمن حل تنظيم “قسد” وتحوله الى حزب، كما لم يتطرق لقضية المعابر والسيطرة على جميع مواقع الطاقة.
من الناحية المبدئية، يعكس الاتفاق، إذا نجح الطرفان في الالتزام الحقيقي بتنفيذه، انتقالا مهما من مرحلة تعدد الجيوش ومراكز القوى التي كانت تنوء سوريا تحتها في ظل نظام بشار الأسد، إلى مرحلة توحيد كل الأراضي السورية (باستثناء جيب صغير في مدينة السويداء جنوب سوريا).
تؤدي هذه النقلة إلى انتهاء فوضى مراكز القوى وإعادة احتكار الدولة للقوة المنظمة الذي لا يمكن لبناء الدولة أن يجري من دونه وخصوصا في فترة الانتقال من الصراعات المتعددة إلى حقبة بناء الدولة.
يوازن الاتفاق الأخير بين شرط نشوء القوة المنظمة المحتكرة للعنف، وبين الحاجة إلى عقد سياسي يقوم على تسوية (أو تسويات) مع القوى السياسية والعسكرية التي كانت تقوم خارج الدولة المركزية، وبذلك يمهد لنقل تلك القوى من الفضاء الحربيّ الذي يعاكس نشوء دولة سورية جديدة، إلى الفضاء السياسي الذي يحوّل تلك الكيانات إلى بنى سياسية فاعلة ونشطة تثري المجال السياسي العام للسوريين.
يطرح الاتفاق، بهذا المعنى، أفقا سياسيا لتجاوز الكيانات المناهضة بطبيعتها للدولة، ويعبّد الطريق، نتيجة طبيعته التسووية، لفضاء سياسي يمكن أن يفضي إلى ديمقراطية أوسع، وتمثيل على أسس سياسية وليس كولاءات طائفية أو قومية.
- القدس العربي


























