تجمع عشرات الأشخاص أمام وزارة الطاقة في دمشق وعبروا عن احتجاجهم على أسعار الكهرباء التي فاقت فواتيرها قدرتهم على الدفع، ورفعوا لافتات عبرت عن رفضهم للدفع.
كانت مفاجأة غير سارة لأنصار السلطة الذين لم ينتهوا بعد من التحريض على الكرد “الانفصاليين” والعلويين “الفلول” والدروز “الهجريين”. فانضاف إلى قاموسهم “مكون” جديد هو “الشوام” أو الدمشقيون. وإذا كانوا، في حالة “الأقليات” يجدون ما يتهمونها به دفاعاً عن سلطة دمشق، فمن الصعب أن يتهموا متظاهري الاحتجاج على أسعار الكهرباء بمألوف خطابهم، فلجأ بعض “المؤثرين” إلى خطاب القوة العارية، فقال أحدهم في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع: “أنتم لا تستحقون الحرية! ولو كان الأمر بيدي لقطعت عنكم الهواء الذي تتنفسون!”
أما المتحدثون باسم السلطة فقد لجأوا إلى خطاب تبريري مفاده أنه لا يمكن تأمين الكهرباء إذا لم يسترد المستثمر الأموال التي استثمرها من خلال جباية الفواتير بالكلفة الحقيقية لإنتاجها. غير أن الموضوع لا يتعلق بكماليات يمكن لغير القادرين على دفع تكاليفها الاستغناء عنها، بل بخدمة اعتادوا على الحصول عليها بأسعار لا تثقل كاهلهم. ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الطاقة الكهربائية على كميات الاستهلاك المنزلي فقط، بل سيؤثر على المستوى العام لأسعار جميع السلع في السوق. ونحن نتحدث عن بلد خارج من حرب مديدة، يعيش 90 في المئة من سكانه تحت خط الفقر وفقاً لأرقام الأمم المتحدة. ومن وجهة نظر المستثمر سيكون مشروعه خاسراً إذا لم يجد زبائن قادرين على الدفع. ولا نعرف كيف يمكن لمستثمرين في قطاعات إنتاجية أن يخاطروا برؤوس أموالهم لإنتاج سلع عالية الكلفة، بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، ليطرحوها في سوق عاجز عن شرائها، فضلاً عن منافسة السلع الأجنبية ذات الكلفة الأقل التي يتم استيرادها بلا قيود.
كان ثمة “عقد اجتماعي” مضمر في نظام الأسد يقوم على تخلي المحكومين عن حريتهم وحقوقهم السياسية مقابل الأمان الاقتصادي النسبي في نظام “اشتراكي” في عهد حافظ الأسد، تحول إلى نظام “اقتصاد السوق الاجتماعي” في عهد ابنه بشار. وكانت أبرز تجليات تلك الاشتراكية يتمثل في دعم أسعار بعض السلع التي لا يمكن لعموم الناس الاستغناء عنها، كالخبز ومشتقات النفط والطاقة الكهربائية، كما كانت عقود الإيجار عموماً لمصلحة المستأجر، سواء تعلق الأمر بالشقق السكنية أو المنشآت التجارية. تصالحت أكثرية السوريين مع هذه المعادلة (الخبز مقابل الحرية) طوال عقود، وقمع النظام تمرد الإخوان المسلمين في مطلع الثمانينيات بصورة دموية، وفعل الأسد الابن مثلها مع ثورة 2011، فتفوق على أبيه في الوحشية، في توكيد على “العقد الاجتماعي” الفاسد المشار إليه، مع تراجع الأخير عن الطرف الثاني من المعادلة (الخبز) بصورة تدريجية، فبلغ الاستياء قاعدته الاجتماعية الضيقة نفسها في السنتين الأخيرتين، فانهار النظام. صحيح أن عزل بشار الأسد قد حدث، في أواخر 2024، بتوافقات خارجية أكثر مما بتمرد داخلي، لكن عوامل الانهيار كانت قد اكتملت بعد إخلاله بمعادلة “العقد الاجتماعي”.
اليوم، والحكم الجديد يسعى لفرض سيطرته على الجغرافيا السورية، وكان آخر فصولها في إخضاع مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، نلاحظ أنه لا يملك ما يمكن وصفه بالعقد الاجتماعي معلناً أو مضمراً. فالقول بأنه “حرر السوريين” لا يستقيم مع تجاهل مطالبهم وهواجسهم، ولا مع إخضاع الفئات غير الراضية بالقوة، ولا مع تقييد حياتهم الاجتماعية بدوافع دينية بعيدة عن الإسلام الشعبي المعتدل الذي عرف به مسلمو سوريا، فضلاً عن المكونات من غير العرب السنة. هنا يطلب من السوريين بمختلف انتماءاتهم التخلي عن الحرية بلا مقابل. فقوانين الاقتصاد الحر هي ما تبشرنا به السلطة في الوقت الذي لا يملك غالبية السكان موارد دخل. ولن يجدي إلهاؤهم بأخبار عن مشاريع استثمارية، أكثرها وهمي، في الوقت الذي ما زال مئات الآلاف من النازحين يعانون قسوة الحياة في مخيمات تتعرض دورياً للسيول.
لا يمكن لأي سلطة أن تستقر وتستمر في الحكم بلا عقد اجتماعي حتى لو كان مضمراً ومجحفاً من نوع “الخبز مقابل الحرية”
وقبل بضعة أيام أصدرت رابطة الصحافيين السوريين بياناً غاضباً يرفض ما قيل عن نية وزارة الإعلام في الحكومة الانتقالية بشأن إصدار “مدونة سلوك” للإعلاميين يهدف إلى تقييد عملهم. الأمر الذي أثار هواجس محقة بشأن نوايا السلطة في تقييد حرية الإعلام المفروضة الآن بحكم الأمر الواقع. قد تبرر السلطة هذه النوايا بوجوب مواجهة خطاب الكراهية السائد في الفضاءات العامة، لكن التجربة تقول إن السلطات بعمومها تستخدم هذا النوع من التقييد، لا بدافع المصلحة العامة، بل بدافع إسكات النقد وتكميم الأفواه.
الخلاصة أنه لا يمكن لأي سلطة أن تستقر وتستمر في الحكم بلا عقد اجتماعي حتى لو كان مضمراً ومجحفاً من نوع “الخبز مقابل الحرية”. فحين يطالب المحكومون بالتخلي عن الخبز والحرية معاً لا يمكننا أن نتوقع غير انهيار تلك السلطة بصرف النظر عمن يشغلها.
كاتب سوري
- القدس العربي


























