ليس مهماً ان لا يوزع البيت الابيض صورة للقاء بين الرئيس الاميركي باراك اوباما ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، تعبيراً عن الاستياء من استمرار بناء الوحدات الاستيطانية في القدس الشرقية. فذلك يبقى مسألة شكلية ما لم يقترن هذا الاستياء بأفعال على الارض، تجبر اسرائيل على الدخول في مفاوضات جدية مع الفلسطينيين وصولاً الى حل الدولتين.
هذه الافعال ليست ملموسة حتى الآن في السلوك الاميركي حيال اسرائيل. ففي ذروة الخلاف الاميركي – الاسرائيلي على الاستيطان في القدس الشرقية، صوتت واشنطن في مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة في جنيف ضد مشروع قرار يندد بالاستيطان في المدينة. وهو سلوك يناقض كل المواقف التي يطلقها المسؤولون الاميركيون ويعبّرون فيها عن معارضتهم الاستيطان في القدس الشرقية. لكن عندما يحين أوان الافعال تبقى الولايات المتحدة منحازة لاسرائيل. وقد يكون الاطمئنان الاسرائيلي الى ان واشنطن لن تتخذ في النهاية موقفاً لا يرضى عنه الاسرائيليون، هو مصدر الرفض الاسرائيلي للتوقف عن الاستيطان او اتخاذ خطوات ملموسة على الارض لتخفيف الضغط على حياة السكان الفلسطينيين سواء في الضفة او في قطاع غزة.
وما دامت حدود الضغط الاميركي معروفة ولن تتعدى الاقوال او التصريحات، فإن ما يبدو الآن تصعيداً ظاهرياً في اللهجة الاميركية لا يعدو كونه يخدم وظيفة واحدة تتمثل في توجيه رسالة الى الزعماء العرب في قمة سرت اليوم مفادها ان الولايات المتحدة تبذل جهدها من اجل انقاذ عملية السلام، وتالياً لا حاجة كي تتخذ القمة مواقف متشددة في ما يتعلق بالصراع العربي – الاسرائيلي، مثل سحب المبادرة العربية، او دعم المسعى الذي تلوح به السلطة الفلسطينية عبر الذهاب الى مجلس الامن او الجمعية العمومية للامم المتحدة للحصول على اعتراف بدولة فلسطينية تعلن من جانب واحد.
إذاً النبرة العالية التي استخدمتها الادارة الاميركية في الايام الاخيرة مع اسرائيل، ترمي الى عدم جعل السلطة الفلسطينية تتراجع عن قرار اجراء مفاوضات غير مباشرة عبر المبعوث الاميركي الخاص جورج ميتشل. وهي ترمي كذلك الى اقناع الزعماء العرب المجتمعين اليوم وغداً في سرت بعدم تشجيع الفلسطينيين على رفض الدخول في المفاوضات غير المباشرة التي تعتبرها ادارة اوباما الانجاز اليتيم الذي خرجت به بعد اكثر من سنة من الجهود الديبلوماسية المكثفة.
وعلى رغم ان من وجه الضربة القاضية الى الانجاز الاميركي، كان الاعلان الاسرائيلي عن مخطط لبناء 1600 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة رامات شلومو في القدس الشرقية، فإن واشنطن لم تفعل شيئاً ملموساً للرد على الخطوة الاسرائيلية. ولم تقم الحكومة الاسرائيلية بأي خطوة تساعد الولايات المتحدة على اقناع الفلسطينيين والعرب بجدية الرغبة الاسرائيلية في الدخول في مفاوضات غير مباشرة او مباشرة في شأن قضايا الحل النهائي. فحتى خلال وجود نتنياهو في البيت الابيض، كان يجري الاعلان في اسرائيل عن مخطط لبناء 20 وحدة استيطانية جديدة على انقاض فندق فلسطيني في القدس الشرقية.
ليس هذا فحسب، بل ان نتنياهو دخل الى البيت الابيض بعد ساعات فقط من اعلانه ان القدس الشرقية ليست مستوطنة وان البناء فيها هو مثل البناء في تل ابيب. وكان يرد بذلك على تحذير وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون من ان الاستيطان في القدس الشرقية يقوض صدقية واشنطن في الاضطلاع بدور في عملية السلام.
بيد ان الرد الاميركي على نتنياهو ليس مقنعاً وليس من النوع الذي يمكن ان يشكل عاملاً يرغمه على تغيير سياساته. والمخرج الوحيد الذي تراه الادارة الاميركية الآن، يتمثل كما هي العادة في ممارسة الضغط على الفلسطينيين والعرب كي يتأقلموا مع الوضع القائم منذ نحو 20 عاماً. التفاوض من اجل التفاوض والبقاء في نفق مسدود من الجهتين.
"النهار"




















