للمرة الاولى تعقد اليوم السبت (27/3/2010) في مدينة سرت الليبية قمة عربية بعد مرور ستة عقود على قمة انشاص التي عقدت في أيار 1946 تحت شعار مناصرة القضية الفلسطينية.
وقد اختلفت التفسيرات المتعلقة باختيار سرت بديلاً من العاصمة طرابلس.
بعضها عزا هذا الخيار الى الوضع الأمني المنضبط في مدينة ينتمي اليها الرئيس معمر القذافي بحيث أنه كاد يعلنها العاصمة الادارية آخر الثمانينات.
في حين ربط بعض المعلقين قرار تجاوز العاصمة الى خلوها من قاعة وسيعة كقاعة مؤتمر الشعب في سرت التي تتسع لأكثر من خمسين وفداً أفريقياً. اضافة الى خلوها من الفيلات والفنادق اللائقة لاستقبال الملوك والرؤساء. ومعنى هذا ان خيارات الدولة في العاصمة كانت محدودة ومحصورة بـ"فندق طرابلس" العتيق الذي نزل فيه الإمام المغيّب الصدر… وفنادق "الودان" و"المهاري" و"الاوتيل الكبير" و"كورنثيا" (تملكه شركة مالطية) و"انتركونتننتال" (ويدعى الغزالة وهو مملكوك من شركة خارجية).
وكانت هذه الظاهرة مثار تعليقات الاعلاميين الذين أدهشهم أن تكون استعدادات ليبيا الغنية بهذا الشأن لا تختلف كثيراً عن استعدادات كوبا الفقيرة. علماً بأن دخل ليبيا من النفط لا يقل سنوياً عن 52 مليار دولار. وانها قد تكون البلد العربي الوحيد المتحرر من أعباء الديون الخارجية. لهذا يتوقع الاقتصاديون أن يكون هذا المبلغ الضخم كافياً لتأسيس بنى تحتية حديثة يرتاح اليها خمسة ملايين ونصف مليون ليبي ينظرون بحسد الى الدول الاوروبية الواقعة على خطوط التماس مع شاطئهم الطويل.
مدراء اللجان الشعبية في ليبيا يقيسون ايقاع حركة الانفتاح على العالم الخارجي، بمقياس القذافي الذي أعلن السنة الماضية أنه طوى صفحة النزاعات مع الغرب ووعد بالمزيد من التغييرات السياسية والاقتصادية.
وشكّل خطابه الذي ألقاه في مدينة بنغازي لمناسبة احتفالات الثورة، مرحلة جديدة من مراحل تطور النظرية الجماهيرية. ووصف ذلك التطور بالقول انه قرر الغاء الادارات وتوزيع العائدات النفطية مباشرة على المواطنين. وقارن بين ثورة 1969 التي أطاحت العاهل ادريس السنوسي والثورة الفرنسية، مؤكداً عدم وجود حكومة في بلاده لأن المؤتمرات الشعبية هي التي تشترع وتنفذ. ومع انه وقّع مع رئيس وزراء ايطاليا سيلفيو برلسكوني معاهدة اعتذار علني عن الفترة الاستعمارية، إلا انه اعترف بأنه لا يتمتع بأي سلطة رسمية تخوله حكم ليبيا. ولكنه في الوقت ذاته استقبل وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس، وأجرى معها محادثات سياسية تميزت بالصراحة والرغبة في الانفتاح على الغرب. وخلال حواره مع أعضاء مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك – عقب القاء خطابه أمام الجمعية العمومية – تحدث القذافي عن حل القضية الفلسطينية عبر مشروع الدولة الواحدة "إسراطين".
الاحتجاج الوحيد على اختيار ليبيا هذه السنة مكاناً للقمة العربية الدورية، صدر عن رئيس حركة "أمل" رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري. وقد تعاطف معه في حملة الاحتجاج "حزب الله" وعدد من النواب الذين طالبوا بمقاطعة القمة رسمياً. وحجتهم ان القذافي لم يحترم حقوق الانسان ولا حرمة الضيافة، وإنما استمر في إنكار مسؤوليته عن تغييب ضيفه الإمام موسى الصدر مع مرافقيه منذ 31 آب 1978.
بعد مرور شهر تقريباً على ذلك التاريخ، وصل الرئيس معمر القذافي الى دمشق لحضور مؤتمر مصغر دعا اليه الرئيس حافظ الاسد بمشاركة الرئيسين الجزائري واليمني وياسر عرفات. وكانت الغاية من عقد ذلك المؤتمر، إسقاط مشروع السلام الذي طرحه الرئيس أنور السادات.
مساء ذلك اليوم فوجئ القذافي بوصول أربعة مشايخ شيعة، قدموا من بيروت على رأس تظاهرة قُدر طولها بـ15 كيلومتراً نقلت حافلاتها أكثر من مئة ألف نسمة، وبتدخل من الرئيس الراحل حافظ الاسد، استقبل الرئيس القذافي المشايخ الاربعة في فندق "شيراتون" حيث كان ينزل.
وكرر أمامهم رواية سفر الإمام بواسطة "اليطاليا"، معرباً عن أسفه لحادث الاختفاء خارج ليبيا. وبعد أن استفسر عن أصل الإمام الصدر، وما اذا كان عربياً أم ايرانياً بسبب ولادته في مدينة قم، حاول أن يرمي التهمة على جماعة الشاه باعتبار ان الامام كان نصيراً وناشطاً لمصلحة ثورة الخميني. وفي آخر اللقاء وعدهم القذافي بايلاء هذه المسألة الخطيرة كل اهتمام، مؤكداً انه سيرسل المعلومات التي يحصل عليها الى المجلس الشيعي الاعلى.
عقب انتهاء الحرب اللبنانية، حملت شخصيات ديبلوماسية عربية رسائل مختلفة الى زعماء الشيعة في بيروت، تشير الى رغبة القذافي في انهاء الازمة التي خلفتها حادثة تغييب الامام الصدر. واللافت ان تلك الرسائل حملت اشارات جديدة تزعم ان احدى المنظمات الخارجية هي التي قامت بعملية الخطف والتصفية اثناء انتقال الامام ورفيقيه الى الفندق. وتقول ايضا ان زعيم المنظمة مات خارج ليبيا. ولكن هذه الرسائل لم تنجح في تليين مواقف المطالبين بتصحيح الرواية المختلقة التي باعها النظام الى الرأي العام.
بعد زيارة امين عام الجامعة العربية عمرو موسى لبيروت، قررت الحكومة اللبنانية ان تتمثل في قمة سرت، ولو على مستوى السفارة. وانتدبت لهذه المهمة السفير لدى مصر والجامعة العربية خالد زيادة.
ويستدل من جدول اعمال هذه الدورة، ان مقرراتها لن تعتمد لاءات الخرطوم – كما أُشيع – قاعدة للرد على تحديات رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو. بل هي مضطرة الى صوغ استراتيجية عملية تمنع حكومة اليمين المتطرف من استكمال بناء مشروع تهويد القدس الشرقية قبل اعلانها سنة 2011 عاصمة نهائية موحدة لدولة اليهود.
تزعم الصحف الاسرائيلية ان رفض نتنياهو تجميد مشاريع الاستيطان جاء ردا على امتناع الرئيس باراك اوباما عن توريط بلاده في حرب مشتركة في ايران. كذلك امتنع عن تزويد القوات الاسرائيلية بقنابل خارقة للاعماق كالتي تستخدم في ضرب المفاعلات النووية المبنية تحت قمم الجبال.
ويتردد في واشنطن ان الاجتماعين المغلقين اللذين عقدهما اوباما مع نتنياهو، انتهيا على خلاف، الامر الذي ينبىء بظهور شرخ في العلاقات الأميركية – الاسرائيلية، خصوصا ان اتهامات نتنياهو تجاوزت حدود اللياقة عندما اعتبر الرئيس الاميركي مسؤولا عن تحريض الحكومات الاوروبية على طرد ديبلوماسيين اسرائيليين قاموا باستنساخ جوازات سفر عملاء "الموساد" الذين اغتالوا المبحوح في دبي.
وبالمقارنة مع الخلاف العميق الذي حصل في خريف 1991، بين اسحق شامير وجورج بوش الاب، يتوقع المراقبون أن يستنفر نتنياهو "كَوْرس" اسرائيل في الكونغرس، اضافة الى جماعة "ايباك" بهدف التأثير على قرارات الرئيس الاميركي.
يقول جيميس بايكر في مذكراته ان شامير كان يستقبله دائما باقامة مستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد أغضبت هذه السياسة الاستفزازية الرئيس جورج بوش الاب، ودفعته الى تأجيل قرض العشرة مليارات دولار لاسرائيل. ولم يهتز او يتراجع امام تهديد شامير الذي ادعى بأن الربط بين القرض وعملية السلام، سيقنع العرب بضرورة التشدد. وما كان من بوش الا الاحتكام الى الكونغرس والشعب الاميركي. وقد أعانه الاثنان على ربح معركة مؤتمر السلام الذي عقد في مدريد.
يجمع الديبلوماسيون العرب في واشنطن على القول ان الظروف السياسية والاقتصادية التي احاطت بعهدي بوش الأب واوباما، ظروف مختلفة على كل المستويات. ذلك ان الموقف الصلب الذي وقفه بوش حيال تحدي شامير، كان مدعوما بثلاثة عوامل مؤثرة: اولا انتصاره في حرب الكويت ضد غزو صدام حسين. ثانياً: انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفياتي، ثالثاً: وجود فائض في خزينة الدولة.
ومثل هذه العوامل ليست متوافرة لدى اوباما الذي يوظف خطاباته الآسرة لتغطية عجز في الميزانية بلغ (2٫280 تريليوني دولار). كما يوظف سياسته المعتدلة لخوض حروب خاسرة في افغانستان وباكستان.
لهذه الاسباب وسواها تتطلع الولايات المتحدة والدول الاوروبية الى القمة العربية كنصير لاوباما في حربه ضد تعنّت نتنياهو وادعاءته بأن القدس بشقيها الغربي والشرقي هي ملك اليهود منذ ثلاثة آلاف سنة.
وقد استند في مزاعمه الى قرار الحكومة الاسرائيلية (27/6/1967) وموافقة الكنيست على ضم القدس كلها الى اسرائيل، سياسياً واداريا (القرار الرقم 2064) ومنذ ذلك التاريخ باشرت السلطات المحتلة بالاستيلاء على الاراضي والاملاك والعقارات في القدس الشرقية، وطرد اكبر عدد ممكن من السكان. ثم قامت بمصادرة 116 دونما تابعة للوقف الاسلامي تضم اكثر من ستمئة عقار.
وفي 25/7/1967 قامت السلطات الاسرائيلية بإجراء احصاء سكاني للعرب الموجودين في القدس واجبارهم على اعتماد الهوية الاسرائيلية خلال فترة لا تتجاوز الثلاثة اشهر. واعتبرت ان كل مواطن غير موجود في القدس اثناء فترة الاحصاء لا يحق له العودة الى القدس. وقد شمل ذلك القرار مواطنين يفوق عددهم المئة الف شخص من نازحي 1948 و1967.
بقي ان نذكر ان عدد اليهود في القدس عام 1170 كان اربعة اشخاص فقط. وقدر الرحالة تودنغ فرانكل عددهم سنة 1856 بخمسة آلاف شخص. واليوم يقدر عددهم بأربعمئة الف نسمة. وللاستيضاح عن اسباب ضمور اعداد السكان الاصليين، لا بد من مراجعة الخطب الرنانة الطنانة التي القيت في المؤتمرات العربية بدءا من قمة انشاص (1946) وانتهاء بقمة سرت!
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)
"النهار"




















