في واقعٍ سوريّ ملتبس، حيث الظاهر مجرّد ستار والجوهر يكمن في ما بَطُن، يتحوّل كلُّ تحركٍ دبلوماسي أو عسكري مادةً لقراءة سياسية تتجاوز ظاهر الخبر إلى دلالته. ومن الجلي أنّ دبلوماسية الصور والرموز باتت بديلاً أقلّ كلفة من الالتزام الصارم، لكن من دون تغيير حقيقي على الأرض، لتبدو سورية اليوم وكأنها تمشي على رمالٍ متحرّكة: كلُّ خطوة قد تكون تقدّماً محسوباً، وقد تكون، في الوقت نفسه، غرقاً أعمق في هشاشةٍ ممتدّة منذ أكثر من عقد. وعليه، تُصاغ معالم السياسة السورية الحقيقية خلف أبوابٍ موصدة، في قاعاتٍ لا تعكسها الشاشات، ولا تلتقط همساتها العدسات، حيث تُوزن المفردات لا بجمالها البلاغي، بل بقدرتها على التحوّل إلى قرارات نافذة في بلدٍ طالما أثقلته الشعارات الصاخبة وخذلته الأفعال الشحيحة.
وبين عودة اللقاءات الدولية فجأة إلى الواجهة تزامناً مع خطابات حماية “الأقليات”، ذات الإيقاع الصاخب في المنابر الغربية، وانسحابات عسكرية تعيد رسم خرائط النفوذ بلا بدائل واضحة، تتكشّف مفارقة السياسة الدولية في سورية: كثافة الرموز مقابل شحّ الأفعال القابلة للقياس. السردية المتصلة هنا لا تبحث عن حدثٍ واحد، بل ترصُد ديناميةً صامتة تعيد ترتيب التموضع الغربي، بحيث يتراجع الحضور العسكري المباشر من دون أن يتلاشى التأثير. إنها استراتيجية تقوم على إدارة المسافة: تقليص الانخراط العلني، مقابل تشديد أدوات الضغط السياسي لتقييم سلوك دمشق، مع إبقاء أوراق النفوذ جميعها معلّقة، بين ما يُرى وما يُخفيه الواقع.
بداية، وعلى هامش أعمال مؤتمر ميونخ للأمن الدولي، عقد وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، اجتماعاً مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، لتأكيد دور المملكة لاعباً محورياً في صياغة توازنات الشرق الأوسط، بحضور قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، الذي اجتمع مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ولم يكن اللقاءان مجرّد تبادل تحيات بروتوكولية عابرة، بل لحظة شديدة الرمزية، تتشابك فيها رسائل الرغبة الدولية في ضبط مسار التفاهم الداخلي، بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، على نحو يوحي بأنّ ما يُقال هو أقلّ أهمية مما يُفهم بين السطور، ولكن الدلالة الأهم كانت في غياب أي ضمانات أمنية فعلية، أو آليات حماية واضحة، تتحول إلى ترتيبات ردع أو استقرار ملموس. بالتالي، ليس السؤال عمّا إذا كانت “قسد” قد انتهت، بقدر ما هو الشكل الذي ستخرُج به في المرحلة المقبلة، فالتاريخ القريب علّم السوريين أنّ الكيانات لا تنهار دائماً بضربة واحدة، بل تذوب تدريجياً حين تتبدّل شروط حمايتها، وتضيق هوامش المناورة أمامها. “قسد” اليوم لا تبدو في لحظة أفولٍ درامي، لكنها، بالتأكيد، لم تعد في ذروة صعودها السياسي والعسكري كما كانت في سنوات المواجهة الكبرى مع تنظيم الدولة الإسلامية، بينما تقرأ دمشق المشهد ببرودٍ طويل النفس، إذ لا تمثّل “قسد” خصماً وجودياً بقدر ما تمثّل مشكلة سيادية مؤجّلة. ومن هذا المنطلق، تُفضّل تحويلها من كيان سياسي – أمني له واجهة إدارة ذاتية، إلى قوة محلية مندمجة في بنية الدولة، وبصيغة مرنة تُبقي شكلاً من أشكال الإدارة المحلية، وتفكيك بعدها السياسي المستقل، كي لا تطمع “الأقليات” الأخرى بمشاريع جريئة مماثلة.
في الحسابات الباردة، تدرك أميركا أنّ الانخراط العميق في سورية لم يعد أولوية استراتيجية قصوى، لكنها في الوقت نفسه لا تريد فراغاً كاملاً يملؤه خصومها
بالتساوق مع ما تقدّم، يعود ملف “حماية الأقليات” إلى تصدّر المشهد السياسي مع ارتفاع حرارة المنافسة الجيوسياسية في الإقليم. وفي الكواليس الهادئة لواشنطن، حيث تُدار السياسات قبل أن تُعلن، تحولت الجلسات المغلقة داخل الكونغرس الأميركي إلى مختبرٍ حقيقي لإعادة صياغة الرؤية الأميركية تجاه سورية، ليس لأنّ الملف المأزوم عاد فجأة إلى واجهة الاهتمام، بل لأنّ تراكُم الأسئلة بات أثقل من قدرة الإدارة على الاكتفاء بخطاب “إدارة الأزمة”.
في هذا المناخ، بدا الكونغرس وكأنه يحاول إعادة الإمساك بمقود السياسة عبر مقاربة مشروطة تنفي أي انفتاح سياسي أو تخفيف ضغوط اقتصادية بلا تقدّم ملموس في حماية “الأقليات”، وتلغي أي حديث عن استقرار مستدام من دون مسار حقوقي قابل للقياس، لكنّ هذه اللغة الصارمة تصطدم بواقعية السياسة الخارجية، فداخل الكونغرس نفسه، تتجاور مقاربتان: الأولى ترى في الشروط الصارمة وسيلة ضغطٍ ضرورية لمنع تكريس استقرار قسري يُدار بالقوة؛ والثانية تحذّر من أنّ الإصرار على معايير عالية في سياق هشّ قد يطيل أمد الجمود ويضاعف كلفة المعاناة. وبين المقاربتين، يُصاغ حلّ وسطي: تخفيف تدريجي مع مكابح تشريعية تسمح بإعادة تشديد الضغط، إذا تبيّن أنّ التزامات الحماية بقيت حبراً على ورق.
يعود ملف “حماية الأقليات” إلى تصدّر المشهد السياسي مع ارتفاع حرارة المنافسة الجيوسياسية في الإقليم. وفي الكواليس الهادئة لواشنطن
ما يميّز هذه الجلسات أنّها تُنتج عناوين برّاقة أكثر مما تُنتج سياسات فورية فاعلة. وفي الخلفية، يظلّ السؤال المركزي: إلى أي مدى تستطيع أميركا ترجمة خطاباتها إلى نهجٍ عملي ذي مؤشرات واضحة وقابلة للتقييم، من دون الانزلاق في مستنقع التدخل المباشر؟ هذا التحفّظ لا يعني بالضرورة انقلاباً على أحمد الشرع، لكنه يعني انتقال واشنطن من منطق الرهان على الرجل إلى منطق التعويل على السلوك. أما المآلات المحتملة لهذا المسار فثلاثة. الأول، سيناريو التقدّم المتدرّج: خطوات محدودة تفتح الباب أمام تخفيف ضغوط محسوب، مع استمرار الرقابة والتقييم. الثاني، سيناريو الجمود المُدار: لا اختراقات كبرى ولا انهيارات، بل حالة اختبار طويلة تُستخدم فيها ورقة حماية “الأقليات” لإبقاء خطوط الضغط قائمة. الثالث، سيناريو الارتداد: انتكاسات أمنية وحقوقية تدفع الكونغرس إلى شدّ اللجام، وإعادة تفعيل أدوات الردع التشريعي.
على التوازي، يأتي الانسحاب الأميركي من قاعدة التنف، ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، ما يفتح باب التساؤل حول قدرة الحكومة السورية على ملء الفراغ الذي كان يوفره الوجود الأميركي في مواجهة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتداعيات الحدود الملتهبة الشاسعة. ففي الحسابات الباردة، تدرك أميركا أنّ الانخراط العميق في سورية لم يعد أولوية استراتيجية قصوى، لكنها في الوقت نفسه لا تريد فراغاً كاملاً يملؤه خصومها. بهذا المعنى، ليس انسحاب واشنطن من التنف مجرّد خروج من قاعدة، بل تحوّلاً من حضور عسكري إلى أدوات أقلّ ظهوراً: استخبارات، تنسيق إقليمي، وضغط سياسي مشروط. لذلك، هي توازن بين الغياب والحضور: تنسحب من موقع، وتبقي على أداة ضغط؛ تخفّف كلفة، وتشدّد شرطاً، وفي هذه المسافة، تحديداً، سيُرسم شكل العلاقة المقبلة بين دمشق وواشنطن.
وعند التدقيق، يتبيّن أنّ ما يبدو أحداثاً عبثية ليس سوى إشارات متناغمة لمرحلة جديدة في إدارة الملف السوري. مرحلة تخفت فيها الأدوات الخشنة لصالح ضغطٍ سياسي مشروط، تُربط خيوطه بحسابات دقيقة، ويُعاد فيها توزيع الأدوار بين لاعبين يضبطون إيقاع المخاطر، لتجميل ملامح الهزيمة، من دون السعي لانتصاراتٍ برّاقة لم يعد يصدّقها أحد. بالمختصر، ما يجري اليوم ليس عرضاً فاقعاً لإدارة الرماد السوري منعاً لاشتعال حرائق جديدة، ولا إنذاراً يوحي بانفجارٍ وشيك، بل محاولة هادئة لإعادة رسم خرائط الاشتباك، وتحديد حدود الممكن والممنوع. إنّه تعديل في قواعد اللعبة أكثر منه تغييراً في اللاعبين. وعلى أرضٍ رخوة تتبدّل تضاريسها مع كلّ ريحٍ إقليمية ودولية تصبح الخطوة غير المحسوبة مقامرة ثقيلة الكلفة؛ فالرمال المتحرّكة لا تبتلع فقط من يندفع إليها، بل قد تشدّ أيضاً من يظنّ أنه يقف على حافتها بأمان.
- العربي الجديد

























