عايش كاتب هذه السطور، قبل أيام، تجربة حيّة مع “إحصاء” أجراه موظفون يتبعون لمحافظة دمشق. حيث تم سؤاله عن الحالة العمرية والأسرية والصحية والسكنية. وطُرحت عليه أسئلة استغربها، عن تاريخ زواج والديه، وأسماء جدَّيه وجدتَيه. لكن سؤالاً لم يُطرح عليه، كان سبب استياء وحساسية ملحوظة من جانب بعض جيرانه. عن الانتماء الديني والطائفي.
لم يُسأَل السوريون عن انتماءاتهم الدينية والطائفية الدقيقة، في إحصاء سكاني رسمي، منذ العام 1960. لذلك من المفهوم لماذا أثار هذا السؤال، هذه المرة، عدم تفهّم الكثيرين ممن عايشوا هذه التجربة، وفق حدود إطلاع كاتب هذه السطور. ورغم “الحس الطائفي” العميق المتجذر في أوساط السوريين، خلافاً للكلام المنمّق الذي يتم تداوله علناً، إلا أنهم لطالما عالجوا سؤال الانتماء “الطائفي”، بحساسية مفرطة، في احتكاكاتهم الاجتماعية العامة. ومن الصعب الجزم إن كان ذلك نتاج عقود من منع “التطييف” رسمياً، رغم وجوده واقعياً في الممارسات السلطوية، أم أن ذلك نتاج ما تذهب إليه الممارسات المعاصرة في مجال الإحصاء السكاني، حول عدم جواز طرح السؤال الديني والطائفي بصورة رسمية. بغية تعزيز حسّ المواطنة. فهذا السؤال لم يتم التفكير فيه، بالمجال العام السوري، قبل ذلك. هل يجب سؤال السوريين عن انتماءاتهم الدينية والطائفية، في الإحصاءات الرسمية؟ أم أن ذلك يعزّز الهويات ما دون الوطنية؟ ما يمكن الجزم به، هو أن عدم النقاش الرسمي حول هذه الهويات، على مدار عقود، لم يكن مفيداً في خفض سوية الحس ما دون الوطني، لدى السوريين، بل ربما على العكس. وذلك جراء الممارسات الفعلية للسلطة، بطبيعة الحال، لا بسبب عدم طرح السؤال عن الانتماء الديني أو الطائفي رسمياً.
في التعداد السكاني الذي أجراه العراق عام 2024، لم يتم إدراج أسئلة تتعلق بالانتماء العرقي والطائفي، تجنباً لحدوث “أي انقسام داخل المجتمع”، وفق وصف المسؤولين حينها. وتبدو تجربة العراق مثالاً يذهب بنا إلى أن “الحس الطائفي” العميق لدى مواطني دولة ما، هو ما يجعل السؤال عن الانتماء الطائفي غير جائز، وليس العكس. أي أن السؤال “الطائفي” رسمياً، لا يؤدي إلى تعزيز الحس بالانتماء ما دون الوطني، بالضرورة، إلا إن كان هذا “الحس”، أساساً، مرتفعاً.
في دول الغرب، تنقسم الممارسات بهذا الشأن. ففي حين تمنع دول كفرنسا والولايات المتحدة السؤال عن الدين والطائفة والعرق في الإحصاءات الرسمية، تذهب دول كبريطانيا، إلى طرحه، لكن بصورة اختيارية. وفي نموذج ثالث، طُرح هذا السؤال في إحصاءات سكانية قريبة، بألمانيا. وقد أثار جدلاً كبيراً وانتقادات كثيرة، من جانب ساسة ونشطاء. وهكذا فإن الجزم بعدم صوابية طرح السؤال عن الدين والطائفة والعرق، ليس قضية محسومة في ممارسات دول تقدمت لديها الثقافة الديمقراطية، مجتمعياً ومؤسساتياً.
بالعودة إلى التجربة الحيّة التي عايشها كاتب هذه السطور، وبحثاً عن سرّ الحساسية والانزعاج، وصولاً إلى رفض البعض الإجابة عن “السؤال الطائفي”، كان مستوى ملحوظاً من عدم الثقة حيال السلطات الرسمية، يمكن تلمّسه. وهي قضية مفهومة للغاية، في الحالة السورية. ورغم الحديث عن أثر سقوط نظام الأسد، الإيجابي، في خلق مساحة أفضل من التفاعل بين الجمهور والسلطة، إلا أن حالة عدم الثقة الموروثة، جليّة في كثيرٍ من الممارسات اليومية. كما كان من الجلّي أيضاً، عدم امتلاك الشباب والشابات، المكلفين بإنجاز عملية الإحصاء، المهارات المطلوبة لخلق جو مقبول من الثقة مع من يسألونهم.
أما أكثر ما كان ملفتاً، هو أن كاتب هذه السطور سمع سابقاً، وعلى نطاق ضيق، عن إحصاء تجريه محافظة دمشق في بعض الأحياء. لكنه لم يقع على إعلان رسمي أو تحضير للرأي العام المحلي، حياله. وتظهر هنا إشكالية خطيرة في التطبيق. إذ لا خلاف مطلقاً حول الأهمية الكبيرة لإجراء إحصاء يرصد حالة السكان، العمرية والسكنية والاقتصادية والصحية، بغية ترشيد عملية صنع القرار عبر فهم الواقع بصورة دقيقة. وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع طرح السؤال عن الدين والطائفة، يبقى أن هكذا إجراء، كان يجب تحضير الرأي العام المحلي له، عبر القنوات الإعلامية الرسمية. ناهيك عن الجدل الحقوقي الذي يمكن أن تثيره أسئلة من قبيل الدين والطائفة، من زاوية حق من يتم سؤالهم في رفض الإجابة. وهو أمر حدث مراراً في تجارب دول متقدمة للغاية على صعيد الممارسة الديمقراطية، وحيث لا يشكّل السؤال الطائفي هذه الحساسية لدى شعوبها، كتلك الحساسية التي يسببها لدينا. وهو ما يقودنا للسؤال من زاوية مختلفة. ما الغاية من طرح السؤال عن الانتماء الديني والطائفي الدقيق؟ في تجارب دول متقدمة ديمقراطياً، يستهدف هذا الطرح، تقدير طبيعة التنوع الديني والطائفي في البلد. وهو أمر مغرٍ في الحالة السورية، التي لطالما كانت النسب “الطائفية” التقديرية المتداولة فيها، مثار استثمار سياسي، زاخر بالتضخيم أو التسخيف لهذه النسب، حسب الهوية الطائفية لـ”المستثمر”.
في حالة إحصاء محافظة دمشق، من الصعب فهم الغاية من السؤال الطائفي. لكن دعونا نقرّ بأنه من المغري معرفة النسب الحقيقية للتوزع الديني والطائفي والعرقي في سوريا. مما يقودنا إلى سؤال آخر: هذه النسب “الحقيقية”، هل ستكون متاحة للجمهور، أم ستبقى حبيسة هامش صغير من المطلعين عليها، بصورة تخدم هذا “الهامش” فقط؟ بكلمات مباشرة أكثر، هل ستكون هذه النسب أداة للتقييم والاستثمار من جانب السلطة، أم ستُطرح بشفافية للجمهور؟ وإلى أي حد هذه النسب “حقيقية”، خصوصاً مع ما عايشه كاتب هذه السطور من أداء غير موفق من جانب منفّذي هذا الإحصاء. إذ لم يُسأَل عن انتماءه الديني أو الطائفي، فيما سُئل معظم جيرانه، وتم إعلام المعترضين على هذا السؤال، أن التطبيق الالكتروني الذي يستخدمونه في تسجيل البيانات، مصمم بصورة يجعله لا يعمل من دون استكمال جميع الأسئلة، بما فيها السؤال الطائفي. الأمر الذي يحيل كاتب هذه السطور إلى نتيجة. هو أن من أجروا الإحصاء معه، تجنبوا سؤاله عن انتماءه الطائفي، بعد أن عرفوا أنه يعمل بالإعلام، فقدّروا انتماءه، بناء على ما يوحي به اللقب العائلي. وهذا التصرف، إن كان مكرراً على نطاق واسع، فهذا يعني أن دقة البيانات المجموعة، مشكوك بها إلى حد كبير.
في بعض التوجهات المعاصرة حول أهداف “الإحصاءات” السكانية الرسمية، يُنظر إلى عامل استعادة الثقة بين “الدولة” والجمهور، بوصفه إحدى تلك الأهداف. خصوصاً في تجارب الدول الخارجة من نزاع. وهو ما كانت محافظة دمشق غير موفقة فيه، مطلقاً. إذ توحي طريقة تنفيذ “إحصائها”، وكأن السوريين “رعية”. فـ”الفوقية” في عملية التنفيذ كانت جليّة، لا في طريقة تفاعل الكادر المنفّذ فقط، وفق التجربة المعاشة، بل أيضاً، في عدم طرح نيّة إجراء الإحصاء وغاياته وأسئلته الحسّاسة للنقاش العام، قبل تنفيذه، وخلال عملية التنفيذ.
- المدن

























