في أحاديثنا اليومية نلجأ أحياناً إلى استخدام مقولات وعبارات متناقضة في أحكامها. تبدو العملية انتقائية، بهدف إثبات وجهة نظرنا في موقف محدد، أو تماشياً مع مزاج معين.
فعلى سبيل المثال، إذا أردنا أن نُلقي باللائمة على مجتمع ما ونبرّئ حكامه، قلنا: «كما تكونوا يُولّى عليكم»، بمعنى أن هذا الحاكم صنيعة هذا الشعب. أما إذا رغبنا في تبرئة المجتمع وإلصاق كل عيوبه بالحاكم، قلنا: «الناس على دين ملوكها». فهل من أجل هذا تم ابتكار المقولتين، أم أن هناك احتمالاً آخر؟
كما تكونوا يُولّى عليكم
في هذه الأيام تتعرض الحكومة السورية الجديدة لأشرس أشكال الهجوم والتجييش من أولئك الذين يعتقدون أنهم ضحّوا كثيراً خلال سنوات الثورة، ولم يحصلوا على وظيفة حكومية تتناسب مع تضحياتهم. وبغض النظر عمّا إذا كانت مطالبهم محقّة أم لا، فإن هؤلاء يضعون الحكومة تحت ضغط هائل، ويدفعونها دفعاً إلى توسيع القطاع العام بدلاً من تقليصه كما كانت تخطط في البداية.
ومن جهة أخرى، ومع ازدياد شعور الطبقة الفقيرة بالهشاشة الاقتصادية، تتصاعد مطالب الجماهير بتدخل الدولة في ضبط الأسعار، وحماية المستهلك، ودعم بعض المواد الأساسية، وكلها مطالب ذات طابع اشتراكي، وهو ما يتعارض مع الرغبات المعلنة للحكومة.
وإذا اعتبرنا أن المجتمع، من خلال هذه الضغوط، يختار نظامه الاجتماعي، فإن العادات الموروثة من عهود الاستبداد قد تدفع باتجاه نظام سياسي يتناسب مع تلك العادات. فمع الزمن تتشكل لدى الشعوب المقهورة أنماط سلوكية خاصة تميزها عن الشعوب الحرة، مثل تقديس الدولة بدلاً من تقديس القانون (الدولة ككيان أبوي لا كعقد اجتماعي)، والنظر إلى الخوف على أنه حكمة، والسعي إلى النجاة الفردية بدلاً من الفعل الجماعي، وانتشار الارتياب المتبادل.
هذه العادات تتكوّن كآليات للبقاء، لا نتيجة لعيوب أخلاقية، لكنها في المحصلة تشكل إحدى قوى العطالة التي تعيق تطور النظام السياسي.
ولعل هذا ما دعا مونتسكيو إلى القول: «عادات الشعب المستعبد جزء من عبوديته، وعادات الشعب الحر جزء من حريته». فالاستبداد لا يعيش فقط في القصر أو في أجهزة القمع، بل يتجذر في العادات اليومية للناس، كما أن الحرية لا تُختزل في الدساتير، بل تسكن في السلوك اليومي والذهنية العامة.
لا يوجد نظام سياسي في العالم لا يسعى إلى فرض القيم والمعتقدات التي تخدم خطه السياسي.
الناس على دين ملوكها
على المقلب الآخر، في أحد أشهر تعريفات السياسة، يقال إن السياسة هي «التخصيص السلطوي للقيم»، أي إن السياسة في نهاية المطاف هي الأداة التي يمكن من خلالها فرض قيم معينة على المجتمع. وفي سياق مشابه، يرى غرامشي أن «الحاكم لا يحكم بالقوة فقط، بل بجعل قيمه تبدو طبيعية».
في سوريا، على سبيل المثال، صارت الطاعة تُقدَّم بوصفها عقلانية، وأصبحت الفوضى مرادفاً للحرية، وغدا الاستقرار مبرراً لأي ظلم. وكل ذلك بات يبدو طبيعياً في وعي قطاع واسع من المجتمع.
في الواقع، لا يوجد نظام سياسي في العالم لا يسعى إلى فرض القيم والمعتقدات التي تخدم خطه السياسي. فالأنظمة لا تفرض قيمها بالقوة المباشرة فقط، بل عبر منظومة متكاملة تجعل هذه القيم تبدو طبيعية وبديهية. فالهيمنة على التعليم تمنح الحكومات إمكانية إعادة تشكيل الوعي، وكذلك احتكار الخطاب الإعلامي، الذي يلجأ غالباً إلى تكرار مفاهيم معينة حتى تصبح مألوفة. أضف إلى ذلك توظيف القانون ليصبح أداة لتكريس قيم محددة وتجريم السلوكيات المخالفة للقيم الرسمية.
وفي هذا السياق، لا يمكن التوهم بأن الأنظمة الديمقراطية محايدة بالكامل. غير أن الفرق لا يكمن في وجود فرض للقيم أو عدمه، بل في طبيعة القيم المفروضة، وآليات الفرض، وحدود السلطة، وإمكانية الاعتراض عليها.
في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد»، يفترض هربرت ماركوز أن المجتمعات الصناعية المتقدمة يمكن النظر إليها باعتبارها مجتمعات شمولية من نوع خاص. فعلى خلاف الأنظمة الشمولية التي قمعت مواطنيها بالرعب والوحشية الصريحة، تسيطر المجتمعات الصناعية المتقدمة على مواطنيها من خلال التلاعب بالاحتياجات المنتشرة في كل مكان، وهو ما أصبح ممكناً بفضل التكنولوجيا الحديثة، ليخلق ما أسماه ماركوز «لا حرية مريحة، وناعمة، وعاقلة، وديمقراطية».
عندما يستقر الحكم وتطول مدته، وتُحتكر أدوات العنف والإعلام والتعليم، ويُكسر المجال العام، ويُعاد تشكيل الوعي، تصبح مقولة «الناس على دين ملوكها» التعبير الأدق.
الأقوى يصنع الأضعف
رغم التناقض الظاهر بين مقولتي «كما تكونوا يُولّى عليكم» و«الناس على دين ملوكها»، فإن المقولتين في الواقع تمسكان بطرفي علاقة واحدة معقدة بين المجتمع والسلطة؛ علاقة تأثير متبادل. فالعلاقة ليست خطاً مستقيماً، بل دائرة تغذية راجعة: مجتمع بخصائص معينة يُفرز سلطة تشبهه أو تستغل نقاط ضعفه، ثم تستقر السلطة وتعيد هندسة القيم والتعليم والخوف، فيتكيّف المجتمع ويصبح أكثر شبهاً بالسلطة، وهكذا ندخل في حلقة الاستبداد.
يمكن القول إن المقولتين صحيحتان، لكن كل واحدة منهما تصف مرحلة مختلفة. فعندما تكون السلطة في مرحلة التأسيس، تكون مقولة «كما تكونوا يُولّى عليكم» أقرب إلى الصواب؛ إذ تضطر الحكومات الناشئة غالباً إلى استرضاء الجماهير والتشكّل وفق مزاجها وطباعها وعاداتها، لأن المجتمع في هذه المرحلة يكون متنوع القوى ولم يُكسر بعد. وهنا يمكن القول إن المجتمع هو الذي يصنع حكامه.
أما عندما يستقر الحكم وتطول مدته، وتُحتكر أدوات العنف والإعلام والتعليم، ويُكسر المجال العام، ويُعاد تشكيل الوعي، تصبح مقولة «الناس على دين ملوكها» التعبير الأدق. ومع ذلك يبقى التأثير في الحالتين نسبياً، يختلف من مجتمع إلى آخر، ومن حكومة إلى أخرى. مع التنبيه إلى أن كل ما سبق يتعلق بتفاعلات البيئة الداخلية، دون التطرق إلى معطيات البيئة الخارجية التي تلعب دوراً لا يُستهان به في تأطير الأنظمة حديثة النشأة.
باختصار، عندما تكون السلطة ناشئة ولم تتمكن بعد من فرض نفوذها الكامل وإحكام قبضتها، تكون الغلبة للمجتمع. أما عندما تستقر الحكومة وتمسك بزمام الأمور، فإنها تصوغ المجتمع – ولكن إلى حدّ معين.
وعليه، يمكن القول إننا في سوريا اليوم نعيش مرحلة يكون فيها المجتمع أكثر تأثيراً في تشكيل حكامه، قبل أن تستقر معادلة القوة بشكل نهائي.
- تلفزيون سوريا






















