في محاولة لإخفاء حالة العزلة الإقليمية التي وُضعت فيها دولة الاحتلال، تحدّث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أول من أمس، عن محور جديد تُشكّله إسرائيل بالتنسيق والتعاون مع الهند وعدة دول عربية وأفريقية ومتوسطية، وقد أخفى أسماء وذكر أخرى، مثل اليونان وقبرص. ولا يكون صعباً على أيّ مراقب للمشهد أن يتوقّع المقصود بالدولتَين العربية والأفريقية اللتَين أشار إليهما نتنياهو في حديثه.
المفارقة أنّ حكومة نتنياهو اليوم، وهي تتحدّث علناً عن نصر كبير ضدّ ما كان يُطلق عليه محور الممانعة بقيادة إيران، ونجاحها في تفكيك هذه الشبكة الإقليمية وضرب نفوذها من خلال إسقاط نظام بشّار الأسد وتدمير القدرات العسكرية لحزب الله، وملاحقته حتى اليوم سياسياً وعسكرياً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حركة حماس التي يصرّ الأميركيون والإسرائيليون على تجريدها بصورة كاملة من سلاحها في غزّة، وعلى القضاء على وجودها السياسي والعسكري على السواء؛ فإنّه (نتنياهو) لم يذكر بصورة صريحة ما المقصود بما أطلق عليه “المحور السنّي” الذي يتشكّل، ومن الواضح أنّه تجنّب ذلك متعمّداً.
ألمح نتنياهو إلى غضبه من اختيار السعودية “المحور الراديكالي الآخر”، أي العلاقة مع تركيا
سبق أن أشار نتنياهو إلى خصوم إسرائيل ممّن وصفهم بالحركات السنّية الراديكالية، مشيراً، بالطبع، إلى جماعة الإخوان المسلمين، في اجتماعات سابقة مع جماعات مسيحية صهيونية، بينما يقفز اليوم عن تعريف المقصود بالمحور السنّي الناشئ؛ لأنه (على الأغلب) يقصد شيئاً آخر هذه المرّة من دون التصريح به: محور وصفه بالناشئ، ويعني به تركيا والسعودية ومصر وقطر والأردن، بالإضافة إلى النظام السوري الجديد. وقد ألمح نتنياهو (في مقابلات سابقة) إلى غضبه من اختيار السعودية ما سماه “المحور الراديكالي الآخر”، والمقصود العلاقة مع تركيا.
يأتي التحوّل الجديد معاكساً تماماً النظرية التي تبنّاها نتنياهو داخلياً وإقليمياً وروّجها؛ أنّ المسرح الإقليمي سيكون خالياً للهيمنة الإسرائيلية بعد الحرب على غزّة، وأنّ إسرائيل ستغيّر وجه الشرق الأوسط. حتى التعاون الإقليمي والاتفاقات الإبراهيمية واستدخال إسرائيل في النظام الشرق أوسطي الجديد، فإنّه (وفقاً لتلك الرؤية) سينبثق من التفوّق العسكري وفائض القوة الإسرائيلية في المنطقة، مع فرض شروط أمنية جديدة على الجوار، وتجاهل حلّ القضية الفلسطينية، والمضي في السيطرة والضمّ في الضفة الغربية.
ما حدث أنّ ما أطلق عليه “المحور السنّي الراديكالي” قام لملء الفراغ واستعادة توازن القوى، في الحدّ الأدنى في المجال الدبلوماسي، وتشكّلت ما يُطلق عليها “المجموعة العربية الإسلامية”، التي تضمّ الدول السابقة، بالإضافة إلى دول أخرى مثل إندونيسيا وماليزيا وباكستان. ولم تكن هذه الدول في أيّ وقت سابق لاعباً تقليدياً أو رئيساً في شؤون الشرق الأوسط، وكان دخولها إلى هذه المعادلة بهدف دعم محور “السعودية – تركيا” المواجه لإسرائيل، وفي محاولة لتوسيع قاعدة التحالفات المضادّة لمشروع الهيمنة الإسرائيلية؛ وهو تطوّر مهم وجديد وعلى درجة عالية من الأهمية.
ربّما يشير نتنياهو أيضاً إلى التطوّر الكبير في العلاقة بين السعودية وتركيا خلال الفترة القصيرة الماضية، وحجم التعاون العسكري والاقتصادي المشترك بين الدولتَين، ودخول باكستان على الخطّ من خلال اتفاقية التعاون العسكري مع السعودية، وكذلك التقارب الباكستاني – التركي، ثم رفع منسوب التعاون العسكري والسياسي الأردني – التركي إلى مرحلة جديدة غير مسبوقة. وقد منح الملك عبد الله الثاني الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان وسام الشريف الحسين بن علي، وهو من أرفع الأوسمة الأردنية، كما وُقّعت اتفاقية صناعات دفاعية مشتركة واتفاقات أخرى ذات طابع عسكري ودفاعي بين الدولتَين.
مثل هذه التطوّرات تنظر إليها تل أبيب بعين القلق الشديد لأكثر من سبب: الأول أنّها تعيد تشكيل التحالفات في المنطقة بصورة مغايرة تماماً للخيال السياسي لنتنياهو وزمرته. والثاني أنّها تتشكّل من دول محسوبة تاريخياً وسياسياً على خطّ الاعتدال السياسي في المنطقة، لم تكن تمانع في التسوية السلمية (على النقيض من الخطاب الأيديولوجي لمحور الممانعة)، ولديها علاقات جيّدة بالغرب والولايات المتحدة، وتمتلك أيضاً تصوّرات مشتركة قريبة من دول عديدة، مثل أوروبا ودول أخرى. والثالث أنّها، من الزاوية الجيوسياسية، تمثّل دولاً متوسّطة قوية لها حضور وموارد وقدرات كبيرة. والرابع أنّها، بالحسابات الجيوسياسية، تمثّل الأغلبية السنّية العربية وغير العربية في العالم الإسلامي، بينما كانت إيران تمثّل لاعباً مهماً لكنّه لم يكن يمثّل هذه الكتلة الواسعة.
ما يزال الصراع قائماً على صياغة قواعد اللعبة الإقليمية الجديدة في الشرق الأوسط
في حدود هذه المعادلة، وما تقوم به السعودية من دور مركزي في تشكّل هذه المجموعة، ستتغيّر حسابات نتنياهو. وهو وإن كسب المعارك العسكرية مع إيران وحلفائها خلال المرحلة السابقة، فإنّ المعضلة الحقيقية تكمن في كيفية رسملة ذلك سياسياً على الصعيد الإقليمي. فمن الواضح أنّ الأمور أصبحت أكثر تعقيداً بالنسبة إلى إسرائيل، وليست أفضل حالاً كما كان يعد الإسرائيليين. وهو ما دفعه إلى الحديث عن محور سداسي، وكأنّه يريد أن يقول للإسرائيليين إنّ هذه الحرب لم تجعلنا أكثر عزلة إقليمياً ودولياً، وإنّ لنا حلفاء جدداً يشاركوننا الرؤية والمصالح الاستراتيجية، وفي مقدّمتهم الهند.
الطريف أنّ الوحيد الذي تحدث عن هذه المحاور هو نتنياهو فقط؛ فلا “المجموعة العربية الإسلامية” تحدّثت عن محور بالمعنى الاستراتيجي، وما تزال هناك اختلافات وتباينات واسعة في أوساط هذه المجموعة تجاه عديد من الملفّات الإقليمية، بما فيها العلاقة مع الإدارة الأميركية وسياسات إسرائيل. ولا حتى المحور الآخر، ومن ضمنه الهند، تحدّث عن محور استراتيجي إقليمي، بانتظار زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي غداً الأربعاء إلى إسرائيل، لمعرفة ما إذا كان سيؤكّد في خطابه المتوقّع في الكنيست ما قاله نتنياهو عن هذا التحالف والدول المنضوية فيه.
ليس حديث نتنياهو عن الأحلاف الإقليمية من فراغ، فهو استراتيجي بامتياز، ويكشف أنّ هناك حالة من السيولة والحراك السياسي والعسكري، وأنّ الأوضاع في المنطقة ما تزال بعيدة عن تأطير قواعد اللعبة الإقليمية الجديدة. وما يزال الصراع على صياغة هذه القواعد قائماً بصورة كبيرة، بل إنّ مسرح اللعبة في الشرق الأوسط يتوسّع إقليمياً وجغرافياً إلى مرحلة غير مسبوقة منذ ما يقارب قرنين.
- العربي الجديد
























