يستطيع العراقيون ان يفخروا بتجربتهم الانتخابية، مهما كانت الظروف التي أجريت فيها والاعتراضات التي قد تواجهها. ومن البديهي ان الانتخابات الاشتراعية الأخيرة لن تقود حتماً الى إرساء ديموقراطية حقيقية واستعادة البلد سيادته الكاملة واطلاق ورشة تنمية ضخمة تعيد الى الطبقة الوسطى العراقية دورها السابق والرافه الى البلاد بما يتناسب مع ثرواته الطبيعة الكبيرة. لكن العملية في ذاتها خروج عن تلك الممارسات والعادات السياسية التي ترسخت، بفعل القوة، منذ اطاحة الملكية في بلاد الرافدين عام 1958، وادت الى الحكم الاستبدادي السابق.
لا تهم كثيراً نتائج الاقتراع وطبيعة الاعتراضات عليها، وإن كانت معبرة عن شعور لدى الناخبين بضرورة كسر الحلقة الطائفية والخطورة التي شكلتها على المستويين السياسي والاجتماعي. وقد لا يتمكن الفائز الأول في هذه الانتخابات، رئيس الوزراء السابق اياد علاوي، من فرض نفسه كمرشح بديهي الى المنصب كما يقتضي الدستور واللعبة الديموقراطية. لكن مجرد ان ينافس، وبجدارة، رئيس حكومة تولت الإشراف على الانتخابات، وهو نوري المالكي زعيم ائتلاف كبير، ويتقدم عليه يعني كسر حلقة صلبة من حلقات التسلط والاتجاهات الديكتاتورية. اي ان هذه الانتخابات وضعت العراق على طريق التداول السلمي على السلطة، على نحو لم يعد سهلاً التراجع عنه.
وأظهر الاقتراع بذاته ان مقاطعي العملية السياسية، بصرف النظر عن مبرراتهم، لم يكن لهم تأثير يذكر في اتمام الانتخابات. وحتى لو تمكن ارهابيون من إنزال ضحايا بتفجيراتهم، فإنهم لم يتمكنوا من تعطيل الاقتراع او التأثير في الإقبال عليه.
صحيح ان العنف الإرهابي ضرب خلال العملية. وهذا متوقع ومن الصعب تلافيه بالكامل. لكن الكتل والاحزاب المنخرطة في العملية والمشاركة في الانتخابات حافظت على درجة ملحوظة من المنافسة السلمية، على رغم حدة المعركة. فلم تسجل الحملة والانتخابات اية اشكالات تذكر ذات طابع امني بين المتنافسين. فحافظ هؤلاء جميعاً على درجة من احترام الآخر وحق الاختيار لدى الناخب. وإن كان الجميع اشتكى من الرشوة وشراء الأصوات واستغلال العلاقات القبلية او الطائفية. وحتى لو ان بعض الكتل والمرشحين يطعنون في النتائج، فإن الجميع اكد التزام المسار القانوني في هذا الطعن. اي التزام الاعتراف بأن الحَكم ليس الهوى السياسي او الرغبة في استئثار السلطة او القوة المسلحة، وانما القواعد القانونية، وبأن الخلافات تحل سلمياً، مهما كانت حدتها.
لقد ادت هذه الانتخابات الى توازن سياسي جديد في العراق. اذ لم يعد ممكناً، بصرف النظر عن نتائج المفاوضات بين التكتلات الممثلة في البرلمان الجديد، تجاوز قسم من العراقيين، هُمشت مطالبهم وأدوارهم نتيجة الانتخابات السابقة. والمسألة لا تتعلق بالسُنة وحسب، وانما بجميع هؤلاء الذين اقترعوا لقائمة علاوي. وهم يشملون المعترضين على الاصطفاف الطائفي وعلى ادارة الحكم في ظل حكم الائتلاف الشيعي وعلى التسييس المفرط للدين وعلى استشراء الفساد الإداري. ويشملون ايضاً هؤلاء الذين يتمسكون بالسيادة الوطنية واستعادة الوزن العراقي في محيطه العربي.
وبذلك، يمكن الحكومة العراقية المقبلة ان تتحرر، اكثر من الحالية، من الضغوطات الإقليمية، خصوصاً الايرانية، وان تعيد التوازن للسياسة الخارجية العراقية في سياستها العربية. كما يمكنها، وهي التي ستشرف على مرحلة الانسحاب الاميركي، ان تؤسس لعلاقة مؤسساتية مع الولايات المتحدة.
وخلاصة القول لقد ادت الانتخابات العراقية الاخيرة وظيفتها، بما هي احتكام الى المقترعين لتحديد طبيعة الحكم وسياسته. اي انها وفرت فرصة، تكاد تكون نادرة في المنطقة العربية، لا مكان التغيير والتداول السلمي للسلطة. وهذا في ذاته جوهر انتصار العراقيين.
"الحياة"




















