لا يمكننا اعتبار ما حدث الأسبوع الماضي في دمشق، ومدن أخرى، على أنه حدث جانبي، طارئ وبسيط. وإنما هو مؤشر على درجة من الانقسام في الشارع السوري، أخذ يتشكل بصورة تستدعي المراجعة، والتوقف عندها، بعد ما يقارب من عام ونصف على تولي السلطة الجديدة، زمام الحكم في سوريا.
وإذا أضفنا إليه، العودة إلى رفع الراية البيضاء، بقوة كما في “الجمعة” الأخيرة في التظاهرات المضادة للاحتجاجات المطلبية، فإن ذلك يعود بنا إلى المرة الأولى التي رفع فيها علم “التوحيد” على وقع الإنزال القسري لعلم الثورة السورية، في مدخل الرقة (أكتوبر 2013)، عقب تحرير المدينة في مارس آذار 2013، وما تلا ذلك من توترات وأحداث، أسهمت في إقصاء التيار المدني في الثورة، ومحاصرته تدريجياً، وصولاً الى إنحساره، أمام صعود القوى المسلحة، كواجهة فاعلة للمعارضة السورية في السنوات اللاحقة.
ثمة مسألة مهمة، لا ينبغي تجاهلها: تعتبر القوى والجماعات الموالية للسلطة، كل رأي مخالف لها، وكل نقد لمسلك سياسي أو أمني، هو بمنزلة بث للكراهية، وتحريض على السلطة.
العقيدة والقوة: الخوف
هل يمثل ذلك مؤشراً مقلقاً للجمهور السوري؟ الجواب في اعتقادي هو: نعم. فثمة استعادة لمنطق القوة، ولفكرة الخوف، من السطوة التي سادت في سنوات “الرماد، والدم، والتضحيات” وشغلت المواطنين السوريين، كهاجس مرير، في ظل من الحذر، والانصياع حيناً، والتمرد والاعتراض في أحايينَ أخرى، في مواجهة كل القوى التي احتكمت إلى تمركز علاقة القوة بين “السلاح و العقيدة”، خاصة تلك التي تمكنت من بسط إدارتها في المناطق الخارجة عن سلطة النظام السوري البائد، ضمن مشروعية التحرير، وإسقاط الأبدية الأسدية.
تبرز هذه الحالة/ الظاهرة، في الاستقطاب الحاد الذي يتشكل اليوم، ويتجلى في مظاهر عديدة، منها الخروج والعودة إلى الشارع، بمعنى التجييش والاحتكام إليه، وفي مواجهة حادة للقوى والمجموعات ذات الطابع المدني، التي بدأت بالتعبير عن مخاوفها من الاستمرار في نهج ” غياب المؤسساتية” وتغليب ” الفتاوى ووجهات النظر” على مبادئ الحقوق والحريات، وعلى القوانين الناظمة لعمل الدولة، كما حدث في قرارين أشعلا الجمهور السوري، على ضفتيه: المعترض، والمؤيد على حدّ سواء: قرار محافظ دمشق بشأن الخمور، وقرار وزارة الإعلام
بشأن منع منصات إعلامية من العمل في سوريا. وبين أصداء هذين القرارين، تُكمل أحداث السقيلبية، هرم الإشكاليات العميقة، التي تَسمُ حالتنا الراهنة، بتفاعلاتها المتلاحقة.
حريات مقيدة
من دون الخوض في مجريات ” جمعة السقيلبية ” فإن المطالب التي أعلنها أهالي المدينة تلخص جوهر المعضلات المركبة: الحرية والمواطنة والعدالة. هي في حقيقة الأمر، مسائل أساسية يطالب بها الجميع، هي صوت الناس التي خرجت في سبيلها ثورة شعبية عام 2013. وكلما عدنا إلى جذور المشكلات اليومية، وجدنا أن الشعور بالمواطنة المتساوية، يتراجع، ويفقد الجمهور بذلك جزءا من حقوقه وحرياته، في ظل غياب العدالة والمحاسبة. ومن الطبيعي أن يسود شعور عامّ بالخيبة، وبالخذلان والمرارة.
يتفاقم ذلك مع الإجراءات المتعلقة بتقييد الحريات العامة. صحيح أن التظاهر، ما يزال غير مقيّد حتى اليوم، وأنه لا معتقلين بسبب الرأي وحرية التعبير. لكن قرار وزارة الإعلام بإيقاف عمل منصات إعلامية، هو سعي لتقييد حرية الإعلام، والتدخل في الحق في حرية الرأي وفي نقل الأخبار وفي تفسير الأحداث. مسألة الترخيص جانبية، وهي ذريعة، بما أن المؤسسات الثلاث، لديها تراخيص مؤقتة سارية. وهذا ما كشفه مسؤولو وزارة الإعلام في ردهم التوضيحي، بشأن “تلفيق الأخبار، وبث الكراهية والتحريض، والتضليل”. لكن ثمة مسألة مهمة، لا ينبغي تجاهلها: تعتبر القوى والجماعات الموالية للسلطة، كل رأي مخالف لها، وكل نقد لمسلك سياسي أو أمني، هو بمنزلة بث للكراهية، وتحريض على السلطة. من هنا يمكننا أن ننظر إلى خطاب السلطة وجماعاتها، على أنه دعوة مباشرة لتقييد الحريات، وإنتاجٌ لخطاب التمييز، والتنمر، خاصة أن وسائل إعلام “الدولة” لا تفتح أبوابها للرأي الآخر.
السلطة السورية ليست ضعيفة بالمطلق، وهي تمتلك كل مقدرات القوة ومقوماتها، وربما في مقدمها إيمان المجتمع السوري، بالعمل المشترك لاجتياز المرحلة المؤقتة بسلام، في سياق إعادة بناء الدولة.
رايات متعددة
في الوقت الذي أثارت فيه حادثة المساس بالعلم السوري، في احتفالات النوروز في عين العرب، احتجاجات وإدانات واسعة، نجد أن المظاهرات المضادة التي دعا إليها أنصار السلطة، قد شهدت غياباً شبه كامل للعلم السوري. لقد رُفعت رايات التوحيد البيضاء، والسوداء، يوم الجمعة الماضي في دمشق وحماة، واللاذقية، وغيرها. هذا مثير للتساؤل عما يراود المنظمين من ذلك، وما الذي يعنيه ذلك، سوى أنها تحريض ضد “مدنية الدولة السورية”، دولة المواطنة والحرية والعدالة. بل إنها تتجاوز ذلك، لتمثل تهديداً ضمنياً، بالعودة لحمل السلاح دفاعاً عن “سلطة إسلامية” لا سواها. إن ذلك ليس سوى تغليب الولاءات غير الوطنية، على الراية الجامعة لكل السوريين.
السلطة وأزمة الثقة
السلطة السورية ليست ضعيفة بالمطلق، وهي تمتلك كل مقدرات القوة ومقوماتها، وربما في مقدمها إيمان المجتمع السوري، بالعمل المشترك لاجتياز المرحلة المؤقتة بسلام، في سياق إعادة بناء الدولة. لكنها تبدو وكأنما تراقب بحياد نسبي أحداث الداخل، في الوقت الذي ينبغي فيه أن تتدخل بقوة “القانون” لمنع إهدار الحريات، ووقف خطاب التحريض العدائي، والتنمر الذي يرتقي لاعتباره “خطاب كراهية منظم”. مسؤولية الدولة تتجلى أيضاً بتشديد فرض الأمن، وفي حظر حيازة السلاح خارج الدولة، وفي منع عناصرها من الانحياز إلى طرف دون آخر، وفي أن تعمل أجهزتها على استعادة الثقة مع الجمهور، وتعزيز حضورها كمظلة قانونية ترعى الجميع في ظل المواطنة، وهذا ما يقود البلاد نحو الخلاص، والمستقبل الآمن، وهو ما يمكن أن يجيب عن سؤال يُطرح بقوة: ألهذا خرج السوريين بثورة غالية التضحيات؟
- تلفزيون سوريا

























