الملخَّص التَّنفيذيَّ
يمثِّل سقوط نظام بشَّار الأسد في 8 كانون الأوَّل/ ديسمبر 2024 نقطة تحوُّل مفصليَّة في مسار الصِّراع السُّوريِّ الممتدِّ منذ أكثر من عقد، وله تداعيات عميقة على المشهد الإقليميِّ والعربيِّ. إذ أدى التحلل المتسارع لمنظومة الحكم السابقة تحت ضغط العمليات العسكرية الميدانية إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية في المشرق العربي.
يتناول هذا البحث- بالتَّفصيل- التَّحوُّلات الدَّاخليَّة في سوريا، بما في ذلك ديناميكيات تشكيل السلطة الانتقالية، وتحديات بناء المؤسسة العسكرية الموحدة، وتأثير هذه المتغيرات على التوازنات الإقليمية، لا سيما أدوار الفاعلين الدوليين والإقليميين في صياغة الاستقرار المستقبلي، والوضع الإنسانيُّ وحقوق الإنسان المتدهور. كما يحلِّل البحث إعادة الاصطفافات الإقليميَّة والدَّوليَّة، مع التَّركيز على أدوار تركيا وإيران وإسرائيل والأردنِّ والعراق ودول الخليج، بالإضافة إلى القوى الدَّوليَّة الكبرى مثل روسيا والولايات المتَّحدة والاتِّحاد الأوروبِّيِّ. ويكشف التَّحليل عن تعقيدات المشهد السُّوريِّ الجديد، حيث تتصارع آمال الاستقرار وإعادة الإعمار مع أخطار استمرار الصِّراع والتَّقسيم، خاصَّةً في ظلِّ التَّحدِّيات الاقتصاديَّة الهائلة والتَّوتُّرات الطَّائفيَّة المستمرَّة
Abstract
The fall of Bashar al-Assad’s regime on December 8, 2024, represents a pivotal turning point during the Syrian conflict, which has extended for more than a decade and has profound implications for the regional and Arab landscape. The rapid disintegration of the previous governance system under the pressure of military operations led to the reshaping of the political map in the Arab East. This study examines in detail the internal transformations in Syria, including the dynamics of forming the transitional authority, the challenges of building a unified military institution, and the impact of these changes on regional balances, particularly the roles of international and regional actors in shaping future stability, as well as the deteriorating humanitarian situation and human rights conditions. The study also analyzes the realignments regionally and internationally, focusing on the roles of Turkey, Iran, Israel, Jordan, Iraq, and the Gulf states, in addition to major international powers such as Russia, the United States, and the European Union. The analysis reveals the complexities of the new Syrian landscape, where hopes for stability and reconstruction clash with the risks of continued conflict and division.
Especially considering the enormous economic challenges and the ongoing sectarian tensions.
المقدَّمة
تحولات المشهد السوري ومقاربات الاستقرار
شهد المشهد السوري في مطلع عام 2025 تحولاً جذرياً في طبيعة السلطة السياسية بعد انهيار الهياكل المركزية التي حكمت البلاد لعقود. لم يكن هذا الحدث مجرد تغيير في قمة الهرم السياسي، بل مثّل إعادة تعريف للموقع الجيوسياسي لسوريا في النظام الإقليمي. ففي حدث غير متوقَّع، سقط نظام بشَّار الأسد في 8 كانون الأوَّل/ ديسمبر 2024، بعد هجوم خاطف شنَّته قوَّات المعارضة، بقيادة هيئة تحرير الشَّام والجيش الوطنيِّ
هذا التَّطوُّر، الَّذي جاء تتويجًا لهجوم استمرَّ عشرة أيَّام، وبدأ بالسَّيطرة على حلب في 30 تشرين الثَّاني/ نوفمبر 2024، أنهى حكم عائلة الأسد الَّذي استمرَّ 54 عامًا وحربًا دامت أكثر من 14 عامًا. لقد أحدث هذا السُّقوط تغييرًا جذريًّا في الدِّيناميكيَّات الدَّاخليَّة لسوريا وموقعها في المنطقة، ممَّا أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه اللَّحظة تمثِّل بدايةً للاستقرار أو استمرارًا للاضطراب[1].
يسعى هذا البحث إلى تحليل هذه التحولات وفق إطار منهجي يربط بين المتغيرات الداخلية (الحكم، الأمن، الاقتصاد) والفاعلين الخارجيين.
كما يسعى هذا البحث إلى تحليل الآثار العميقة والمترابطة للتَّحوُّلات الجارية في سوريا بعد 8 كانون الأوَّل/ ديسمبر 2024 على المشهد الإقليميِّ والعربيِّ. ويهدف إلى تحديد ما إذا كان هذا ” الفجر الجديد ” يَعِد بالاستقرار أم ينذر باستمرار الاضطرابات، مع الأخذ في الحسبان التَّحدِّيات الدَّاخليَّة المعقَّدة وإعادة الاصطفافات بين الفاعلين الإقليميِّين والدَّوليِّين
سيستكشف هذا البحث بطريقة منهجيَّة الدِّيناميكيَّات الدَّاخليَّة للحكومة السُّوريَّة الجديدة، والأدوار المتغيِّرة للفاعلين الإقليميِّين والدَّوليِّين، والآثار الأوسع نطاقًا على الاستقرار والأمن والظُّروف الإنسانيَّة والانتعاش الاقتصاديِّ في جميع أنحاء الشَّرق الأوسط والعالم العربيِّ. كما سيطبِّق نظريَّات العلاقات الدَّوليَّة ذات الصِّلة لتوفير إطار تحليليّ أعمق لفهم هذه التَّحوُّلات المعقَّدة.
أوَّلاً: التحولات البنيوية في مؤسسات الحكم والأمن والمجتمع
أ -الهندسة الدستورية للسلطة الانتقاليةعقب التحول السياسي
بعد هروب الأسد ولجوئه إلى روسيا في كانون الأوَّل/ ديسمبر 2024، أُعلنت حكومةٌ مؤقَّتةٌ في سوريا [2]
وحلَّ محلَّ هذه الحكومة المؤقَّتة لاحقًا ” الحكومة الانتقاليَّة السُّوريَّة “، الَّتي تشكَّلت رسميًّا في 29 آذار 2025 خلال حفل في القصر الرِّئاسيِّ.[3]
تعمل الحكومة بموجب نظام رئاسيّ على الطِّراز الأمريكيِّ، ممَّا يمنح الرَّئيس إشرافًا مباشرًا على الوزراء، ويلغي دور رئيس الوزراء. ومع ذلك، ما يزال هناك حاجة إلى نائب للرَّئيس لإدارة مجلس الوزراء في غياب الرَّئيس. يتكوَّن مجلس الوزراء من 23 وزارة، وهو تخفيض عن 29 وزارة في النِّظام السَّابق، ممَّا يعكس إعادة هيكلة تنظيميَّة واستجابة عمليَّة لندرة الموارد والقيود الماليَّة. تمَّ دمج بعض الوزارات (مثل النِّفط والكهرباء والمياه في وزارة واحدة للطَّاقة) ، بينما استُحدِثت وزارات جديدة مثل وزارة الشَّباب والرِّياضة ووزارة الطَّوارئ والكوارث.
تحليل الإعلان الدُّستوريِّ (آذار/ مارس 2025)
وقَّع الرَّئيس الشَّرع على هذا الإعلان في 13 آذار/ مارس 2025، وهو يحدِّد مدَّةً انتقاليَّةً مدَّتها خمس سنوات. ينصَّ الإعلان على أن يكون الرَّئيس مسلمًا ويحدِّد الفقه الإسلاميّ ” المصدر الرَّئيسيَّ ” للتَّشريع. يمنح الإعلان الرَّئيس سلطةً تنفيذيَّةً كاملةً، بما في ذلك سلطة تعيين جميع الأعضاء السَّبعة في المحكمة الدُّستوريَّة العليا من دون رقابة برلمانيَّة أو غيرها. ويحتفظ الرَّئيس أيضًا بالسَّيطرة شبه الكاملة على التَّعيينات التَّشريعيَّة، حيث يعيِّن مباشرة ثلث أعضاء الجمعيَّة التَّشريعيَّة الجديدة، ويتمَّ اختيار الباقين من قبل لجنة يعينها هو أيضًا[4].
يتضمَّن الإعلان أحكامًا تؤكِّد استقلال القضاء، وحماية حقوق المرأة وحرِّيَّة الصِّحافة و”الشُّؤون الشَّخصيَّة ” للأقلِّيَّات الدِّينيَّة. كما يدعو إلى إلغاء القوانين الاستثنائيَّة من عهد الأسد، وإلغاء أحكام محاكم الإرهاب غير العادلة، واستعادة الممتلكات المصادرة، وإنشاء هيئة للعدالة الانتقاليَّة.
هناك مخاوف وانتقادات بشأن السُّلطة التَّنفيذيَّة وضمانات حقوق الإنسان، فالإعلان يركِّز السُّلطة في يد السُّلطة التَّنفيذيَّة، وقد يقوِّض استقلال القضاء. إنَّ غياب آليَّات لضمان استقلال القضاء أو هيئة مستقلَّة للتَّعيينات القضائيَّة، يثير تساؤلات حول التوازن بين فعالية الحكم الانتقالي وضمانات الانتقال الديمقراطي المستدام..
يرسِّخ الإعلان نموذجًا رئاسيًّا صارمًا لا يمنح البرلمان أيَّ قدرة على مساءلة الرَّئيس أو الموافقة على الوزراء أو عزلهم أو مراقبة السُّلطة التَّنفيذيَّة.
إنَّ الإعلان الدُّستوريَّ، على الرَّغم من تأطيره كإطار انتقاليّ، يرسِّخ بشكل متناقض سلطةً تنفيذيَّةً كبيرةً في يد الرَّئيس الشَّرع، يثير هذا التَّركيز للسُّلطة، إلى جانب محدوديَّة الضَّوابط والتَّوازنات، تساؤلات جوهريَّة حول التزام الحكومة الجديدة بانتقال ديمقراطيّ حقيقيّ وضمان حقوق الإنسان على المدى الطَّويل.
يتميَّز مجلس الوزراء الجديد بوجود مجموعة قويَّة من الوزراء الشَّباب (مواليد تتراوح بين 1956 و 1992) ، ومعظمهم من خرِّيجي الجامعات الغربيَّة ولديهم خلفيَّات أكاديميَّة أو مهنيَّة فنِّيَّة (أطبَّاء، مهندسون، اقتصاديُّون) . بينما يغلب على مجلس الوزراء الطَّابع السُّنِّيُّ العربيُّ، فإنَّه يضمُّ ممثِّلين عن الأقلِّيَّات: وزيران كرديَّان، ووزير واحد لكلِّ طائفة من الطوائف الدُّرزيَّة والمسيحيَّة والعلويَّة. ومع ذلك، هناك نقص ملحوظ في تمثيل التُّركمان ولا يوجد وزراء من درعا أو الرِّقَّة[5].
يشغل مسؤولو هيئة تحرير الشَّام أقوى المناصب الوزاريَّة، بما في ذلك وزارات الخارجيَّة والدِّفاع والدَّاخليَّة والعدل والطَّاقة والإدارة المحلِّيَّة. على سبيل المثال، يقود محمَّد البشير وزارة الطَّاقة المدمجة، وأسعد الشَّيباني وزارة الخارجيَّة.
إنَّ تشكيل الحكومة الجديدة، الَّذي يجمع شخصيَّات مرتبطةً بهيئة تحرير الشَّام في الأدوار الأمنيَّة والخارجيَّة الرَّئيسة مع تكنوقراط وممثِّلين عن الأقلِّيَّات، يشير إلى جهد استراتيجيّ من قبل الرَّئيس أحمد الشَّرع لإظهار الاعتدال وكسب الشَّرعيَّة الدَّوليَّة. ومع ذلك، فإنَّ هيمنة هيئة تحرير الشَّام على الحقائب الوزاريَّة القويَّة والتَّوتُّرات الدَّاخليَّة داخل المجموعة تشير إلى توازن دقيق بين الحكم العمليِّ وجذورها الأيديولوجيَّة التَّاريخيَّة، ممَّا يثير تساؤلات حول عمق هذا “الاعتدال” واستدامته.
ب الجهود نحو الوحدة الوطنيَّة والاندماج العسكريِّ
مؤتمر الحوار الوطنيِّ (شباط/ فبراير 2025)
الأهداف المعلنة والمشاركة: عقد المؤتمر في دمشق في 25 شباط/ فبراير 2025، بمشاركة حوالي 900 شخص، وقد صاغته الحكومة المؤقَّتة كعمليَّة شاملة للمصالحة والإصلاح الدُّستوريِّ والوحدة الوطنيَّة. كان يهدف إلى تعزيز ” ثقافة الحوار لجميع السُّوريِّين “. ونظَّمت المناقشات حول ستَّة محاور رئيسة: العدالة الانتقاليَّة، الدُّستور، إصلاح وإعادة بناء مؤسَّسات الدَّولة، الحرِّيَّات الشَّخصيَّة، دور المجتمع المدنيِّ، والمبادئ الاقتصاديَّة[6].
على الرَّغم من الأهداف الطَّموحة، تعرَّض المؤتمر للانتقاد بسبب تنظيمه المتسرِّع (أعلن عنه قبل أسبوعين فقط) ، ممَّا أثار مخاوف بشأن عمق العمليَّة وأصالتها ، صدرت الدَّعوات على عجل، حيث تلقَّى بعض المشاركين إشعارًا قبل أقلَّ من 24 ساعة. تمَّ اختيار الحضور كأفراد بديلاً عن ممثِّلين عن الأحزاب السِّياسيَّة أو الجماعات العسكريَّة، وهي خطوة انتُقدت على نطاق واسع.
استمرَّ المؤتمر يومين فقط، وتعرَّض بيانه الختاميُّ لانتقادات لافتقاره إلى مقترحات جديدة ذات أهمِّيَّة، واكتفائه بتكرار نقاط حديث معروفة مثل وحدة الأراضي والحرِّيَّات المدنيَّة. فشل المؤتمر في معالجة الوضع السِّياسيِّ الرَّاهن، الَّذي لا يزال تحت السَّيطرة العسكريَّة، وقدَّم إطارًا محدَّدًا مسبقًا مع مساحة محدودة للاعتراض. وكانت التَّوصيات غير ملزمة.
إنَّ مؤتمر الحوار الوطنيِّ، على الرَّغم من أهمِّيَّته الرَّمزيَّة وأهدافه المعلنة للشُّموليَّة، عمل إلى حدّ كبير كعمليَّة مدارة بعناية تهدف إلى إضفاء الشَّرعيَّة على الحكومة، بديلاً عن تعزيز حوار سياسيّ حقيقيّ وواسع النِّطاق وتقاسم السُّلطة. إنَّ استبعاد الفصائل السِّياسيَّة والعسكريَّة الرَّئيسة، والعمليَّة المتسرِّعة، والطَّبيعة غير الملزمة للنَّتائج، تؤكِّد نهجًا من أعلى إلى أسفل يهدِّد بتقويض المصالحة الوطنيَّة الحقيقيَّة.
خطط وتحدِّيات تشكيل جيش وطنيّ موحَّد[7]
بدأ الرَّئيس المؤقَّت أحمد الشَّرع بسرعة جهودًا لتشكيل جيش وطنيّ موحَّد، وتفكيك الفصائل القائمة، ومَرْكَزَة جميع الأسلحة تحت سلطة الدَّولة، معترفًا بأنَّ هذا يمثِّل تحدِّيًا ملحًّا.
الكتل المسلَّحة الرَّئيسيَّة: المشهد العسكريُّ مجزَّأ للغاية، وتهيمن عليه عدَّة مجموعات رئيسة يجب على دمشق دمجها أو إدارتها
هيئة تحرير الشَّام: القوَّة الأساسيَّة، يقدَّر عدد مقاتليها بـ 40,000 مقاتل (مع حلفائها مثل الجبهة الوطنيَّة للتَّحرير ) ، وتدير العمليَّات العسكريَّة وتضمُّ مقاتلين أجانب[8].
الجيش الوطنيِّ السُّوريِّ: تتكوَّن هذه المجموعة من فصائل مختلفة ذات خلفيَّات متنوِّعة، بما في ذلك بعض الميول الإسلاميَّة، ووحدات سابقة من الجيش السُّوريِّ الحرِّ، وقوَّات تركمانيَّة عرقيَّة.
يَعُدُّ الجيشُ الوطنيُّ السُّوريُّ قوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة خصمَه الرَّئيسيَّ، ممَّا يتعارض مع نهج الشَّرع الأكثر استقلاليَّةً في التَّعامل مع الأكراد
جيش سوريا الحرَّة
هو أصغر فصيل، ويتمركز في قاعدة التُّنف، ومهمَّته هي محاربة داعش. قيادته متحالفةٌ مع الولايات المتَّحدة، وقد التقت بوزير الدِّفاع مرهف أبو قصره لتأسيس تنسيق عسكريّ وأمنيّ.
قوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة
تضمُّ أكثر من 50000 مقاتل، وتسيطر على حوالي ثلث أراضي البلاد. تحظى بدعم قويّ من الولايات المتَّحدة وفرنسا، ممَّا جعلها غير متهاونة في شروطها للانضمام إلى الجيش الجديد[9].
اللِّواء الثَّامن: تشكيل عسكريّ كبير في درعا يضمُّ حوال 1200 مقاتل. تمَّ حلُّه في نيسان/ أبريل 2025، وتسليم جميع أصوله لوزارة الدِّفاع.
كتلة السُّويداء: تتكوَّن هذه الكتلة من خمس فصائل درزيَّة رئيسة تضمُّ عدَّة آلاف من المقاتلين.
أفراد عسكريُّون علويُّون سابقون: كان هناك حوالي 50000 ضابط وضابط صفّ علويّ في القوَّات المسلَّحة السُّوريَّة السَّابقة.
من غير المرجَّح إعادة دمج نسبة عالية منهم بسبب اتِّهامات بارتكاب جرائم حرب.
خطط الجيش الجديد: تخطِّط دمشق لدمج المقاتلين الأجانب في المجتمع السُّوريِّ، شريطة ألَّا يشكِّلوا تهديدًا ويلتزموا بالقوانين السُّوريَّة ومن المتوقَّع أن يصدر الرَّئيس الشَّرع مرسومًا يمنح الجنسيَّة للمقاتلين غير السُّوريِّين بشروط محدَّدة، مثل الزَّواج من مواطنة سورية أو مدَّة إقامة دنيا تتراوح بين خمس وسبع سنوات.
تحدِّيات تشكيل جيش موحَّد:
تواجه عمليَّة تشكيل جيش موحَّد تحدِّيات عديدةً
تحديات دمج القوى العسكرية وبناء المؤسسة الوطنيةتمثل عملية توحيد التشكيلات المسلحة التحدي الأمني الأبرز أمام السلطة المركزية الجديدة. يتسم المشهد العسكري بتعدد الفاعلين، من قوات هيئة تحرير الشام والجيش الوطني، وصولاً إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وفصائل محلية أخرى.
الحفاظ على وحدة هيئة تحرير الشَّام: تتصادم التَّحوُّلات السِّياسيَّة السَّريعة للشَّرع وتنازلاته لكسب الشَّرعيَّة الدَّوليَّة مع العناصر المتشدِّدة داخل هيئة تحرير الشَّام. وقد تتصاعد التَّوتُّرات إذا تعرَّض الشَّرع لضغوط لاستبعاد المقاتلين الأجانب من الجيش الجديد. .
تباين التَّأثيرات والانتماءات الأيديولوجيَّة: تمتلك الفصائل المسلَّحة المختلفة أسسًا أيديولوجيَّةً وسياسيَّةً متباينةً، ممَّا يجعل الاندماج صعبًا. وتشمل هذه المجموعات الإسلاميَّة مثل فيلق الشَّام، والقوميَّة مثل فرقة السُّلطان مراد التُّركمانيَّة، والطَّائفيَّة مثل الدُّروز في السُّويداء، والعرقيَّة مثل قوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة الَّتي يقودها حزب العمال الكردستاني من قنديل.
استبعاد الضُّبَّاط المنشقِّين: يهمِّش النَّهج الحاليُّ دور الضُّبَّاط المنشقِّين، ويعتمد اعتمادًا كبيرًا على مقاتلي هيئة تحرير الشَّام، وهو ما لا يعتبر مسارًا مثاليًّا لبناء مؤسَّسة عسكريَّة تمثِّل جميع السُّوريِّين.
إنَّ التَّحدِّيات الَّتي تواجه توحيد القوَّات العسكريَّة في سوريا عميقةٌ ومتجذِّرةٌ في التَّنوُّع الأيديولوجيِّ والعرقيِّ والطَّائفيِّ للفصائل المسلَّحة. إنَّ محاولة دمج هذه المجموعات المتنافرة تحت قيادة مركزيَّة، خاصَّةً مع استبعاد الضُّبَّاط المنشقِّين والاعتماد على مقاتلي هيئة تحرير الشَّام، قد تخلق أرضيَّةً خصبةً للتَّوتُّرات الدَّاخليَّة والصِّراعات المستقبليَّة، ممَّا يعوق الاستقرار طويل الأمد.
اتِّفاقيَّة الاندماج بين قوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة ودمشق (آذار/ مارس 2025)
في 10 آذار/ مارس 2025، وقعت الحكومة الَّتي تقودها هيئة تحرير الشَّام في دمشق وقوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة ( قسد )[10] الَّتي يقودها حزب العمال الكردستاني من قنديلاتِّفاق سلام تاريخيًّا يمثِّل أوَّل اعتراف رسميّ بالحقوق الكرديَّة في التَّاريخ السُّوريِّ الحديث. هذا الاتِّفاق، الَّذي دعمته الدِّبلوماسيَّة الأمريكيَّة والفرنسيَّة، لا يعد بالاعتراف الدُّستوريِّ للأكراد فحسب، بل يخفِّف أيضًا التَّهديدات التُّركيَّة ضدَّ قسد، وهي حليف رئيس للولايات المتَّحدة في الحرب ضدَّ تنظيم الدَّولة الإسلاميَّة في العراق والشَّام (داعش ) .
نقاط الاتِّفاق الرَّئيسة: تضمَّنت النِّقاط الرَّئيسة للاتِّفاق ما يأتي:
1-دمج قسد ومكوِّناتها في الدَّولة السُّوريَّة، منح الحكومة المركزيَّة سلطةً على المطارات والمعابر الحدودية وحقول النِّفط الخاضعة لسيطرة قسد
2-الاعتراف بالأكراد كجزء لا يتجزَّأ من سوريا وتجنيس الأكراد الَّذين حرموا من الجنسيَّة في عهد الأسد
3-تأمين حقوق الأقلِّيَّات الأخرى، إرساء وقف إطلاق النَّار
4-فشل المحادثات الأخيرة (آب/ أغسطس 2025 ) : في 9 آب/ أغسطس 2025
[11] ، أعلنت دمشق انسحابها من المحادثات المخطَّط لها في باريس مع قسد، وذلمك بعد ؤتمر ” وحدة الموقف ” الأخير الَّذي عقدته قسد في الحسكة باعتباره انتهاكًا لاتِّفاقيَّة الاندماج الحاسمة المؤرَّخة في 10 آذار/ مارس. وندَّدت المصادر الحكوميَّة بالتَّجمُّع بوصفه محاولة ” تدويل ” الشُّؤون السُّوريَّة واتَّهمته بتقويض الوحدة الوطنيَّة.
يكمن جوهر النِّزاع في الرُّؤى المختلفة للاندماج إذ تصرُّ دمشق على الاندماج الفرديِّ لقسد في مؤسَّسات الدَّولة، بينما تريد قسد الحفاظ على هيكلها ككتلة عسكريَّة جماعيَّة
إنَّ الموقف الكرديَّ، الَّذي يطالب بنظام حكم لا مركزي أو فيدراليّ لضمان حقوق الاأكراد لثَّقافيَّة والدِّينيَّة، يتصادم مع رؤية الحكومة الانتقاليَّة السُّوريَّة لمركزيَّة السُّلطة. هذا التَّناقض، بالإضافة إلى انسحاب القوَّات الأمريكيَّة المحتمل من شمال شرق سوريا والتَّهديدات التُّركيَّة المستمرَّة، يضع قسد في موقف حرج، حيث تسعى للحفاظ على مكتسباتها في الحكم الذَّاتيِّ مع تجنُّب صراع شامل مع الحكومة الجديدة أو تركيا.
المعضلة الكرديَّة: الحكم الذَّاتيُّ مقابل الاندماج
تجد قسد نفسها في وضع دقيق بعد سقوط نظام الأسد.
خلال فترة حكم النظام البائد ، عانى الأكراد في سوريِّة من التَّمييز وتهميش السُّلطة المركزيَّة، مع سياسات التَّعريب القسريّ وقد أدَّت هذه الظُّروف إلى سعي الأكراد للحصول على حكم ذاتيّ، تطالب قسد بنظام حكم لا مركزي أو فيدراليّ في سوريا، مع دستور يضمن التَّعدُّديَّة الدِّينيَّة والثَّقافيَّة والعرقيَّة. الحكومة السُّوريَّة الجديدة، بقيادة أحمد الشَّرع، تتبنَّى رؤيةً لمركزيَّة السُّلطة وتعارض بشكل صريح الفيدراليَّة، معتبرةً إيَّاها تهديدًا للوحدة الوطنيَّة.
إنَّ هذا التَّناقض في الرُّؤى يضع قسد في معضلة حقيقيَّة. فمن ناحية، هناك اتِّفاق 10 آذار/ مارس 2025 مع دمشق لدمج قسد في الجيش الوطنيِّ والاعتراف بالحقوق الكرديَّة. ومن ناحية أخرى، فإنَّ فشل المحادثات الأخيرة في آب/ أغسطس 2025 بسبب إصرار قسد على الحفاظ على هيكلها العسكريِّ الجماعيِّ ومطالبها بالفيدراليَّة، يشير إلى عمق انعدام الثِّقة والاختلافات الجوهريَّة.
تتعقَّد هذه المعضلة بسبب الموقف الأمريكيِّ المتغيِّر. فبينما دعمت الولايات المتَّحدة قسد في قتال داعش، فإنَّ هناك مؤشِّرات على تقليص الوجود العسكريِّ الأمريكيِّ في شمال شرق سوريا. وقد شجَّع المسؤولون الأمريكيُّون قوَّات سوريِّة الدِّيمقراطيَّة على التَّفاوض مع دمشق. هذا الانسحاب المحتمل يترك قوَّات سوريِّة الدِّيمقراطيَّة في موقف ضعيف، حيث تواجه تهديدات تركيَّةً مستمرَّةً تهدف إلى منع الحكم الذَّاتيِّ الكرديِّ. إنَّ الحاجة إلى الموازنة بين الحفاظ على مكتسبات الحكم الذَّاتيِّ وتجنُّب صراع شامل مع الحكومة المركزيَّة أو تركيا، في ظلِّ تضاؤل الدَّعم الخارجيِّ، تمثِّل تحدِّيًا وجوديًّا لقسد في سوريا.
ج. المشهد الإنسانيُّ وحقوق الإنسان
الوضع الإنسانيِّ الرَّاهن
لا تزال الأزمة الإنسانيَّة في سوؤيا حادَّةً للغاية بعد 14 عامًا من الصِّراع. تشير التَّقديرات إلى أنَّ ما يقرب من . 16.5 إلى 17.1. مليون شخص، أي أكثر من 71 % من السُّكَّان، بحاجة إلى مساعدات إنسانيَّة في عام 2025[12]ويحتاج سبعة من كلِّ عشرة سوريِّين إلى المساعدة الإنسانيَّة. تفاقمت الظُّروف بسبب ظروف الجفاف التي لم تعرف البلاد مثيلاً لها منذ أكثر من 36 عامًا، ممَّا أثَّر تأثيرًا مدمِّر على الأمن الغذائيِّ والحصول على المياه والصِّحَّة العامَّة[13].
وصل معدَّل البطالة في سوريا إلى 37% في حين أن نسبة البطالة المقنعة في مناطق سيطرة النظام تجاوزت 85% [14] في عام 2024، ويعاني حوالي 13 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائيِّ. كما أنَّ الحوادث المتعلِّقة بالذَّخائر المتفجِّرة أصبحت واقعًا يوميًّا. وتستمر الصُّعوبات الاقتصاديَّة في جميع المحافظات بسبب نقص السُّيولة النَّقديَّة، ممَّا يحدُّ من وصول النَّاس إلى النَّقد، ويشكِّل تحدِّيات للسُّكَّان والجهات الفاعلة الإنسانيَّة. كما أنَّ نقص الكهرباء والنَّقد وتوفير الخدمات العامَّة وسط تقلُّبات الأسعار يزيد من الضَّغط على سبل العيش وتوصيل المساعدات[15].
تتفاقم هذه التَّحدِّيات بسبب نقص التَّمويل. فقد كانت خطَّة الاستجابة الإنسانيَّة لسوريا لعام 2024 تعاني من نقص حادّ في التَّمويل، إذ لم يُغطَّ سوى 36.6 % من إجماليِّ الاحتياجات البالغة 4. 1 مليارات دولار أمريكيّ. وحتَّى تمُّوز/ يوليو 2025، لم يتم تمويل وثيقة أولويَّات الاستجابة الإنسانيَّة للمدَّة من كانون الثَّاني/ يناير إلى حزيران/ يونيو 2025 سوَّى بنسبة 15.9 % ، ممَّا يترك عجزًا قدره 1.68 مليار دولار أمريكيّ. وتناشد الأمم المتَّحدة والشُّركاء الإنسانيون توفير 3. 19 مليارات دولار أمريكيّ لتغطية الأنشطة ذات الأولويَّة لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا لـ 10.3. ملايين شخص مستهدف في جميع أنحاء البلاد حتَّى نهاية عام 2025[16]
عودة اللَّاجئين والنَّازحين داخليًّا
يوجد حوالي 4. 5 إلى 6 ملايين لاجئ سوريّ في المنطقة، وتسعى الدُّول المجاورة إلى عودتهم. بعد سقوط نظام الأسد، أصبحت العودة إلى الوطن ممكنةً- نظريًّا- للسُّوريِّين. تشير تقديرات المفوَّضيَّة السَّاميَّة للأمم المتَّحدة لشؤون اللَّاجئين إلى أنَّ حوالي 400,000 سوريّ عادوا من الدُّول المجاورة منذ 8 كانون الأوَّل/ ديسمبر 2024. وخلال المدَّة نفسها، عاد أكثر من مليون نازح داخليًّا داخل سوريا، ليصل العدد الإجماليُّ للسُّوريِّين الَّذين عادوا إلى منازلهم إلى أكثر مليون وأربعمائة ألف شخص[17]
عادت في 29 تمُّوز/ يوليو 2025، أوَّلُ مجموعة من اللَّاجئين السُّوريِّين من لبنان بموجب خطَّةً جديدةً طوَّرتها الأمم المتَّحدة بالتَّعاون مع الحكومة اللُّبنانيَّة.تقدِّم المفوَّضيَّة السَّاميَّة للأمم المتَّحدة لشؤون اللَّاجئين 100 دولار نقدًا لكلِّ لاجئ سوريّ عائد، وتتنازل السُّلطات اللُّبنانيَّة عن أيِّ رسوم أو غرامات مستحقَّة عليهم. كما توفِّر المفوَّضيَّة والمنظَّمة الدَّوليَّة للهجرة حافلات لرحلة العودة. وتقدِّم المفوَّضيَّة أيضًا منحًا نقديَّةً، ومساعدة قانونيَّة للحصول على الوثائق المدنيَّة، ودعمًا نفسيًّا واجتماعيًّا، وفرصًا لكسب العيش، وخدمات حماية أخرى. تُقدِر المفوَّضيَّة أنَّ أكثر من , 205,000 سوريّ عبّروا عائدين إلى البلاد من لبنان منذ كانون الأوَّل/ ديسمبر، منهم 126,000 – على الأقلِّ- عودة نهائيّة[18]
ومع ذلك، لا تزال هناك تحدِّيات كبيرة أمام عودة اللَّاجئين والنَّازحين داخليًّا. إنَّ نقص التَّمويل الكافي لخدمات الدَّعم الأساسيَّة يهدِّد نجاح هذه العودة. فالعديد من العائلات العائدة تجد منازلها متضرِّرة أو مُدمّرة بسبب النِّزاع والزَّلازل المدمِّرة التي وقعت في شباط فبراير عام 2023. كما أنَّ الخدمات الصِّحِّيَّة في المناطق الأماميَّة توقَّفت إلى حدٍّ كبير، وتعرَّضت أنظمة التَّعليم لانقطاعات كبيرة. إنَّ الحاجة إلى مأوى وسبل عيش وحماية ومساعدة قانونيَّة لا تزال عاليةً. وقد أدَّت التَّخفيضات الكبيرة في التَّمويل الَّتي تواجهها المفوَّضيَّة إلى تقليص قوَّتها العاملة بنسبة 30 % داخل سوريا، ممَّا يؤثِّر تأثيرًا كبيرًا في قدرتها على تقديم الدَّعم الحيويِّ.
العنف الطَّائفيُّ والتَّصعيدات الأمنيَّة
شهدت سوريا بعد سقوط نظام الأسد تصاعدًا في العنف الطَّائفيِّ والتَّوتُّرات الأمنيَّة، ممَّا يهدِّد جهود المصالحة الوطنيَّة
وثَّقت الشَّبكة السُّوريَّة لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقلُّ عن 814 سوريًّا بينهم 34 سيِّدة (إحداهنَّ توفِّيت بأزمة قلبيَّة بعد تلقِّيها نبأ وفاة حفيدها) و 20 طفلاً، و 6 من الطَّواقم الطِّبِّيَّة بينهم 3 سيِّدات، و 2 من الطَّواقم الإعلاميَّة، وإصابة ما يزيد عن 903 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة في محافظة السُّويداء، وذلك خلال المدَّة الممتدَّة من 13 تمُّوز 2025 وحتَّى تاريخ 21 تمُّوز 2025، وذلك استنادًا إلى المعلومات الأوَّليَّة المتوفِّرة والَّتي تمكَّنت الشَّبكة من التَّحقُّق منها[19]
تدخَّلت إسرائيل في صراع السُّويداء، فقد شنَّت غارات جوِّيَّةً على أهداف عسكريَّة سوريَّة في دمشق والسُّويداء في 16 تمُّوز/ يوليو 2025، بدعوى حماية الأقلِّيَّة الدُّرزيَّة في سوريا. وقد أثار هذا التَّدخُّل انتقادات من المبعوث الأمريكيِّ إلى سوريا، توم باراك، الَّذي وصفه بأنَّه ” جاء في وقت سيِّئ للغاية ” وعقَّد جهود الاستقرار الإقليميَّة.
حقوق الإنسان في ظلِّ الحكومة الجديدة
تعهَّدت الحكومة السُّوريَّة الجديدة، بعد سقوط نظام الأسد، بإصلاحات في مجال حقوق الإنسان، لكن الواقع لا يزال معقَّدًا ومثيرًا للجدل. وقد أصدرت الحكومة تعديلات على عدَّة قوانين تهدف إلى تعزيز حماية حقوق الإنسان، مثل المرسوم رقم 20 لعام 2023 الَّذي يهدف إلى الحدِّ من الاعتقال التَّعسُّفيِّ وتحسين الوصول إلى المحاكمات العادلة. كما تمَّ تعديل قانون الأحوال الشَّخصيَّة في عام 2024 لمنح المرأة حقوقًا أكبر في الزَّواج والطَّلاق والحضانة.
تثير قضيَّة حقوق الملكيَّة للنَّازحين قلقًا خاصًّا. لا يزال القانون رقم 10 لعام 2018، الَّذي يسمح بإعادة تطوير الأراضي، ولكنَّه تعرَّض لانتقادات لتمكينه عمليَّات المصادرة، يؤثِّر في العائدين. يتطلَّب هذا القانون من أصحاب المنازل تقديم سندات الملكيَّة في مدَّة قصيرة (غالبًا 30 يومًا ) ، وهو أمر مستحيل بالنِّسبة إلى السُّوريِّين النَّازحين، خاصَّةً في الخارج أو في المناطق الَّتي كانت تسيطر عليها المعارضة. وقد أدَّت التَّعديلات الَّتي أجرتها الحكومة الجديدة، والَّتي تهدف إلى تبسيط عمليَّات المطالبات، إلى الفشل في معالجة التَّمييز الأساسيِّ، لا سيَّما ضدَّ الفئات المهمَّشة مثل النَّازحين داخليًّا والأقلِّيَّات العرقيَّة والنِّساء.
ثانيًا: إعادة الاصطفافات الإقليميَّة والدَّوليَّة
أ. الفاعلون الإقليميُّون الرَّئيسون
تركيا: لقد تحوَّل دور تركيا تحوُّلّا كبيرًامنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأوَّل/ ديسمبر 2024، حيث أصبحت داعمًا خارجيًّا رئيسًا للنِّظام السِّياسيِّ الجديد بقيادة أحمد الشَّرع.و لطالما دعمت تركيا المعارضة السُّوريَّة وأدّت دورًا محوريًّا في صعود هيئة تحرير الشَّام.
انتقل الدور التركي من دعم المعارضة إلى العمل كضامن خارجي للنظام السياسي الجديد، مع التركيز على ثلاث أولويات: وحدة الأراضي السورية، وتسهيل عودة اللاجئين، وكبح طموحات الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي.
المصالح الرَّئيسة:
وحدة الأراضي: أكَّد وزير الخارجيَّة التُّركيِّ هاكان فيدان أن الحفاظ على وحدة الأراضي السُّوريَّة يمثِّل أولويَّةً لأنقرة
الانتقال السِّياسيَّ السِّلميَّ: تهدف أنقرة إلى رؤية انتقال سياسيّ سلميّ في سوريا.
كبح الجماعات الكرديَّة: من الأولويَّات الأخرى كبح أنشطة الجماعات الكرديَّة الَّتي تعتبرها إرهابيَّةً. تسعى تركيا لمنع الحكم الذَّاتيِّ الكرديِّ في سوريا عودة اللَّاجئين: ينظر إلى الإطاحة بالأسد على أنَّها تطوُّر إيجابيّ لأنقرة، حيث يمكن أن يسهِّل عودةَ اللَّاجئين السُّوريِّين من تركيا.
تعزيز الوضع الإقليميِّ: ينظر إلى سقوط الأسد على أنَّه تتويج لدعم تركيا طويل الأمد للمعارضة السُّوريَّة، ممَّا يعزِّز موقفها في سوريا والشَّرق الأوسط على حساب روسيا وإيران.
شريك اقتصاديّ: من المتوقَّع أن تعمل أنقرة كشريك للسُّلطات الجديدة في دمشق، سياسيًّا واقتصاديًّا، خاصَّةً خلال مدَّة إعادة الإعمار والاستقرار في سوريا.
تمارس تركيا نفوذها من خلال مزيج من الدَّعم المادِّيِّ، والتَّنسيق الاستراتيجيُّ، والتَّسهيلات الدِّبلوماسيَّة. وقد تعهَّدت أنقرة بالمساعدة في تشكيل جيشّ وطنيّ مستقبليّ وتدريبه، وتقديم الخبرة المؤسَّسيَّة عند الحاجة. كما أعلنت أنقرة أنَّ الجيش الوطنيَّ السُّوريَّ المدعوم من تركيا يجب أن يندمج في الجيش الوطنيِّ الجديد تحت قيادة الشَّرع.
ومع ذلك، فإنَّ نفوذ تركيا ليس بلا حدود. فبناء دولة قابلة للحياة يتطلَّب خبرةً إداريَّةً، ومؤسَّسات شاملة، وشرعيَّة دوليَّة، وموارد ماليَّة كبيرة، وهي أمور لا تستطيع تركيا توفيرها بمفردها. وقد سعت تركيا إلى إشراك الفاعلين الخليجيِّين، مثل السُّعوديَّة وقطر، لتكملة نفوذها الاستراتيجيِّ والفنِّيِّ بقدراتهم الماليَّة. كما سعت أنقرة في محاولة اقناع واشنطن برفع العقوبات الَّتي كانت تعوق قدرة النِّظام السُّوريِّ السَّابق على العمل.
إيران وحزب اللَّه
يمثِّل سقوط نظام الأسد هزيمة استراتيجيَّة للمحور الإيرانيِّ. فقد أدَّى هذا التَّطوُّر إلى انهيار ممرّ برِّيّ رئيس كان يربط إيران بالسَّاحل المتوسِّطيِّ عبر العراق وسوريا. كان هذا الممرِّ حيويًّا لنقل الأسلحة والدَّعم اللُّوجستيِّ لحزب اللَّه في لبنان، الَّذي تضرَّرت قدراته العسكريَّة بشدَّة جرَّاء الحرب الأخيرة مع إسرائيل. إنَّ فقدان هذا الطَّريق البرِّيِّ يجعل من الصَّعب على إيران إعادة تسليح حزب اللَّه والحفاظ على شبكتها الأوسع من الميليشيات المتحالفة في المنطقة.
تأثير على حزب اللَّه: لقد أثَّر سقوط سوريا وحملة ضبط الحدود مِن قِبل الحكومة اللُّبنانيَّة على طرق التَّهريب تأثيرًا كبيرًا في قدرة إيران على إعادة إمداد حزب اللَّه. حاولت إيران استخدام مطار بيروت لتهريب الأموال إلى حزب اللَّه بعد فقدان طرق تهريب الأسلحة عبر سوريا. تشير التَّقارير إلى أنَّ حزب اللَّه بدأ في إعادة تأكيد سيطرته على ميناء بيروت من خلال شبكة من المتعاونين لتسهيل التَّهريب البحريِّ، ممَّا يشير إلى اعتماد إيران على الطُّرق البحريَّة الآن. ومع ذلك، يعتبر التَّهريب البحريُّ أكثر صعوبة من المعابر الحدوديَّة البرِّيَّة الَّتي كانت تسيطر عليها سابقًا حكومة الأسد الموالية لحزب اللَّه.
الطُّموحات الجيو- اقتصاديَّةً: يقوِّض سقوط الأسد أيضًا الطُّموحات الجيو- اقتصاديَّةً لإيران فقد كانت إيران تعتزم استخدام سوريا كجزء رئيس من طريق برِّيّ يربط الصِّين بالبحر الأبيض المتوسِّط كجزء من دورها في مبادرة الحزام والطَّريق الصِّينيَّة. إنَّ فقدان سوريا كشريك وثيق يعرض هذه الخطَّة للخطر.
التَّوتُّرات الطَّائفيَّة: يمكن لإيران أن تستغلَّ التَّوتُّرات الطَّائفيَّة في سوريا للحفاظ على نفوذها. فمن المرجَّح أن تكثِّف طهران اتِّصالاتها مع المجتمعات العلويَّة في غرب سوريا. وقد تغذِّي أنشطة الخلايا الإرهابية، والَّتي قد تدعمها إيران سرًّا كوسيلة لممارسة الضَّغط. يعتمد نجاح هذه الاستراتيجيَّة إلى حدّ كبير على كيفيَّة تعامل الحكَّام الجدد مع العدالة الانتقاليَّة والدِّيناميكيَّات الطَّائفيَّة في سوريا.
انحسار النفوذ الإيراني:يمثل سقوط المنظومة السابقة هزيمة استراتيجية للمحور الإيراني، حيث أدى تحلل الهياكل الأمنية السابقة إلى قطع الممر البري الحيوي الذي كان يربط طهران بالساحل المتوسطي، مما أضعف بشكل مباشر القدرات اللوجستية لحزب الله في لبنان.
إسرائيل
اتَّسمت سياسة إسرائيل تجاه سوريا بعد سقوط نظام الأسد بالتَّدخُّل العسكريِّ المستمرِّ والسَّعي لتحقيق أهداف استراتيجيَّة محدَّدة.
نفَّذت إسرائيل العديد من الضَّربات ضدَّ منشآت الأسلحة الكيميائيَّة والمنشآت العسكريَّة في سوريا في عامي 2024 و 2025[20]
كما استهدفت القوَّات الإسرائيليَّة قوَّات إيرانيَّةً وحزب اللَّه في سوريا منذ عام 2013، واستمرَّت هذه الضَّربات بعد سقوط الأسد.
في تمُّوز/ يوليو 2025، شنَّت إسرائيل غارات جوِّيَّةً على أهداف عسكريَّة سوريَّة في دمشق والسُّويداء، بدعوى حماية الأقلِّيَّة الدُّرزيَّة في البلاد. جاء هذا التَّدخُّل وسط اشتباكات عنيفة بين الدُّروز وقبائل البدو في السُّويداء [21]
أنشأت إسرائيل تسع قواعد على الجانب السُّوريِّ من مرتفعات الجولان منذ سقوط الأسد، ممَّا يخلق منطقةً عازلةً لمنع التَّهديدات للأراضي الإسرائيليَّة.
الأهداف الاستراتيجيَّة:
حكومة مركزيَّة ضعيفة: تفضِّل الحكومة الإسرائيليَّة رؤية سوريا مقسَّمةً ومجزَّأةً بديلاً عن دولة مركزيَّة قويَّة تسيطر على البلاد. ينظر إلى الدُّول القوميَّة القويَّة، وخاصَّةً الدُّول العربيَّة، على أنَّها تهديد لإسرائيل.
منطقة منزوعة السِّلاح: تسعى إسرائيل إلى إقامة منطقة منزوعة السِّلاح تمتدُّ من مرتفعات الجولان إلى جبل الدُّروز، وهو هدف إسرائيليّ طويل الأمد منذ سقوط نظام الأسد.
حماية الأقلِّيَّة الدُّرزيَّة: تدَّعي إسرائيل أنَّها تتصرَّف لحماية الأقلِّيَّة الدُّرزيَّة في سوريا، الَّتي ترتبط بها بعلاقات قويَّة، خاصَّةً في ظلِّ وجود جالية درزيَّة كبيرة في إسرائيل تخدم في الجيش. ومع ذلك، يرى بعض المحلِّلين أنَّ هذا قد يكون ” انتهازيَّةً خالصةً ” لتحقيق أهداف سياسيَّة أوسع.
الانتقادات الأمريكيَّة: انتقد المبعوث الأمريكيُّ الخاصُّ إلى سوريا، توم باراك، التَّدخُّل الإسرائيليُّ الأخير في سوريا، واصفًا إيَّاه بأنَّه ” جاء في وقت سيِّئ للغاية ” وعقَّد جهود استقرار المنطقة. وأكَّد باراك أنَّ الولايات المتَّحدة لم تطلب أو تشارك في قرار إسرائيل، وأنَّها لا تتحمَّل المسؤوليَّة عن الإجراءات الَّتي تتَّخذها إسرائيل للدِّفاع عن نفسها.
إنَّ التَّدخُّل الإسرائيليَّ المستمرَّ في سوريا، خاصَّةً في سياق الصِّراعات الطَّائفيَّة، يعكس استراتيجيَّةً أوسع تهدف إلى إضعاف الدَّولة السُّوريَّة ومنع ظهور حكومة مركزيَّة قويَّة. ومع ذلك، فإنَّ هذا النَّهج قد يزيد من تعقيد المشهد الأمنيِّ في سوريا، ويغذِّي الانقسامات الدَّاخليَّة، ويزيد من أخطار التَّصعيد الإقليميِّ، ممَّا يتعارض مع جهود الاستقرار الَّتي تسعى إليها بعض القوى الدَّوليَّة والإقليميَّة.
الأردنّ
يواجه الأردنَّ معضلات جديدةً بعد سقوط نظام الأسد، فقد أدَّى هذا الحدث إلى إزالة قوَّة مزعزعة للاستقرار، ولكنَّه أفسح المجال أمام حقبة جديدة من عدم اليقين، التَّحدِّيات الرَّئيسيَّة:
أمن الحدود: يجب على الأردنِّ تأمين حدوده المشتركة مع سوريا الَّتي يبلغ طولها 380 كيلومترًا لمنع امتداد عدم الاستقرار. على الرَّغم من انهيار حكومة الأسد، لا يزال تهديد التَّهريب قائمًا، من مليشيات مسلَّحة من السُّويداء ومهرِّبي المخدِّرات.
عودة اللَّاجئين: يمثِّل تسهيل العودة الآمنة والطَّوعيَّة لـ 1,3 مليون لاجئ سوريّ تحدِّيًا كبيرًا، معظمهم من جنوب سوريا.
نزاعات المياه: تحتاج نزاعات تقاسم المياه في سوريا( مع والأردن )، والَّتي كانت راكدةً في عهد الأسد، إلى حلّ. وقد أدَّت هذه النِّزاعات إلى تفاقم ندرة المياه الحادَّة في الأردنِّ، والَّتي تفاقمت بسبب استضافة اللَّاجئين السُّوريِّين لمدَّة 13 عامًا.
الدِّيناميكيَّات الدَّاخليَّة: تتعقَّد استراتيجيَّة الاحتواء الأردنِّيَّة بسبب الدِّيناميكيَّات الدَّاخليَّة، لا سيَّما تطلُّعات الإخوان المسلمين المتزايدة بعد 7 تشرين الأوَّل/ أكتوبر.
الامتداد الأيديولوجيُّ: هناك مخاوف بشأن الموقف الأيديولوجيِّ لهيئة تحرير الشَّام وتأثيرها المحتمل داخل الأردنِّ. وقد أشار المعلِّقون المحلِّيُّون إلى خطاب الشَّرع في المسجد الأمويِّ، حيث أعلن سقوط نظام الأسد انتصارًا لـ ” الأمَّة ” الإسلاميَّة الأوسع، باعتباره يتماشى مع التَّطلُّعات الإسلاميَّة الشَّاملة. هناك خوف من أنَّ إضفاء الشَّرعيَّة على هيئة تحرير الشَّام قد يشجِّع الفصائل المتطرِّفة الكامنة داخل الأردنِّ.
الاعتراف الدَّوليُّ: هناك روايات مستقطبة داخل المجتمع الأردنِّيِّ حول ما إذا كان الانخراط مع هيئة تحرير الشَّام ضرورة عمليَّة أمِّ إضفاء شرعيَّة خطيرة على التَّطرُّف. ينظر إلى تحوُّل هيئة تحرير الشَّام من جماعة مسلَّحة إلى نظام حكم على أنَّه غير مُختبر وغير مؤكَّد. إذا فشل هذا الانتقال، فقد تعود المجموعة إلى جذورها المتشدِّدة، ممَّا يشكِّل تهديدات متجدِّدةً لأمن الأردنِّ. وحتَّى الانتقال النَّاجح إلى نظام إسلاميّ يمكن أن يشجِّع الحركات الإسلاميَّة في الأردنِّ، ممَّا يؤدِّي إلى تفاقم التَّوتُّرات الدَّاخليَّة.
لقد أيَّد الأردنُّ وقف إطلاق النَّار في السُّويداء. وبينما لا يتوقَّع الأردنَّ امتداد الصِّراع في السُّويداء إلى أراضيه بسبب عدم وجود حالة درزيَّة كبيرة هناك، فإنَّه لا يريد أيَّ تطرُّف.
العراق
يُظهر العراق تردُّدًا في التَّعامل مع الحكومة السُّوريَّة الجديدة لأسباب تاريخيَّة وقانونيَّة وسياسيَّة، أسباب التَّردُّد: .
التَّحالف السَّابق مع نظام الأسد: كان العراق حليفًا لنظام الأسد المخلوع، حيث قاتلت وحدات كبيرةً من الميليشيات الشِّيعيَّة العراقيَّة، الَّتي تعمل غالبًا تحت القيادة الإيرانيَّة، إلى جانب قوَّات الأسد، ممَّا أدَّى إلى روابط عمليَّاتيَّة عميقة. ينظر إلى سقوط الأسد على أنَّه نكسة لإيران، الَّتي لها نفوذ قويّ في بغداد، ممَّا يعقِّد سياسة العراق تجاه سوريا ويجعل من الصَّعب الاعتراف بسرعة بالحكومة الجديدة بقيادة الرَّئيس المؤقَّت أحمد الشَّرع.
مذكِّرة توقيف بحقِّ الشَّرع: يواجه العراق معضلةً قانونيَّةً وأخلاقيَّةً، حيث توجد مذكِّرة توقيف نشطة ضدَّ الشَّرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمَّد الجولاني، بسبب ارتباطاته السَّابقة بتنظيم القاعدة ومزاعم تورُّطه في هجمات أدَّت إلى مقتل عراقيَّين. يشكِّك صانعو السِّياسات العراقيُّون في تحوُّله إلى رجل دولة عمليّ. كما أنَّ القانون العراقيَّ يجرِّم الشَّرع بموجب المادَّة 4 من قانون مكافحة الإرهاب.
المخاطر الأمنيَّة: يخلق هذا التَّردُّد من جانب بغداد أخطار أمنيَّةً عاليةً، لا سيَّما فيما يتعلَّق بمكافحة داعش يوصف الحدود العراقيَّة السُّوريَّة بأنَّها ” منطقة هشَّة وخصبة للاستغلال ” حيث لا يزال داعش يشكِّل تهديدًا قويًّا. دون مشاركة رسميَّة وعلاقات طبيعيَّة، تتعطَّل مشاركة المعلومات الاستخباراتيَّة والتَّنسيق الحدوديِّ، ممَّا قد يسمح لداعش بإعادة تجميع صفوفه.
إنَّ تردُّد العراق في التَّعامل مع الحكومة السُّوريَّة الجديدة، المدفوع بمزيج من الارتباطات التَّاريخيَّة، والقضايا القانونيَّة، والمخاوف الأمنيَّة، يعوق جهود الاستقرار الإقليميِّ ويترك الحدود العراقيَّة السُّوريَّة عرضة لاستغلال تنظيم داعش. هذا الوضع يتطلَّب دورًا حاسمًا من الولايات المتَّحدة في التَّوسُّط لتجاوز هذا الانقسام، لضمان تعاون أمنيّ فعَّال في منطقة حيويَّة لمكافحة الإرهاب.
دول الخليج
أبدت دول الخليج دعمًا واسعًا للحكومة السُّوريَّة الجديدة، حيث رحَّبت بها كشريك محتمل في إعادة الإعمار وتأمين المنطقة. هذا الدَّعم يعكس رغبتها في تحقيق الاستقرار في سوريا بعد سنوات من الصِّراع.
فرص الاستثمار
في أواخر تمُّوز/ يوليو، أعلنت سوريا والمملكة العربيَّة السُّعوديَّة عن 47 اتِّفاقيَّة استثماريَّة بقيمة تزيد عن 6 مليارات دولار[22].
هذه الاستثمارات الكبيرة من دول الخليج، لا سيَّما السُّعوديَّة وقطر والإمارات، تشير إلى تحوُّل في مواقفها تجاه سوريا ما بعد الأسد. وبعد سنوات من دعم المعارضة، يبدو أنَّ هذه الدُّول تتبنَّى نهجًا عمليًّا يركِّز على الاستقرار الاقتصاديِّ وإعادة الإعمار، ممَّا يعكس رغبةً في احتواء الفراغ الأمنيِّ ومنع تفاقم الأوضاع، مع تحقيق مصالح اقتصاديَّة في عمليَّة إعادة الإعمار.
ب. القوى الدَّوليَّة الكبرى
روسيا
يمثِّل سقوط نظام الأسد نكسةً كبيرةً لنفوذ روسيا في الشَّرق الأوسط، فقد أظهر فشل محاولتها إحياء استراتيجيَّة الحرب الباردة في المنطقة.
سقوط الأسد وتأثيره في الدَّور الرُّوسيِّ:
على عكس تدخُّلها العسكريِّ في عام 2015 الَّذي أنقذ نظام الأسد من الانهيار، لم تتدخَّل روسيا بقوَّة في عام 2024 لمنع سقوط دمشق.
فشلت القاذفات الرُّوسيَّة في إبطاء تقدُّم المتمرِّدين، ولم ترق حملاتها الجوِّيَّة إلى مستوى الحملات المكثَّفة الَّتي شوهدت في 2016- 2017.
يشير قرار موسكو غير المتوقَّع بعدم دعم نظام بشَّار الأسد هذه المرَّة إلى تحوُّل في أولويَّاتها، لا سيَّما في سياق حربها في أوكرانيا، حيث تركِّز مواردها العسكريَّة، يمثِّل سقوط الأسد نهايةً لشبكة نفوذ روسيَّة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، ممَّا يقلِّل من دور موسكو المهيمن سابقًا في سوريا.
مستقبل الوجود الرُّوسيِّ: لا يزال مستقبل القواعد العسكريَّة الرُّوسيَّة في سوريا غير مؤكَّد، لكنَّ موسكو بدأت- بالفعل- جهودًا لتأمين موطئ قدَّم في المنطقة، مع الأسد أو من دونه، و من المرجَّح أن يكون الوجود الرُّوسيُّ المستمرُّ تحت هيكل سلطة جديد تسيطر عليه قوى إقليميَّة مثل تركيا، ممَّا يقلِّل بشكل كبير من دور موسكو الَّذي كان مهيمنًا في السَّابق.
تُعدُّ القواعد البحريَّة والجوِّيَّة الرُّوسيَّة في سوريا ضروريَّةً لقدرة موسكو على تأكيد نفوذها في الشَّرق الأوسط وأفريقيا، حيث تشارك في صراعات بعيدة في ليبيا والسُّودان وجمهوريَّة أفريقيا الوسطى ومالي والنَّيجر.
لقد تكيَّفت وسائل الإعلام الرُّوسيَّة الَّتي تسيطر عليها الدَّولة بسرعة مع الوضع الجديد، ممَّا وفَّر منصَّةً لمسؤولين سابقين في نظام الأسد أصبحوا الآن منتقدين له.
إنَّ تراجع الدَّور الرُّوسيِّ في سوريا، الَّذي يتجلَّى في عدم دعم نظام الأسد بقوَّة في لحظة سقوطه، يعكس تحوُّلاً في الأولويَّات الاستراتيجيَّة لموسكو، لا سيَّما في سياق انخراطها في أوكرانيا. هذا التَّراجع يفتح الباب أمام قوًى إقليميَّة أخرى لملء الفراغ، ممَّا يؤدِّي إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في سوريا والمنطقة، ويجبر روسيا على إعادة تقييم استراتيجيَّتها للحفاظ على نفوذها في الشَّرق الأوسط.
الولايات المتَّحدة
لقد أبدت الولايات المتَّحدة دعمًا للحكومة السُّوريَّة الجديدة، معتبرةً أنَّه ” لا توجد خطَّة بديلة ” للعمل معها لتوحيد البلاد.
ترحِّب الولايات المتَّحدة بالاتِّفاق الأخير بين السُّلطات السُّوريَّة المؤقَّتة وقوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة لدمج الشَّمال الشَّرقيِّ في سوريا موحَّدةً.
تؤكِّد الولايات المتَّحدة دعمها لانتقال سياسيّ يظهر ” حكمًا ذا مصداقيَّة وغير طائفيّ ” كأفضل مسار لتجنُّب المزيد من الصِّراع.
ومع ذلك، تلاحظ الولايات المتَّحدة ” بقلق العنف المميت الأخير ضدَّ الأقلِّيَّات
أعلنت إدارة ترامب أنَّها ستخفِّض عدد قوَّاتها إلى النِّصف. كما أعلن المبعوث الأمريكيُّ توم باراك أنَّ الخطَّة هي تقليص عدد القواعد الأمريكيَّة في سوريا من ثمانية إلى واحدة.
في تمُّوز/ يوليو 2025، رفعت الولايات المتَّحدة تصنيف هيئة تحرير الشَّام كمنظَّمة إرهابيَّة أجنبيَّة، مشيرةً إلى أنَّها ” التزمت بمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله جاء هذا القرار كجزء من استراتيجيَّة أوسع لإدارة ترامب لإعادة الانخراط مع سوريا ودعم إعادة إعمارها بعد أكثر من عقد من الصِّراع [23]
قانون قيصر: تمَّ إلغاء العقوبات الأمريكيَّة الشَّاملة على سوريا في 1 تمُّوز/ يوليو 2025 بموجب أمر تنفيذيّ صادر عن الرَّئيس ترامب ومع ذلك، لا تزال العقوبات قائمةً على بشَّار الأسد وشركائه، ومنتهكي حقوق الإنسان، ومهرِّبي الكبتاغون، والأشخاص المرتبطين بأنشطة الانتشار السَّابقة لسوريا، والمنتسبين إلى داعش والقاعدة، وإيران ووكلائها[24]
إنَّ موقف الولايات المتَّحدة، الَّذي يجمع بين دعم الحكومة الجديدة ورفع العقوبات مع الحفاظ على آليَّات المساءلة والتَّحفُّظات بشأن حقوق الإنسان، يعكس محاولةً لموازنة المصالح الاستراتيجيَّة مع القيم. ومع ذلك، فإنَّ هذا النَّهج قد يواجه تحدِّيات في التَّنفيذ، خاصَّةً في ظلِّ استمرار العنف الطَّائفيِّ ومحدوديَّة الإصلاحات الدَّاخليَّة، ممَّا يثير تساؤلات حول مدى فعَّاليَّة السِّياسة الأمريكيَّة في تحقيق الاستقرار طويل الأمد في سوريا.
الاتِّحاد الأوروبِّيُّ/ فرنسا
الدَّعم للانتقال السِّياسيِّ
تؤكِّد فرنسا التزامها بالمبادئ المحدَّدة في البيان الختاميِّ لمؤتمر باريس بشأن سورية ، [25]بما في ذلك احترام الحرِّيَّات الأساسيَّة وحقوق الإنسان، والمشاركة الحقيقيَّة للمرأة في جميع المجالات، وتأسيس المواطنة على رفض جميع أشكال التَّمييز، وإنشاء عدالة انتقاليَّة.
تدعو فرنسا إلى استمرار الحوار الوطنيِّ على المدى الطَّويل وإشراك ممثِّلين من جميع شرائح المجتمع السُّوريِّ من دون دون استثناء، و تؤكِّد فرنسا دعمها لعمليَّة انتقال تلبِّي تطلُّعات الشَّعب السُّوريِّ للحرِّيَّة والكرامة، و بناء سوريا حرَّةً وموحَّدةً وذات سيادة ومستقرَّة وشاملة ومندمجة بالكامل في بيئتها الإقليميَّة والمجتمع الدَّوليِّ.
ستشارك فرنسا بالكامل في إعادة إعمار الاقتصاد السُّوريِّ
أشار الاتِّحاد الأوروبِّيُّ إلى قرار الدُّول الأعضاء في 24 شباط/ فبراير بتعليق العقوبات المفروضة على القطاعات الاقتصاديَّة الرَّئيسيَّة، لا سيَّما الطَّاقة والنَّقل والمعاملات الماليَّة.
خصَّص الاتِّحاد الأوروبِّيّ 202,5 مليون يورو للمساعدات الإنسانيَّة في عام 2025[26]
إنَّ دعم الاتِّحاد الأوروبِّيِّ وفرنسا لعمليَّة الانتقال في سوريا، والَّذي يتضمَّن تعليق العقوبات وتقديم المساعدات الإنسانيَّة، يهدف إلى تشجيع الاستقرار وإعادة الإعمار.
ومع ذلك، فإنَّ فعَّاليَّة هذا الدَّعم تعتمد على التزام الحكومة السُّوريَّة الجديدة بالإصلاحات الشَّاملة، وخاصَّةً في مجالات حقوق الإنسان والعدالة الانتقاليَّة، لضمان أن يؤدِّي الانتقال إلى سلام مستدام وشامل.
ج. الانتعاش الاقتصاديُّ والعقوبات
التَّحدِّيات الاقتصاديَّة
لقد دمَّرت 14 عامًا من الصِّراع الاقتصاد السُّوريِّ، حيث انكمش النَّاتج المحلِّيُّ الإجماليُّ بشكل تراكميّ بأكثر من 50 % منذ عام 2010، وانخفض نصيب الفرد من الدَّخل القوميِّ الإجماليِّ إلى 830 دولارًا فقط في عام 2024، وهو أقلُّ بكثير من العتبة الدَّوليَّة للبلدان منخفضة الدَّخل. يؤثِّر الفقر المدقع الآن على واحد من كلِّ أربعة سوريِّين، بينما يعيش ثلثا السُّكَّان تحت خطِّ الفقر الأدنى للطَّبقة المتوسِّطة.
منذ الانتقال السِّياسيِّ، تواجه سوريِّين أزمة سيولة حادَّة بسبب نقص الأوراق النَّقديَّة المادِّيَّة والاضطرابات الأوسع في تداول العملة المحلِّيَّة. ولا يزال الأمن الغذائيُّ يمثِّل تحدِّيًا كبيرًا، حيث يقدَّر أنَّ حوالي 13 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائيِّ في جميع أنحاء سوريا. كما أنَّ معدَّل البطالة في جميع أنحاء البلاد 13 في المئة في عام 2024. والصُّعوبات الاقتصاديَّة في جميع المحافظات بسبب نقص السُّيولة النَّقديَّة، ممَّا يحدُّ من الوصول إلى النَّقد، ويشكِّل تحدِّيات للسُّكَّان والجهات الفاعلة الإنسانيَّة.
الاستثمار وإعادة الإعمار
على الرَّغم من التَّحدِّيات الهائلة، بدأت سوريِّة في جذب الاستثمارات بعد تخفيف العقوبات الغربيَّة وسقوط نظام الأسد.
صفقات الاستثمار الكبرى
وقعت سوريِّة اتِّفاقيَّات بقيمة 14 مليار دولار مع شركات إقليميَّة ودوليَّة ل 12 مشروعًا استثماريًّا، بما في ذلك تحديث مطار دمشق الدَّوليِّ ونظام مترو أنفاق جديد.
يشمل ذلك توسعة مطار دمشق الدَّوليِّ بقيمة 4 مليارات دولار من قبل شركة أوربكون القطريَّة القابضةوالَّتي ستمكِّن المطار من خدمة ما يصل إلى 31 مليون مسافر سنويًّا.
نظام مترو أنفاق جديد في العاصمة بقيمة 2 مليار دولار، والَّذي من المتوقَّع أن يستخدمه 750,000 شخص يوميًّا، تمَّ توقيعه مع شركة الإمارات الوطنيَّة للاستثمار.
بناء 60 برجًا سكنيًّا يضمُّ 20 ألف وحدة سكنيَّة خارج العاصمة بتكلفة 2 مليار دولار.
في أيَّار/ مايو 2025، اتِّفاقيَّةً لمشروع طاقة بقيمة 7 مليارات دولار، بقدرة 5000 ميجاوات، مع ائتلاف من الشَّركات القطريَّة والتُّركيَّة والأمريكيَّة لإعادة تنشيط شبكة الكهرباء في البلاد.
في أواخر تمُّوز/ يوليو، سوريا والمملكة العربيَّة السُّعوديَّة أعلنتا عن 47 اتِّفاقيَّة استثماريَّة بقيمة تزيد عن 6 مليارات دولار.
إمكانات السِّياحة: لطالما امتلكت سوريِّة إمكانات سياحيَّةً هائلةً لم تتمكَّن من تحقيقها. وقد أحيا سقوط الأسد الآمال في إحياء صناعة السِّياحة والمساعدة في التَّعافي بعد الحرب.
التَّحدِّيات المتبقِّية: على الرَّغم من هذه التَّطوُّرات الإيجابيَّة، لا تزال هناك تحدِّيات كبيرة أمام إعادة الإعمار. إنَّ حجم التَّمويل المطلوب لإعادة الإعمار هائل، والمبالغ المُتعهُّد بها حتَّى الآن لا تفي بالاحتياجات. كما أنَّ العقوبات الأمريكيَّة، على الرَّغم من تخفيفها، لا تزال تعيق بعض جوانب التَّعافي.
وضع العقوبات: شهد عام 2025 تحوُّلاً كبيرًا في وضع العقوبات المفروضة على سوريا. في 30 حزيران/ يونيو 2025، أصدر الرَّئيس ترامب أمرًا تنفيذيًّا يلغي العقوبات الأمريكيَّة على سوريا، ابتداء من 1 تمُّوز/ يوليو 2025. وقد جاء هذا القرار بهدف منح السُّوريِّين فرصةً لتحقيق ” العظمة ” ودعم جهود إعادة الإعمار.
لا تزال ضوابط التَّصدير الأمريكيَّة على سوريا ساريةً إلى حدّ كبير في الوقت الحاليِّ، على الرَّغم من توقُّع تخفيفها قريبًا.
تمَّ تعليق تطبيق بعض أو كلِّ العقوبات المطلوبة بموجب قانون قيصر لحماية المدنيِّين في سوريا لعام 2019 لمدَّة 180 يومًا في 23 أيَّار/ مايو 2025.
إنَّ رفع العقوبات الأمريكيَّة والأوروبِّيَّة عن سوريا، لا سيَّما في القطاعات الاقتصاديَّة الرَّئيسة مثل الطَّاقة والماليَّة، يشير إلى رغبة دوليَّة حذرة في إعادة الانخراط مع الحكومة السُّوريَّة الجديدة ودعم عمليَّة إعادة الإعمار. ومع ذلك، فإنَّ استمرار العقوبات على أفراد وكيانات معيَّنة، إلى جانب التَّحدِّيات الأمنيَّة والسُّيولة النَّقديَّة، يعني أنَّ الانتعاش الاقتصاديَّ سيكون عمليَّةً طويلةً ومعقَّدةً تعتمد على إزالة المزيد من العوائق وتحقيق استقرار داخليّ ملموس.
التحديات الجيوسياسية المستقبلية
يخلص البحث إلى أن سوريا الجديدة تواجه “ثلاثية التحدي
تحدي السيادة: بين الرغبة في الاستقلال الوطني وبين الاعتماد الضروري على الضامنين (تركيا وروسيا)
تحدي الهوية السياسية: الانتقال من “الهويات المغلقة” (الطائفية والأيديولوجية) إلى “المواطنة الجامعة” في بيئة مثقلة بإرث العنف الممنهج
تحدي النموذج الاقتصادي: التحول من اقتصاد “الحرب والظل” إلى اقتصاد الإنتاج وجذب الاستثمارات، وهو ما يتطلب شفافية قانونية غير مسبوقة في البيئة السورية
ثالثًا: الإطار النَّظريُّ: منظورات العلاقات الدَّوليَّة
أ. التَّفسيرات الواقعيَّة/ الواقعيَّة الجديدة
تقدُّم نظريَّات العلاقات الدَّوليَّة الواقعيَّة والواقعيَّة الجديدة إطارًا تحليليًّا لفهم التَّحوُّلات في سوريا ما بعد الأسد، مع التَّركيز على دور الفاعلين من غير الدُّول، والصِّراع على السُّلطة، وميزان القوى في النِّظام الدَّوليِّ الفوضويِّ.
الفاعلون من غير الدُّول كلاعبين استراتيجيِّين
تؤكِّد هذه النَّظريَّات أنَّ الفاعلين من غير الدُّول، مثل هيئة تحرير الشَّام وحزب اللَّه، لم يعودوا مجرَّد حركات تمرُّد أو مقاومة هامشيَّة، بل أصبحوا لاعبين رئيسين في الدِّيناميكيَّات العسكريَّة والدِّبلوماسيَّة والأيديولوجيَّة. إنَّهم يشاركون في أنشطة عادة ما تكون مخصَّصةً للدُّول ذات السِّيادة، مثل العمليَّات العسكريَّة والمفاوضات وتشكيل التَّحالفات. يعكس سلوكهم منطقًا واقعيًّا لتعظيم القوَّة والبقاء وتحديد المواقع الاستراتيجيَّة، حتَّى لو كانوا يفتقرون إلى السِّيادة الرَّسميَّة.
صراع القوى وميزان التَّهديد:
في إطار الواقعيَّة الجديدة، ينظر إلى النِّظام الدَّوليِّ على أنَّه فوضويُّ، حيث تسعى الدُّول (والفاعلون من غير الدُّول) إلى تحقيق مصالحها الخاصَّة وضمان بقائها. هذا يؤدِّي إلى ” معضلة أمنيَّة ” حيث يؤدِّي عدم اليقين بشأن نيَّات الآخرين إلى عدم الثِّقة والحاجة إلى الحماية الذَّاتيَّة. تتشكَّل التَّحالفات إمَّا لموازنة القوَّة أو لموازنة التَّهديد.
دور تركيا: يمكن تفسير دعم تركيا لهيئة تحرير الشَّام والجيش الوطنيِّ السُّوريِّ، وسعيها لكبح الجماعات الكرديَّة، من منظور واقعيّ. تهدف أنقرة إلى تعزيز نفوذها الإقليميِّ وحماية مصالحها الأمنيَّة على حدودها، خاصَّة فيما يتعلَّق بالتَّهديدات الكرديَّة. إنَّ سقوط الأسد يمنح تركيا ” مساحةً أكبر للمناورة ” لتحقيق أهدافها.
نكسة إيران: يمثِّل سقوط الأسد نكسة استراتيجيَّة لإيران، حيث فقدت ممرًّا برِّيًّا حيويًّا لدعم حزب اللَّه. هذا يقلِّل من قدرة إيران على إبراز قوَّتها في المنطقة، ممَّا يجبرها على إعادة تقييم استراتيجيَّاتها في صراع القوى الإقليميِّ.
تراجع روسيا: يشير عدم دعم روسيا لنظام الأسد بقوَّة في عام 2024 إلى تحوُّل في أولويَّاتها الاستراتيجيَّة، ربَّما بسبب تركيزها على حرب أوكرانيا. هذا التَّراجع يترك فراغًا في السُّلطة تسعى قوًى إقليميَّةً أخرى لملئه، ممَّا يغيِّر ميزان القوى في سوريا.
ديناميكيَّات الصِّراع الدَّاخليِّ: يمكن فهم الصِّراعات المستمرَّة بين الفصائل المسلَّحة المختلفة في سوريا، مثل قوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة والجيش الوطنيِّ السُّوريِّ، من منظور صراع القوى حيث تسعى كلَّ مجموعة لتعظيم نفوذها وسيطرتها على الموارد والأراضي.
تساعد هذه التَّفسيرات في فهم كيف أنَّ المصالح الوطنيَّة والأمنيَّة، إلى جانب التَّوزيع المتغيِّر للقدرات، تدفع سلوك الفاعلين الإقليميِّين والدَّوليِّين في سوريا ما بعد الأسد، ممَّا يؤدِّي إلى إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسيِّ
ب. التَّفسيرات البنائيَّة
يركِّز الإطار النَّظريُّ البنائيُّ في العلاقات الدَّوليَّة على دور البنى الاجتماعيَّة، والهويَّات، والمعايير في تشكيل سلوك الفاعلين ونتائج الصِّراعات. يرى البنائيُّون أنَّ الهويَّات ليست ثابتةً، بل يتمُّ بناؤها اجتماعيًّا من خلال الخطاب والتَّفاعل والتَّصوُّر.
بنائي الهويَّة والاعتدال:
اعتدال أحمد الشَّرع: من منظور بنائيّ، لم يتم ” اكتشاف ” اعتدال أحمد الشَّرع، بل تمَّ ” بناؤه “. لقد سعى الشَّرع، منذ انفصاله عن القاعدة، إلى كسب الشَّرعيَّة الدَّوليَّة من خلال تقديم صورة أكثر اعتدالاً لنفسه، متخلِّيًا عن الجهاد العابر للحدود ضدَّ الدُّول الغربيَّة، ومركزًا على الحكم في سوريا مع التَّعهُّد بحماية الأقلِّيَّات. وقد تمَّ تعزيز هذه الصُّورة من خلال الإحاطات الصَّحفيَّة، وتقارير مراكز الأبحاث، والمذكِّرات السِّياسيَّة.
التَّحوُّل من ” أبو محمَّد الجولاني “: يرى التَّحليل البنائيُّ أنَّ الشَّرع تخلَّى عن اسمه الحركيِّ ” أبو محمَّد الجولاني “، الَّذي كان يرمز إلى هويَّته كمقاتل تحت الاحتلال وتضامنه مع الجولان المحتلُّ، من أجل بناء هويَّةً ” مطهِّرةً ” ومقبولةً للقوى الغربيَّة والمتعاونين الإقليميِّين.
دور المعايير والبنى الاجتماعيَّة:
تؤثِّر المعايير المتعلِّقة بالسِّيادة وعدم التَّدخُّل في الشُّؤون الدَّاخليَّة للدُّول على كيفيَّة تفاعل الفاعلين مع سوريا.
كما أنَّ البنى الاجتماعيَّة الأوسع، مثل مفهوم الانقسام الطَّائفيِّ ” الشِّيعيِّ- السُّنِّيَّ “، تشكِّل الدِّيناميكيَّات الدَّاخليَّة للصِّراع وتؤثِّر على التَّحالفات.
إنَّ محاولات الحكومة الجديدة لإظهار الشُّموليَّة وحماية الأقلِّيَّات، على الرَّغم من العنف المستمرِّ ضدَّها، يمكن فهمه كمحاولة لبناء شرعيَّة داخليَّة وخارجيَّة من خلال تبنِّي معايير مقبولة دوليًّا.
تأثير الهويَّات على العلاقات:
يشير التَّحليل البنائيُّ إلى أنَّ هويَّة الحكومة السُّوريَّة كدولة علمانيَّة بعثيَّة (سابقًا) أو كحكومة بقيادة إسلاميَّة (الآن) قد شكَّلت استجابتها للصِّراع.
وبالمثل، فإنَّ هويَّات الجماعات المتمرِّدة كإسلاميَّة أو علمانيَّة أثَّرت على أفعالها وتحالفاتها.
إنَّ استمرار العنف الطَّائفيِّ في سوريا، على الرَّغم من جهود الحكومة الجديدة لتقديم نفسها كحامية للأقلِّيَّات، يشير إلى عمق الانقسامات الهوياتيَّة الَّتي لم تتم معالجتها بشكل فعَّال. هذه الانقسامات، الَّتي تغذِّيها حملات التَّضليل الإعلاميِّ الَّتي تصف كل الأقلِّيَّات ب ” بقايا النِّظام ” أو ” المتعاونين “، من جانب والحملات الَّتي تصف الحكومة الجديدة والدَّاعمين لها بالإرهابيِّين من جانب آخر تُظهر كيف أنَّ الهويَّات المبنيَّة اجتماعيًّا يمكن أن تؤدِّي إلى صراع مستمرّ وتقويض جهود المصالحة.
إنَّ فهم دور الهويَّة والمعايير والبنى الاجتماعيَّة في تشكيل سلوك الدَّولة والنَّتائج الإقليميَّة يساعد صانعي السِّياسات على تطوير استجابات أكثر فعَّاليَّة ودقَّة للتَّحدِّيات الإقليميَّة.
ج. الآثار على السِّياسة والبحث المستقبليِّ
تساعد نظريَّات العلاقات الدَّوليَّة، سواءً الواقعيَّة/ الواقعيَّة الجديدة أو البنائيَّة، في فهم تعقيدات المشهد السُّوريِّ ما بعد الأسد وتقديم إطار للتَّحليل المستقبليِّ.
فهم الدِّيناميكيَّات المعقَّدة:
توضِّح الواقعيَّة الجديدة أنَّ الفاعلين من غير الدُّول أصبحوا لاعبين استراتيجيِّين رئيسيِّن، ممَّا يتطلَّب إعادة تقييم النَّماذج التَّقليديَّة الَّتي تركِّز على الدَّولة. هذا يعني أنَّ أيَّ سياسة ناجحة في سوريا يجب أن تأخذ في الاعتبار مصالح وديناميكيَّات هذه المجموعات المسلَّحة، وليس فقط الحكومة المركزيَّة.
يبرز المنظور البنائيُّ كيف أنَّ ” اعتدال ” هيئة تحرير الشَّام قد يكون بناء اجتماعيّ يهدف إلى كسب الشَّرعيَّة، ممَّا يستدعي تحليل نقديّ للخطاب الرَّسميِّ ومقارنته بالسُّلوك الفعليِّ على الأرض هذا يشير إلى أنَّ السِّياسة يجب أن تتجاوز التَّصريحات السَّطحيَّة وتنظر إلى الأفعال الملموسة، خاصَّة فيما يتعلَّق بحقوق الإنسان ومعاملة الأقلِّيَّات.
توجيه السِّياسة
التَّعامل مع الفاعلين من غير الدُّول: يجب على صانعي السِّياسات إيجاد طرق للتَّعامل مع الفاعلين من غير الدُّول الَّذين يمارسون وظائف الدَّولة، سواءً كانوا ” مفسدين ” أو ” مستقرِّين “، مع الحفاظ على مبادئ السِّيادة.
أهمِّيَّة العدالة الانتقاليَّة: تؤكِّد النَّظريَّات على أنَّ العدالة الانتقاليَّة ليست مجرَّد ضرورة أخلاقيَّة أو قانونيَّة، بل هي شرط هيكليّ لتحقيق الاستقرار والسَّلام على المدى الطَّويل. يجب أن تركِّز السِّياسات على دعم آليَّات المساءلة الشَّاملة والشَّفَّافة لجرائم الماضي، لكسر دائرة الانتقام وبناء الثِّقة.
تعزيز الشُّموليَّة: يجب أن تهدف السِّياسات إلى دعم نظام سياسيّ يضمن مشاركةً حقيقيَّةً لجميع مكوِّنات المجتمع السُّوريِّ، بما في ذلك المجموعات السِّياسيَّة والطَّائفيَّة والعرقيَّة ومنظَّمات المجتمع المدنيِّ. هذا يتطلَّب تجاوز النَّهج المركزيِّ الَّذي قد يغذِّي المظالم، والتَّركيز على المواطنة بديلاً عن الانتماءات الطَّائفيَّة.
دور المجتمع المدنيِّ: يمكن للمجتمع المدنيِّ القويِّ، المدعوم بالمساعدات الخارجيَّة( غير المشروطة)، أن يعمل كضابط وتوازن ضدَّ الحكم الَّذي قد يكون إسلاميًّا أو استبداديًّا، ويعزِّز سوريا تعدُّديَّة.
يجب أن يواصل البحث استكشاف كيفيَّة تفاعل الدِّيناميكيَّات الدَّاخليَّة السُّوريَّة مع المصالح الإقليميَّة والدَّوليَّة المتغيِّرة
هناك حاجة إلى مزيد من البحث حول فعَّاليَّة استراتيجيَّات ” الاعتدال ” الَّتي تتبنَّاها الجماعات مثل هيئة تحرير الشَّام، ومدى تأثيرها على التَّماسك الاجتماعيِّ والاستقرار على المدى الطَّويل.
يجب أن تركِّز الدِّراسات المستقبليَّة على آليَّات بناء الثِّقة والمصالحة في مجتمع ممزَّق، وكيف يمكن للجهات الفاعلة الخارجيَّة أن تدعم هذه العمليَّات دون تفاقم الانقسامات.
رابعًا: النَّتائج والتَّوصيات
التَّنقُّل في مستقبل معقَّد
رابعًا: الاستنتاجات والتَّوصيات.
قراءة في مآلات المشهد السُّوريِّ
لا يمثِّل سقوط النِّظام السُّوريِّ في ديسمبر 2024 مجرَّد تغيير في السُّلطة السِّياسيَّة، بل هو ” إزاحة بنيويَّة ” أعادت تعريف الدَّولة الوطنيَّة وعلاقتها بالمجتمع وبالنِّظام الإقليميِّ. وبناء على التَّحليل المتقدِّم في فصول الدِّراسة، يمكن استخلاص النَّتائج والتَّوجُّهات المستقبليَّة التَّالية:
1- استنتاجات تحليليَّة:
معضلات الشَّرعيَّة والتَّموضع ثنائيَّة ” البراغماتيَّة والأيديولوجيا ” في السُّلطة النَّاشئة:
كشف تشكيل الحكومة الانتقاليَّة عن محاولة جادَّة من ” هيئة تحرير الشَّام ” للتَّحوُّل من ” تنظيم فاعل من غير الدُّول ” إلى ” سلطة دولة ” عبر تبنِّي خطاب الاعتدال والشُّموليَّة. ومع ذلك، فإنَّ الاستحواذ على مفاصل القرار السِّياديِّ يعكس ” أزمة ثقة ” بنيويَّة تجاه المكوِّنات السِّياسيَّة الأخرى، ممَّا يجعل المسار الدِّيمقراطيُّ رهنًا بمدى قُدرة الهيئة على التَّخلِّي الطَّوعيِّ عن الهيمنة لمصلحة مؤسَّسات الدَّولة الوطنيَّة هشاشة التَّوافقات العسكريَّة والعرقيَّة: أثبتت أحداث ما بعد مارس 2025 أنَّ الاتِّفاقيَّات الموقَّعة (مثل اتِّفاق الاندماج مع ” قسد “) تفتقر إلى ” العمق السِّياسيِّ “؛ إذ لا تزال قضايا المركزيَّة واللَّامركزيَّة تمثِّل لغمًا قابلاً للانفجار. أنَّ فشل مؤتمر الحوار الوطنيِّ في شباط 2025 في تحقيق الشُّموليَّة يشير إلى أنَّ النُّخبة الجديدة قد تقع في فخِّ ” إعادة إنتاج الإقصاء ” بصيغ مختلفة، ما لم يتم ابتكار عقد اجتماعيّ يتجاوز الهويَّات الفرعيَّة.
تحوُّل الجيوسياسيَّة السُّوريَّة: تحوَّلت سوريا من ” لاعب إقليميّ ” (عبر محور الممانعة سابقًا) إلى ” ساحة للتَّوازنات ” الدَّوليَّة والإقليميَّة.
أنَّ انحسار النُّفوذ الإيرانيِّ وتراجع الدَّور الرُّوسيِّ قابله صعودًا للدَّور التُّركيِّ والخليجيِّ، وهو ما يضع الدَّولة السُّوريَّة أمام تحدِّي الحفاظ على ” السِّيادة الوطنيَّة ” وسط تقاطع مصالح القوى الضَّامنة والمانحة
2- التَّحليل الاستشرافيُّ للمسارات المستقبليَّة
بناء على المعطيات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، يواجه الاستقرار السُّوريُّ تهديدًا وجوديًّا ناتجًا عن ” الفجوة بين التَّوقُّعات والواقع “؛ فبينما ينتظر المجتمع السُّوريُّ ” تعافيًا سريعًا ” و ” عودةً مستدامةً للنَّازحين “، تصطدم الحكومة الانتقاليَّة بانهيار البنية التَّحتيَّة ونقص التَّمويل الدَّوليِّ.
هذا الاختلال قد يؤدِّي إلى موجة جديدة من الاضطرابات ما لم يتم الانتقال سريعًا من ” شرعيَّة الميدان ” إلى ” شرعيَّة الإنجاز والتَّنمية التَّوصيات الاستراتيجيَّة.
تأسيسًا على ما تقدَّم، تقترح الدِّراسة التَّوصيات التَّالية كخارطة طريق للمرحلة القادمة:
أ- على المستوى السِّياديِّ والأمنيِّ:
المأسسة والاحترافيَّة العسكريَّة: التَّحوُّل الفوريُّ من ” تجميع الفصائل ” إلى ” بناء الجيش الوطنيِّ ” وفق عقيدة عسكريَّة مهنيَّة بعيدة عن التَّسييس أو الأدلجة، ودمج القوى المحلِّيَّة ضمن جداول زمنيَّة واضحة وبرامج (DDR) لإعادة الإدماج والتَّسريح
معالجة بؤر التَّوتُّر الطَّائفيِّ: إطلاق ” هيئة وطنيَّة للمصالحة والعدالة الانتقاليَّة واسعةً الصَّلاحيَّات ” تعمل على تفكيك الاحتقان في السَّاحل والسُّويداء، وضمان عدم تحوُّل الصِّراع السِّياسيِّ إلى صراع هويَّاتي يهدِّد وحدة البلاد.
ب- على مستوى الحكم والإدارة الإصلاح الدُّستوريَّ التَّوازنيَّ: إعادة النَّظر في صلاحيَّات الرِّئاسة الواسعة في الإعلان الدُّستوريِّ، لضمان توازن السُّلطات واستقلال القضاء، والحيلولة دون نشوء سلطة استبداديَّة جديدة بغطاء شرعيّ.
حوكمة المرحلة الانتقاليَّة: تبنِّي نموذج ” الإدارة اللَّامركزيَّة الموسَّعة كحلّ وسط لدمج المناطق (شمال شرق وشمال غرب) ضمن هيكل الدَّولة، مع الحفاظ على وحدة القرار السِّياديِّ في الدِّفاع والخارجيَّة.
ج- على المستوى الاقتصاديِّ والتِّقنيِّ.
تأسيس ” المركز الوطنيِّ للمعلومات والإحصاء “: بالتَّعاون مع وكالات الأمم المتَّحدة، لبناء قاعدة بيانات دقيقة حول معدَّلات الفقر والبطالة والنُّموِّ. إنَّ غياب الأرقام الحقيقيَّة يعوق التَّخطيط الإنمائيُّ ويجعل الدَّولة رهينة لتقديرات خارجيَّةً قد لا تعكس الواقع الميدانيَّ بدقَّة خلق بيئة استثماريَّة جاذبة: مواءمة التَّشريعات الاقتصاديَّة السُّوريَّة مع المعايير الدَّوليَّة لتشجيع الرَّساميل العربيَّة (الخليجيَّة خاصَّةً) والدَّوليَّة على الدُّخول في مشروعات إعادة الإعمار الكبرى د- على المستوى الدِّبلوماسيِّ الاستراتيجيَّة ” العربيَّة أوَّلاً “: تفعيل القنوات الدِّبلوماسيَّة مع المحيط العربيِّ لبناء ” مظلَّة أمان إقليميَّة ” توازن النُّفوذ الإقليميِّ غير العربيِّ، وتسهم في تأمين الحدود ومنع أنشطة التَّهريب العابرة للحدود خاتمة البحث إنَّ نجاح ” سوريا الجديدة ” لا يتوقَّف عند لحظة سقوط النِّظام، بل يبدأ من القدرة على إدارة ” اليوم التَّالي ” بعقليَّة الدَّولة لا بعقليَّة الفصيل. إنَّ التَّحدِّي الحقيقيَّ يكمن في تحويل سوريا من ” أزمة دوليَّة ” إلى ” دولة فاعلة ” قادرة على تحقيق الاستقرار لمواطنيها أوَّلاً، ولجوارها الإقليميّ ثانيًا
- المراجع: العربية
1- نبيل، يوسف. ستيفاني. براون، كيمبرلي، زيلنيك، أندرو، بولوفسكي. إنهاء برنامج العقوبات الأمريكية على سوريا وشطب
هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. مدونة. فريشفيلدز
2 زيلين, هارون يرفع تصنيف هيئة تحرير الشام: تأثيراته على سياسة واشنطن في سوريا ومكافحة الإرهاب. معهد واشنطن2025.
3 شفيق شقير. معضلة استراتيجية: التدخل الإسرائيلي في محافظة السويداء السورية. دراسات.الجزيرة.نت.24\7\2025
4 فرح بدور. بعد سقوط الأسد، الأردن يواجه معضلات جديدة. معهد الولايات المتحدة للسلام، ١٣ يناير ٢٠٢٥
5 سركوت شمس الدين. لماذا يجب على الولايات المتحدة سد الفجوة بين العراق وسوريا. المجلس الأطلسي. ١ مارس ٢٠٢٥
6 بول إيدون. لطالما تمتعت سوريا بإمكانيات سياحية هائلة لم تستطع استغلالها. العربي الجديد. ٧ أغسطس ٢٠٢٥
7 تقرير جديد للبنك الدولي يسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي تواجه سوريا وآفاق التعافي لعام 2025. واشنطن، 7 يوليو/تموز 2025
8 عمر كوش. ماذا حدث بين الحكومة السورية و”قسد”؟ ولماذا فشل الاتفاق؟ شبكة الجزيرة الإخبارية.12\7\2025
9 علاء خليل. أحمد الشرع من قلب السلفية الجهادية إلى عقل الدولة.عربي21.27\6\2025
10 أسامة عثمان. أحمد الشرع بين الواقعية والأيديولوجية. العربي الجديد.27\12\2024
English
- Simon Speakman Cordall. Not just about the Druze: Israel’s rationale for its attacks on Syria. Al Jazeera Media Network.17 July 2025. https://2u.pw/pbpQF
2-Sinem Adar.Muriel Asseburg. Hamidreza Azizi. Margarete Klein.Guido Steinberg
The Fall of the Assad Regime: Regional and International Power Shifts. Stiftung Wissenschaft und Politik. 25.02.2025. https://2u.pw/B4cp8
- Philip Loft. Claire Mills. Syria after Assad: Consequences and interim authorities 2025. House of Commons Library. https://2u.pw/OMtdM
4-Syria signs $14 billion in investment deals, including airport and subway projects
By Reuters.August 6, 2025. https://2u.pw/IG1qp
- France Diplomacy. Press Room. The Ministry Foreign policy Country files Coming to France. Syria – National Dialogue Conference (27 February 2025). https://2u.pw/3C1yz
- Mansoor L. Limba. MARGINALIA: Social Constructivism’s Unmasking of Syria’s ‘Liberator’. Minda news. April 27, 2025. https://2u.pw/ahs5Q
[1] الصراع في سوريا. من إعداد مركز العمل الوقائي. تم التحديث في 14 مايو 2025.
[2] تكليف محمد البشير رسميا برئاسة الحكومة السورية المؤقتة. قناة العربية 10 ديسمبير2024
[3] رسميًا.. الشرع يسمي الحكومة السورية الجديدة. عنب بلدي اونلاين.30.3.2025
[4] نص الإعلان الدستوري لسوريا 2025.الجزيرة نت.14.3.2025
[5] وزراء الحكومة السورية الجديدة.. مؤهلاتهم ومحطات في حياتهم. الجزيرة نت.2.4.2025
[6] مؤتمر الحوار الوطني.. لقاءات لوضع أسس سوريا الجديدة. الجزيرة نت.26.2.2025
[7] حسن، محمد. بناء جيش سوريا الجديد: الخطط المستقبلية والتحديات المقبلة. تحليل. موقع معهد الشرق الأوسط نشر في 12 يونيو 2025
[8] المصدر نفسه
[9] المصدر نفسه
[10] اتِّفاقيَّة الاندماج بين قوَّات سوريا الدِّيمقراطيَّة ودمشق (آذار/ مارس 2025).وكالة سانا للأنباء.
[11] وحدة سوريا الهشة تتداعى: إلغاء محادثات باريس، وتآكل الثقة. أطون جان. القامشلي، سوريا(نورث برس)9.8.2025
[12] الجمهورية العربية السورية: أولويات الاستجابة الإنسانية (من يناير إلى ديسمبر ٢٠٢٥) reliefweb-OCHA. نُشر في ٢٤ يوليو ٢٠٢٥
[13] عمليات المجلس النرويجي للاجئين في سوريا نظرة عامة على الوضع الإنساني -2025 صحيفة الحقائق أبريل
[14] سوريا.. شلل اقتصادي والقطاع الخاص يسرح الموظفين. موقع الجزيرة نت- خاص نشر في 5\6\2024
[15] المصدر نفسه
[16] المصدر نفسه
[17] هبة، جويد. عودة اللاجئين إلى سوريا: تحديات وشكوك. ١ أغسطس ٢٠٢٥، المركز العربي، واشنطن العاصمة
[18] عمر صناديقي، كريم شهيب. عودة أول دفعة من اللاجئين السوريين إلى ديارهم من لبنان بموجب خطة جديدة للأمم المتحدة. أخبار أسوشيتد برس. ٢٩ يوليو ٢٠٢٥.
[19] توثيق مقتل 1013 سورياً مدنيين وعسكريين قتلوا من مختلف الأطراف على خلفية أحداث السويداء تقرير الشبكة السورية لحقوق الانسان شهر تموز/يوليو 2025
[20] ضربات إسرائيل في سوريا.. كل ما تريد معرفته. العين الإخبارية.16\7\2025
[21] نفس المصدر
[22] توقيع 47 اتفاقية بـ6.4 مليارات دولار في منتدى الاستثمار السوري السعودي. الجزيرة نت.24\7\2025
[23] الإدارة الأميركية تلغي تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية أجنبية. الجزيرة نت .7\7\2025
[24] إنهاء برنامج العقوبات على سوريا لمصلحة الشعب السوري بيان صحفي. ماركو روبيو، وزير الخارجية. 30 يونيو/حزيران 2025
[25] مؤتمر باريس بشأن سورية – بيان مشترك (13 شباط/فبراير 2025)-موقع وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية
[26] الاتحاد الأوروبي يزيد مساعداته إلى سوريا. جريدة عنب بلدي.27\5\2025
- مجلة الدراسات الإستراتيجية والعسكرية https://share.google/Trg9ARNgXcCxsGTQD


























