حذر السفير الصيني في بيروت ليو جمينغ من ان اي حرب مع ايران ستكون بمثابة الكارثة على المنطقة برمتها، ورأى ان باب الحل الديبلوماسي لم يقفل بعد، متوقعا في اسوأ الاحوال عقوبات دولية على طهران اخف مما يريده بعض الدول. وحدد ثلاث مشكلات بين الصين والولايات المتحدة، هي الى مشكلة تايوان والتيبت، قضية شركة "غوغل" ومسألة خفض العملة الصينية اليوان. ونفى ان تكون الصين منافسا جديا للولايات المتحدة على المستوى الاقتصادي، قائلا ان بلاده تحتاج الى زمن طويل لتحل محل اميركا "وأي كلام آخر هو كلام بعيد من الحقائق".
وتحدث السفير في لقاء مع "النهار" عن هذه القضايا، وتطرق الى العلاقات اللبنانية – الصينية التي وصفها بانها جيدة "على رغم عدم التفاهم الكامل احيانا". وهنا نص الحوار:
• الصين صارت اليوم الاقتصاد الثاني في العالم والدولة الاكثر تصنيعا وتصديرا. في رأيكم الا يثير هذا الطموح حساسية الدول الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة التي لاتقبل ان ينازعها احد على الهيمنة الدولية؟
– منذ تأسيس الصين الشعبية قبل 60 سنة شهدت الصين تقدما كبيرا، اذ تضاعف الناتج الاجمالي المحلي 80 مرة وارتفع مستوى متوسط العمر من 35 الى 73 سنة. اقتصاد الصين يحتل الان المرتبة الثالثة في العالم، وفي نهاية السنة يمكن ان يصل الى المرتبة الثانية. لكن المشكلة في الصين ان عدد السكان كبير جدا. مليار و300 مليون نسمة يعني مشكلة كبيرة واي زيادة ستكون مشكلة اكبر. في نهاية 2010 ستكون حصة الفرد الصيني من الناتج الاجمالي العام 3000 دولار سنويا تقريبا. هذا يعني ان حصة الفرد في الولايات المتحدة اكبر بـ14 مرة وفي اليابان بعشر مرات وفي لبنان بمرتين. لذلك قال رئيس مجلس الدولة الصيني (رئيس الوزراء ون جياو باو) ان الصين لا تزال تحتاج الى مئة سنة لانجاز التحديث. اما الدول الاخرى فتبالغ في امر النهوض الصيني لاسباب مختلفة، منها جر الصين الى رفع تكاليفها العسكرية او لتبرير محاولات احتواء التقدم الصيني. انا اعتقد ان الصين تحتاج الى زمن طويل لتحل محل اميركا في العالم، واي كلام آخر هو كلام بعيد من الحقائق. ولدى اميركا ثلاثة عناصر اساسية للهيمنة:
اولا: العنصر المالي، نظراً الى مكانة الدولار الذي لا يمكن اي عملة ان تحل محله، والذي يمكن رفع قيمته او خفضها بلا قيود.
ثانيا: العنصر العسكري، وهذا لا يحتاج الى شرح كثير.
ثالثا: العنصر التكنولوجي، والتفوق الاميركي في مجال الفضاء والاتصالات.
لذلك اعتقد انه في زمن قصير ليس هناك اي دولة تستطيع ان تتحدى اميركا، والصين ليست معنية بنظرية التحدي.
الاستقرار الداخلي
• الا ترى ان الصين تحاول تقليل حجمها؟ ولماذا محاولات تقليل شأن القدرة الاقتصادية للصين؟ هل لاحتواء المطالبة الاميركية بتوظيف رؤوس الاموال الصينية في المناطق الريفية الفقيرة؟
– هذا ليس تواضعا وحجم الاقتصاد الصيني ليس رأيا صينيا، فهناك ارقام دولية. المهمة الاولى للصين حاليا هي الحفاظ على التنمية الاقتصادية لان الظروف الخارجية صعبة جدا. حجم السوق الخارجية يتراجع وحجم التصدير الصيني الى الخارج يتراجع بفعل الازمة الاقتصادية العالمية. والكثير من المصانع الصينية تواجه مشكلات. وتراجع الصادرات سيفاقم ازمة البطالة ويرفع عدد العاطلين عن العمل. لا نستطيع ان نتقدم من دون استقرار اجتماعي. لذلك لا تسعى الصين الى تقليل قوتها لان ذلك يتناقض مع اهدافها، بل تسعى الى الموازنة وتأمين الاستقرار المحلي. هذه السنة تراجعت نسبة النمو الى 8.7 في المئة بفعل الظروف الصعبة في الخارج وتراجع حجم الصادرات في السنة المقبلة نسعى الى الوصول الى نسبة نمو 9 في المئة. الاستهلاك الداخلي الصيني يتنامى والعنصر الداخلي يتطور، ونسعى الى تحقيق الاهداف بالاعتماد على الاستقرار الداخلي وليس على الاسواق الخارجية. الاسواق الخارجية ضروية لكنها وحدها لا تكفي ولا تحقق المطلوب.
• راهن البعض على ان الصين ستتعرض لهزة كبيرة بسبب الازمة الاقتصادية العالمية وتراجع حجم الاستيراد العالمي. كيف تجاوزتم هذه الازمة؟
– اتخذت الصين الكثير من الاجراءات لتعزيز استقرارها الداخلي وتنمية اقتصادها حتى لا يتأثر بالعوامل الخارجية. اولا عبر تعزيز البنية التحتية الداخلية وتطويرها، ثانيا عبر اعادة هيكلة الصناعة والتخلص من الصناعات التي لاتتواءم مع الحاجات والمتطلبات، ثالثا بزيادة الاستثمار في قطاع التكنولوجيا والنمو التكنولوجي، رابعا عبر معالجة المشكلات الحياتية الخاصة بالشعب الصيني وتوفير الضمانات الضروية مثل التعليم والرعاية الصحية للجميع وخصوصا للفلاحين. هدفنا الاساسي تنمية القدرة الاستهلاكية للصينيين وتقليل حجم الفجوة الكبيرة بين الاغنياء والفقراء. هذه الفجوة موجودة فعلا وتهتم الحكومة بهذه المشكلة. بحثنا في هذا الموضوع في مؤتمر الشعب لايجاد حل له. طرحت مثلا زيادة الضرائب على الاغنياء وغيرها من الحلول. لكن اهم شيء هو زيادة دخل الفقراء. هناك 200 مليون فلاح نزحوا الى المدينة من اجل العمل، وهناك عمال المدينة الفقراء الذين يتجاوز عددهم المئة مليون. الاصلاحات التي طبقتها الصين قبل ثلاثين سنة سمحت بوجود اغنياء في المجتمع بطريقة صحيحة وشرعية لكن هذه الاجراءات دفعت الصين الى الامام. تقدمنا كثيرا في 30 سنة. وطبعا يوجد بعض المشاكل. المشكلة الرئيسية انه لايوجد توازن في التطور. وعدم التوازن ليس فقط على مستوى الافراد فقراء واغنياء، بل على مستوى الاقاليم ايضا. هناك اقاليم غنية مثل بيجينغ واقاليم فقيرة مثل غويجو.
"غوغل" واليوان
• ما هي ابرز نقاط الاتفاق ونقاط الخلاف بين الصين والولايات المتحدة؟
– كلا الدولتين كبيرتين. الولايات المتحدة هي احدث دول العالم والصين هي اكبر الدول النامية في العالم والاسرع في التطور. وكلتا الدولتين عضو في مجلس الامن وكلتاهما تتحملان مسؤولية السلام والتنمية وكذلك مسؤولية تغيير المناخ ومنع انتشار اسلحة الدمار الشامل ومكافحة الامراض المعدية والحفاظ على الاستقرار في العالم والتنمية الاقتصادية. لذلك لدى الصين واميركا مجالات كبيرة للتعاون. وفي المقابل لدينا بعض الخلافات. التاريخ لكلا البلدين مختلف. الصين عمرها خمسة آلاف سنة واميركا عمرها مئتا سنة. الثقافة مختلفة، الايديولوجيا مختلفة. بعض الدول يضع حواجز امامنا، واذا نحن اظهرنا عضلاتنا سنواجه مشاكل اكبر. اميركا تسعى الى استخدام المجتمع الدولي لاهدافها. نحن لا نستطيع ان نقف ضد المجتمع الدولي. هناك خلافات بيننا في السياسة الخارجية. نحن نتمسك بسياسة سلمية وليس لدينا الجيش والعسكر في الخارج ولا القواعد العسكرية ولا نتدخل في الشؤون الداخلية للاخرين. ندعو دائما الى حل سلمي للصراعات الدولية. ونعارض اللجوء الى القوة. ندعو الى التعامل مع الدول على مبدأ الاحترام والمساواة. اذا قارنا بين السياستين نرى خلافات كثيرة.
اما عن مشكلاتنا المباشرة مع الاميركيين فهي ثلاث:
اولا: ما يتعلق بوحدة الاراضي الصينية. اميركا اعترفت بتايوان والتيبت كجزء من الاراضي الصينية واكدت انها لا تدعم انفصال تايوان او التيبت. وعلى رغم ذلك يستقبل الرئيس (الاميركي) باراك اوباما الدالاي لاما ليس كرئيس جماعة دينية بل كرئيس حكومة لان لديه حكومة في المنفى وهو رئيسها. وبالنسبة الى تايوان، واشنطن باعت تايوان اسلحة بقيمة 6.4 مليارات دولار. كيف تبيع واشنطن سلاحا في مقاطعة صينية؟ هل يمكن الصين ان تبيع هاواي اسلحة ؟ هذا تدخل في الشؤون الداخلية الصينية والصين سترد عليه بقوة.
ثانيا : مشكلة "غوغل". "غوغل" كانت وافقت على التزامات دخلت بموجبها الى الصين. بعد اربع سنوات تطلب "غوغل" الغاء تلك الالتزامات. في العالم 192 دولة 180 منها تفرض على "غوغل" التزامات وواجبات لاسباب مختلفة. لماذا مسموح للغير وممنوع على الصين؟ "غوغل" لا تحقق اي ارباح تجارية، كذلك من واجبنا حماية مجتمعنا وخصوصا اطفالنا من المواقع الاباحية. اوباما يسيس مشكلة تجارية. الانترنت مفتوح في الصين تحت اشراف الادارة كما في بقية ارجاء الدولة…
• هل يستخدم سعادة السفير موقع "غوغل"؟
– (بحزم) لا استخدم "غوغل"…
بالنسبة الى الخلاف الثالث، اي سعر صرف اليوان (العملة الصينية)، السبب وراء اثارة هذه المسألة واضح جدا وهو نسبة البطالة العالية في الولايات المتحدة. يقولون ان سبب البطالة الحجم الكبير للصادرات الصينية والسعر الرخيص للعملة الصينية. لكن هذا الامر ليس حقيقيا ولا واقعيا. حتى لو رفعنا سعر الصرف لا يمكن ان تحل مشكلة البطالة في اميركا بل على العكس تماما. في مجال التجارة، الشركات الاميركية تصنِّع في الصين وتصدِّر الى أميركا. 80 في المئة من قيمة منتجات هذه الشركات يذهب الى أميركا. التجارة بين الصين والولايات المتحدة متوازنة عموما. اذا رفعنا قيمة اليوان لا نغير في اميركا شيئا. البضائع التي تنتج في الصين لا تنتج في اميركا واذا كان ثمن هذه البضائع غاليا ستلجأ الى الشراء من دول اخرى. عام 1980 فرضت واشنطن على اليابان رفع قيمة عملتها (الين) ومنذ ذلك الحين تعيش اليابان مرحلة ركود اقتصادي. اعتقد ان المثال الياباني يدل على ان المشكلة الصينية – الاميركية هي في ميدان غير ميدان سعر الصرف. الخلاف هو في شان الهيكل التجاري. وأهم شيء ان اميركا لا تحبذ ان تبيع الصين تكنولوجيا متطورة وتبحث عن الذرائع لعدم بيعها.
الحرب كارثة
•ماذا عن الموقف الصيني في المسألة النووية الايرانية والخلاف مع واشنطن في هذا المجال؟
– نحن نرى ان لايران الحق في امتلاك الطاقة النووية السلمية ونسعى الى التزام عدم الانتشار النووي. لايران حق استخدام الطاقة السلمية لكن يجب ان تلتزم المعاهدات الدولية الخاصة بعدم الانتشار النووي. والصين تدعو الى تسوية هذه المشكلة عبر الطرق السلمية لاننا نعتقد ان اساليب اخرى من شأنها ان تؤثر على الاستقرار الاقليمي خصوصا في هذه المنطقة التي تتميز بأهمية كبيرة بالنسبة الى العالم.
في الوقت الحاضر نرى ان المجال لايزال مفتوحا امام الحل الديبلوماسي للملف الايراني وعلى الاطراف المعنيين ان يعززوا جهودهم في الطريق الديبلوماسي. نشجع على حل سلمي للمشكلة.
• هل يمكن ان تتطور الامور الى حرب مثلا؟
– من صميم قلبي آمل في الا يحصل ذلك، واذا حصل تكون الكارثة الحقيقية. كل المنطقة ستعاني من ذلك. هذه المنطقة مهمة بالنسبة الى الطاقة والنفط والاستقرار العالمي خصوصا في ظل الازمة المالية العالمية التي لا تزال محتدمة.
• ماذا عن موقف الصين في حال حصول حرب؟
– نعارض بشكل قاطع حدوثها.
• هل تنضم الصين الى عقوبات ملطفة في حال اقرارها في مجلس الامن ؟
– هذا سؤال مفترض من الصعب الاجابة عليه.
• لكن سبق للصين ان انضمت ثلاث مرات الى عقوبات ضد ايران!
– …
• ثمة انباء اميركية عن موافقة صينية على البحث في عقوبات جديدة ؟
– ستكون اخف مما يريدها بعض الدول.
اهم شيء ألا تؤثر هذه العقوبات على حياة الناس وان تفرض خناقا على الدول.
عقوبات كهذه ليس من شأنها الا جلب الاضرار، وفي المقابل فان الصين تشجع ايران على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
• هل تنتظر الصين "مكافآت" في مقابل تعاونها مع واشنطن في فرض عقوبات على ايران… مثلا وقف ارسال الاسلحة الى تايوان واتخاذ موقف في شأن التيبت؟
– لا اعتقد ذلك. اصلا اميركا استقبلت الدالاي لاما. ونحن لا نثق كثيرا بتعهدات اميركا. واساسا لا ربط بين المشكلتين.
لا مشكلة مع روسيا
• على رغم العلاقة المتينة بين بيجينغ وموسكو اليوم والتعاون المشترك بينهما في اطار منظمة شانغهاي، ثمة من يعتقد ان هناك جمراً تحت الرماد في العلاقة بين الدولتين لاسيما في ما يتعلق بالحدود. هل يمكن ان نرى توتراً روسياً صينياً في القريب؟
– الآن جرت تسوية المشكلة الحدودية بين البلدين ولا يوجد اي مشكلة ابدا ونهتم كثيرا بتطوير العلاقات. لدينا اربعة آلاف كيلومتر حدود مشتركة وتكامل كبير في المجال الاقتصادي وتوافق في الشؤون الدولية والمواقف المماثلة. لدينا تفاؤل كبير في هذا المجال.
العلاقة مع لبنان
•كيف تسير العلاقات اللبنانية – الصينية حاليا؟
– العلاقات الصينية – اللبنانية جيدة جدا. ليس لدينا مشاكل عالقة ونهتم بتطوير العلاقات بين الصين ولبنان وندعم الحفاظ على وحدة الاراضي اللبنانية وسيادة لبنان على كل اراضيه. ونقدر للبنان دعمه الصين في قضية تايوان والتيبت. الصين ارسلت 300 جندي الى قوة الامم المتحدة في لبنان "اليونيفيل". والصين حاليا اكبر الشركاء التجاريين للبنان. والان نسعى الى تعزيز التبادل الثقافي. وننوي تعزيز التبادل في مختلف المجالات. استقبلنا في الفترة الاخيرة ثلاثة وفود صينية، وفدين تجاريين ووفداً تابعاً للحزب الشيوعي الصيني. وفي 3 و4 من الشهر المقبل سيعقد منتدى التعاون الصيني – العربي ووجهنا الدعوة الى وزير الخارجية اللبناني علي الشامي لحضوره. وفي الوقت عينه تنظم الصين مهرجانا ثقافيا عربيا ودعونا اليه وزير الثقافة سليم وردة. كما سيشارك لبنان مع 190 دولة في معرض شانغهاي للتعاون الدولي. ووزير الاقتصاد اللبناني محمد الصفدي مهتم لامر هذا المعرض الذي يعتبر فرصة مهمة للترويج للبنان.
• ما ابرز العوائق امام تطوير العلاقة بين البلدين؟
– احيانا يكون هناك مشكلة في التفاهم الكامل بين الجانبين. ولا ننسى ان المسافة التي تفصل بين الدولتين كبيرة جدا. كما ان العلاقات بينهما حديثة نسبيا والصين جاءت متأخرة الى بلدكم. كذلك لا يوجد علاقة دينية بين البلدين. والاعلام يؤثر كثيرا ويوجد تباعداً في كثير من الاحيان. وفي السنوات الاخيرة لم يكن الاعلام الصيني ينشر عن لبنان سوى مشاهد الحرب والاغتيالات. ولكننا نريد تطوير العلاقات بكل الوسائل.
• بعض اللبنانيين يتخوف من حرب جديدة على لبنان، هل تتخوفون من احتمال كهذا؟
– هذا يتعلق بتطور الاوضاع الاقليمية. لكن نحن دائما متفائلون.
حاوره موناليزا فريحة وأمين قمورية
"النهار"




















